الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةدراساتشؤون دوليةمجتمعمقالاتملفات مميزة

الدين والمجتمعات الغربية

تعليقاً على مقالة الناشونال جيوغرافيك حول اللادينية

كيوبوست

خالد البري♦

يشير مقال غابي بولارد في “ناشيونال جيوغرافيك”، إلى حقيقة ديموغرافية، أعداد اللادينيين في المجتمعات الغربية تجعلهم الآن ”الديانة الكبرى“ الثانية، وقريبًا الأولى في بعض الدول. مفارقة أن نقول إن ”اللادينيين“ صاروا ”ديانة“؛ ربما لأننا نخلط بين معنى كلمة دين بصفتها الشخصية، وديانة بمعناها المجتمعي. هل ينبغي أن يعتبر اللاديني هذا مدعاةً للفرح أم مدعاةً للتفكُّر في أثره الاجتماعي؟

يخلط أناس بين الإيمان والدين، ويخلط آخرون بين الدين كاختيار فردي والدين في المجتمع. قد ينزعج شخص ملحد من مقولة إن الدين في المجتمع ضرورة؛ لأنه يعتقد أن معنى المقولة أن الدين لزام عليه هو شخصيًّا. بينما معنى المقولة أن الدين -كعقيدة اجتماعية- ضرورة في أي مجتمع.. انهيارها بلا بديل يؤدي إلى كوارث، ليس أقلها انهيار المنظومة القيمية التي تربط هذا المجتمع. بكلام بسيط، غياب الاتفاق على أسس، أن يضيع الناس، لا النخبة وحدها، حياتهم يتجادلون: هل السرقة أو القتل أو الكذب أو شهادة الزور، خطأ لذاتها، أم أنها مجرد جريمة، لو استطعت أن تفعلها دون أن تُكتشف فلا غبار عليك؟

لهذا نجد قيمًا مثل تلك في المجتمعات سبقت الأديان السماوية نفسها؛ لأنها عقائد اجتماعية تراكمت عبر السنين. يختصرها السواد الأعظم من الناس تحت كلمة واحدة، الدين.

كل المجتمعات تغير أديانها، وإن احتفظت بأسمائها. حتى المجتمعات التي تعتقد نفسها أكثر تمسكًا بالدين الأصلي، لو نظرت مليًّا ستجد أنها غيَّرت هذا الدين، وإن ببطء، على عكس المجتمعات العصرية، التي غيَّرته بما يتوافق مع إيقاع الزمن. فتجد المسيحية اليوم في إنجلترا مختلفة عن مثيلتها في العصر الفيكتوري، قبل أقل من قرنَين، مختلفة عن عصر النهضة، ومختلفة طبعًا عن إنجلترا الكاثوليكية في القرن السادس عشر.

اختلفت المجتمعات الغربية الأخوية عن الشرقية الأبوية في رؤيتها للمشكلة؛ حيث الغربية تعتقد أن من الأفضل أن يعمل الدين بحرية؛ لكي يكون التغيُّر متواكبًا مع تغيُّر المجتمع، ومتدرجًا معه. بينما رأت المجتمعات الشيوعية أن القرار علوي: يُزاح الدين بجملته قسرًا من الحياة العامة. فشهدت تلك المجتمعات ما حذَّر منه المفكرون. شهدت دينًا بديلًا، النعت بشري، ولكن الإلزام والإجبار فيه لا يختلفان عن أسوأ صور الإلزام بدين إلهي. وحتى بعد سقوط الشيوعية، استمر “الشيوعيون الجدد”، وقد سموا أنفسهم أسماء مختلفة، على نفس النهج، تحت اسم الصوابية السياسية. فكأنما استبدلوا بالدين “السماوي” دينًا بشريًّا، له أوامره ونواهيه.

اقرأ أيضًا: ترجمات: أحدث الديانات الكبرى في العالم.. اللادينية

لقد كانت عبقرية الإصلاح الغربي إدراك القيمة الناقصة في دين عصور الظلام، قيمة الحرية، والتشديد عليها، وحقنها في أوردة المجتمع. الحرية قرَّبت المسافة بين الدين (التشريعات) والإيمان، فكأنما أبطلت ما فعله رجال الدين بالدين في عصور الظلام. والحرية أنسنت قيم الدين بإتاحة نقدها. فصار الناس يعتقدون في ما يعتقدون منها عن قناعة، وليس عن خوف. وصاروا قادرين على مراجعتها وتعديلها، لكي تكون قيمًا منبثقة عنهم، قريبة منهم، تحمل رائحتهم، فيألفونها وتألفهم. ساعدهم على ذلك انتشار التعليم المؤسسي.

قيمة الحرية كانت مهمة للغاية في لجم التشدُّد؛ لأن العقد الاجتماعي صار مشروطًا، الحرية قيمة أساسية للجميع لا تستطيع أن تأخذها حكرًا لك. لا تستطيع جماعة دينية أن تدَّعي حريتها في قمع حرية الآخرين؛ لأنها بذلك تنقض العقد.

هذا الجدل النظري، مع ذلك، لا يعني أن المشكلة بسيطة. معدل التطور العلمي مؤخرًا، مقرونًا بالحرية، أدَّى إلى جدل أعمق، ينفذ إلى البؤرة من الدين، وأعني بذلك فكرة وجود إله. كما ظهرت مشكلة ديموغرافية عالمية تتزايد بنفس الإيقاع السريع؛ حيث اتسعت الهوة بين الدول المتقدمة العلمانية، والدول المتخلفة، التي تشهد تزايدًا في أعداد المتدينين، ومزيدًا من التغول للدين السياسي في الحياة العامة. صار الدين هنا يستخدم مجالًا للتباهي للتعويض عن الإحساس بالنقص. أي أنه، وبدلًا من التنبه إلى احتمال أن تكون نسخة الدين -العقد الاجتماعي- سببًا في التخلف، يزيد التمسُّك بها؛ مما يدخل تلك المجتمعات في دائرة مفرغة.

———————————————-

♦ خالد البري: إعلامي وروائي مصري، تُرجم كتابه ”الدنيا أجمل من الجنة“ إلى ست لغات عالمية كبرى. ووصلت روايته رقصة شرقية إلى القائمة النهائية للبوكر العربية. وهو يرأس تحرير موقع “daqaeq.net”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة