الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

الذكاء الاصطناعي ومعنى الحياة.. تحذير من عصر ما بعد الإنسانية

الفيلسوف الألماني ريتشارد بریشت ليس من المعارضين للذكاء الاصطناعي.. لكنه يحذر من هجومه على الديمقراطية

كيوبوست- إلهام الطالبي

يهتم بعض المؤمنين بالتكنولوجيا بدخول مرحلة يندمج فيها الإنسان مع الآلات. الفيلسوف الألماني ريتشارد بریشت، ليس من المعارضين للذكاء الاصطناعي؛ لكنه يعتقد أن هذه الرؤية “هي اتجاه لم يوافق عليه أي أحد”، محذراً من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي إلى الهجوم على الديمقراطية؛ لكن يمكنه أن يساعد في إثبات الفرد لذاته وإيجاد جوهر وجوده.

الذكاء الاصطناعي وتحرير الإنسان من المهن المملة

لا ينظر الفيلسوف الألماني إلى الذكاء الاصطناعي كتطور سلبي، ويقول في هذا الصدد “الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحرر الإنسان من المهن المملة”.

ويعتبر أنه من الجيد استخدام الذكاء الاصطناعي في العلوم؛ مثل الطب، حيث يمكن أن يكون مساعداً مهماً لنا في هذا المجال. ويضيف في هذا الصدد، في حواره مع “دويتشه فونك كولتوغ”: “لكن من المثير للاهتمام دائماً، أن نسأل إلى أين سيقودنا الأمر برمته على المدى الطويل؟”.

اقرأ أيضاً: هكذا سيغير الذكاء الاصطناعي مستقبل البشرية

ويضيف الفيلسوف الألماني بریشت: “عندما يصادف المرء الرؤى الإيجابية؛ خصوصاً التي يروج لها بصوت عالٍ في وادي السيليكون على وجه الخصوص -“عصر ما بعد الإنسانية”- يصبح الأمر مضطرباً بعض الشيء، “أن يسير كل شيء في اتجاه لم يوافق عليه أحد”.

الآلة سلطة جديدة

يهتم الفيلسوف الألماني ريتشارد ديفيد بریشت، بموضوع الذكاء الاصطناعي، وألَّف كتاباً عن ذلك، ويعتبر أن واجب الفلاسفة التعامل مع الأسئلة العميقة للإنسانية، ويرى أن الذكاء الاصطناعي سيغير حياتنا بشكل كبير، وربما قد يؤثر على فهمنا لذواتنا.

ويشير الفيلسوف الألماني، في حواره مع الصحيفة السويسرية “تاغ بلاط”، إلى أنه “لا يوجد تعريف ملزم للذكاء الاصطناعي؛ فقط الصيغة البسيطة التي تعرفه باعتباره يعمل عندما يكون الحاسوب في وضع يتعرف فيه على أنماط والبحث عنها واتخاذ قرارات بشكل مستقل، وهذه خطوة مهمة؛ لأنه على الرغم من أن الحاسوب في السابق كان يعمل بشكل أوتوماتيكي، فإنه لم يكن يعمل بشكل مستقل، وهنا تستلم الآلة سلطة جديدة، إنها نقطة التحول”.

“الذكاء الاصطناعي جيد عندما يحرر الناس من العمل الشاق، أو في العلم عندما يدقق في البيانات بطريقة تؤدي إلى رؤى جديدة وواضحة؛ لكنه مشكوك فيه عندما يقرر مصير البشر، ويجردهم من حقهم في اتخاذ قرارات، عندئذ يصبح الناس أقل قدرة على تقرير مصيرهم، وعاجلاً أم آجلاً سوف يفقدون حريتهم إلى حد كبير”- الصورة: “phonlamaiphoto”

 سوف يفقدون حريتهم إلى حد كبير

هل يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تغيير حياة الإنسان نحو الأفضل؟ يجيب بریشت: “هذا يتوقف على طبيعة استعمالنا له، الذكاء الاصطناعي جيد عندما يحرر الناس من العمل الشاق، أو في العلم عندما يدقق في البيانات بطريقة تؤدي إلى رؤى جديدة وواضحة؛ لكنه مشكوك فيه عندما يقرر مصير البشر، ويجردهم من حقهم في اتخاذ قرارات، عندئذ يصبح الناس أقل قدرة على تقرير مصيرهم، وعاجلاً أم آجلاً سوف يفقدون حريتهم إلى حد كبير؛ ما سيشكل هجوماً كبيراً على الفهم الليبرالي لديمقراطيتنا الأوروبية”.

ويضيف الفيلسوف الألماني: “على سبيل المثال الكمبيوتر يحسب مدى احتمالية عودة السجين لتكرار ارتكاب الجرم مرة أخرى، وهذا موجود في أمريكا، وهناك مثال آخر، يتم حساب وجمع بيانات التلاميذ في الحاسوب؛ لمعرفة نسبة غير الناجحين في العام المقبل.. كيف سيكون رد فعل الطفل عندما يكتشف أن نسبة 62 في المئة من التلاميذ من المتوقع أنهم سيرسبون؟ هذا لن يحفز الطفل؛ بل على عكس ذلك سيفقده ثقته في نفسه”.

اقرأ أيضاً: انتبهوا.. الذكاء الاصطناعي ينام معكم في السرير!

الذكاء الاصطناعي وجوهر الذات

يصف المتحدث ذاته، أن البيانات والأرقام أصبحت بمثابة السلطة، وأنه في مرحلة ما سنرغب في قياس وحساب كل شيء؛ لأننا لم نعد نشعر بالأمان، على حد تعبيره.

ويتابع بریشت في السياق ذاته، “ثم سنبدأ بالحفاظ على الجوانب القابلة للقياس في العالم، وسنترك الأشياء الأساسية التي لا يمكن قياسها على الإطلاق؛ المشاعر العميقة، مثل الحب”.

يعتبر المتحدث ذاته “أنه من خلال الذكاء الاصطناعي يمكن أن ندرك أين بالغ الإنسان في تقدير ذاته”.

يرى بریشت أن “المميز في البشر ليس مجرد ذكائهم المعرفي فحسب؛ بل عاطفتهم، الشيء الرائع في الناس أنهم يقولون (أنا) لأنفسهم، لا يمكن لأي باحث أن يجد الأنا في الدماغ، كما أننا نتمتع بوعي بالذات؛ إنها صفات بشرية محضة”.

لوحة “إدموند دي بيلامي” هي أول عمل فني رسمه الذكاء الاصطناعي في عام 2018.. بيعت بأكثر من 400 ألف دولار- الصورة: “مواقع التواصل الاجتماعي”

هل ينقذ الإبداع الفرد من سيطرة الذكاء الاصطناعي؟

وحول احتمالية أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى الوعي، يرى بریشت أنه “لن يؤدي الذكاء إلى الوعي، على خلاف ذلك أصبحت بعض الكائنات الحية واعية، مثل البشر يتمتعون بالوعي بالذات؛ ما أسهم في أن يصبحوا أكثر ذكاء، من أجل توجيه أنفسهم وبيئتهم”.

وهل تساعدنا قدراتنا البشرية على إثبات أنفسنا ضد الآلات في سوق العمل، يرد الفيلسوف الألماني: “هذا يتوقف على طبيعة الوظيفة، الذكاء الاصطناعي ليس السياسي الأفضل؛ فهو لن يتولى جميع العمليات الإبداعية في العلوم، ولن يكون قادراً على تحقيق الكثير في المهن الاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، لن يتم استبدال الروبوتات بالحرفيين بسهولة؛ هناك العديد من المهن التي ستبقى، ولكن أيضاً العديد من الأشياء التي ستختفي؛ مثل الإدارات وشركات التأمين والبنوك، هذا سيؤثر على الكثير من الناس؛ خصوصاً في سويسرا”.

اقرأ أيضاً: روبوت كتب هذا المقال.. فهل يخيفك هذا الأمر؟

أوروبا وتخطيط لعصر الآلة الجديد

ويدعو بریشت إلى التفكير في كيفية تمويل مجتمع المستقبل؛ حيث سيتغير عالم العمل بشكل كبير، معتبراً أن “النظام الذي لدينا الآن، مع الضريبة على الدخل وأنظمة الرعاية الاجتماعية الحالية، هي نتيجة للثورة الصناعية الأولى، لقد بدأ عصر الآلة الجديد في الظهور، وعلينا أن نبتكر مخططاً جديداً حتى يتمكن المجتمع من الاستمرار في العمل”.

وماذا سيفعل الناس الذين سيتوقفون عن العمل في المستقبل؟

 حسب الفيلسوف الألماني، “تظهر الرؤية المستقبلية في وادي السيليكون، من خلال ما يطلبه الناس عبر الإنترنت، وانجرافهم إلى عوالم اللعب الافتراضية، إنه فظيع، يمكن للناس أن يفعلوا الكثير من الخير، على سبيل المثال الانخراط في الأنشطة الاجتماعية ورعاية الآخرين، أخشى أن قلة قليلة للأسف ستفعل ذلك”.

المصادر:

1- دويتشه فونك كولتوغ

2- تاغ بلاط

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة