الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الديكاميرون.. حكايات من زمن الطاعون

وجد بيكاشيو، عندما كان الوباء في ذروته حاصدًا أرواح الفلورنسيين دون رحمة أو شفقة، المدخل المثالي لعمله الخالد "الديكاميرون" الذي يضم مئة حكاية من العصور الوسطى، على غرار "ألف ليلة وليلة"، يرويها عشرة شباب؛ سبع نساء وثلاثة رجال، هم الأبطال الذين اختارهم بوكاشيو لـ"الديكاميرون" حين قرروا ترك مدينة فلورنسا الموبوءة خلف ظهورهم والنأي بأنفسهم بعيدًا عن شبح الموت.

عبدالرحمن النقبي

الزمان: 1348، المكان: مدينة فلورنسا، إيطاليا.

عندما يُذكر اسم إيطاليا في القرن الرابع عشر، يتبادر إلى الأذهان بداية عصر النهضة، الذي كانت إيطاليا مهده ومكان ولادته، ومنها انتشرت بعد ذلك إلى أرجاء أوروبا كافة، مكونةً حركةً ثقافية كان لها عميق الأثر على أوروبا بأكملها؛ في الأدب والفلسفة والفن والعلوم والدين والحياة الفكرية بشكل عام.

هذه الحقبة العظيمة لا يمكن المرور عليها دون ذكر أعظم عباقرة الأدب الإيطالي الذين عاشوا فيها؛ أمثال دانتي أليجري، وفرانشيسكو بتراركا، بالإضافة إلى جيوفاني بوكاشيو، دون أن ننسى الفنان العظيم جوتو جي دي بوندوني.

رغم رومانسية الزمان والمكان؛ فإن الأقدار تأبى إلا وأن تُذيق معاصري تلك الحقبة سنوات من الخوف والرعب متمثلةً في وباء الطاعون أو ما سُمِّي، آنذاك، بـ”الموت الأسود” بين عامَي 1347 و1352، والذي اجتاح إيطاليا وأوروبا وخلَّف وراءه عشرات الملايين من الموتى أو ما يُعادل ربع سكان أوروبا في ذلك الوقت.

شاهد: فيديوغراف.. الطاعون في العصر الأموي

وجد بيكاشيو، في سنة 1348، عندما كان الوباء في ذروته حاصدًا أرواح الفلورنسيين دون رحمة أو شفقة، المدخل المثالي لعمله الخالد “الديكاميرون” ومعناه باليونانية: ديكا “10”، وهيميرا “يوم”؛ أي “الأيام العشرة”، ويضم مئة قصة أو حكاية من العصور الوسطى، على غرار ألف ليلة وليلة، تتم روايتها خلال عشرة أيام؛ وهي فصول الكتاب العشرة، على ألسنة عشرة شباب؛ سبع نساء وثلاثة رجال، هم الأبطال الذين اختارهم بوكاشيو للديكاميرون حين قرروا ترك مدينة فلورنسا الموبوءة خلف ظهورهم والنأي بأنفسهم بعيدًا عن شبح الموت الذي يتخطَّف أرواح الفلورنسيين دون هوادة؛ ليعيشوا في قصر ريفي فخم على مقربة من مدينة فلورنسا، ويعيشوا حياة الرفاهية والمتعة دون تجاوز حدود العقل.

قبل البدأ في سرد قصص الشباب العشرة، قام بوكاشيو بتقديم وصف دقيق وحقيقي عن الوضع المأساوي في فلورنسا، الذي بدأ في ربيع سنة 1347، وأجواء الوباء الذي فتك بأهلها دون أدنى رحمة أو تمييز، واصفًا أعراض الطاعون بدقّة “.. مع بداية المرض، ظهور دمامل، لدى النساء والرجال على السواء، عند أصل الفخذَين، وتحت الإبطين.. وخلال وقت قصير، تظهر تلك الدمامل في أنحاء الجسم كله، وسرعان ما تتحول إلى بقع بنفسجية.. في اليوم الثالث يموتون دون أن يُصابوا بأي نوع من الحمى”.

لوحة تجسد فكرة رواية الديكاميرون

انتشار الوباء، كما وصفه بوكاشيو، كان أشبه بانتشار النار في الهشيم، وكان من قوته وحدته لا ينتقل بين البشر وحسب وإنما الحيوانات أيضًا؛ حيث يقول: “كانت أسمال رجل بائس، مات بالداء قبل قليل، مُلقاة في الطريق العام، واقترب منها خنزيران يتشممان، ومزقاها بأسنانهما مثلما هي عادة الخنازير، وبعد قليل، بعد بعض التشنجات، كما لو أنهما تناولا سُمًّا، سقطا ميتَين فوق تلك الأسمال الممزقة”.

وكانت ذروة المأساة كما يرويها بوكاشيو هي الفترة التي وصلت فيها الحال إلى أن يتحاشى الجار الاقتراب من جاره، وابتعاد الإنسان عن أقربائه. وبلغ الرعب مداه بأن هجر الأخ أخاه، والمرأة زوجها؛ بل أدهى من ذلك وأمرّ وأكثرها مأساوية، هجر الآباء والأمهات أبناءهم!

يختتم بوكاشيو ديباجته بهذه الكلمات المؤثرة، التي تقطع نياط القلب:

“كم من الرجال الشجعان البارزين.. تناولوا الفطور في الصباح مع أسرهم وأصدقائهم؛ ليتعشوا في الليلة التالية مع أجدادهم وأسلافهم في العالم الآخر”.

اقرأ أيضًا: جائحات الكوليرا.. تاريخ أسود يأبى الانقطاع

نعود إلى القصر الريفي الذي يضم العشرة، حيث عقدوا اتفاقًا في ما بينهم على تولية ملك أو ملكة كل يوم، ويكون له حرية اختيار أساليب التسلية والترفيه، بالإضافة إلى اختيار موضوع القصص لذلك اليوم، وأن يكتفي كل شخص بقصة واحدة فقط في اليوم. أربعة من العشرة هم شخصيات حقيقية تربطهم علاقة بالكاتب؛ بامبينيا هي فتاة من نابولي أحبها بوكاشيو، وفياميتا هي ماريا دي أكينو، وإيميليا هي سيدة من فلورنسا قضى معها بوكاشيو أيامًا سعيدة، وإليسا التي احتفى بها بوكاشيو في أعماله الشعرية الكبرى.

أحد مشاهد مسلسل The little Hours على منصة نتفليكس وهو عمل مقتبس من رواية الديكاميرون

القصص المئة التي اختارها بوكاشيو لكتابه تعود إلى حقبة العصور الوسطى في أوروبا؛ من بينها قصتان لصلاح الدين الأيوبي، وتنوعت مواضيعها كل يوم، بيد أن الجزء الأكبر منها كان مخصصًا للقصص الغرامية والعلاقات غير الشرعية بين الجنسَين، ولم تخلُ هذه القصص من تسليط الضوء على حيل الجنسَين من أجل الظفر بلحظات حميمية دافئة مع النصف الآخر. كما كان للكنيسة ورجال الدين نصيبٌ لا بأس به من القصص التي سلَّط فيها بيكاشيو سياط انتقاده اللاذع للممارسات اللا أخلاقية لرجال الدين المسيحيين.

في اليوم الأول، قصَّت فياميتا على الحضور قصة مركيزة مونفيراتو، التي كانت تتمتع بجمال أخّاذ ورجاحة عقل تُحسد عليها، وفضائل كريمة تُميزها هي وزوجها المركيز الشجاع حامل لواء الكنيسة، وكان الزوجان مضرب الأمثال بين الناس لعظيم فضائلهما. حرَّك هذا المديح نفس ملك فرنسا الذي عقد العزم على أن ينال من المركيزة ويُشبع رغبته منها. لذا قرر الذهاب إليها وتوقفه في منزلها أثناء إحدى حملاته العسكرية. رحَّبت المركيزة بزيارة ملك فرنسا وخامرتها الشكوك حول زيارته لها في غياب زوجها وفهمت المغزى من هذه الزيارة. أمرت المركيزة الطهاة بإعداد أشهى أنواع الأطباق والأطعمة من إناث الدجاج فقط. بعد وصول الملك وجلوسه لتناول الغداء، دُهش بأن جميع الأطباق مصنوعة من إناث الدجاج، فسأل المركيزة: سيدتي، هل تولد هنا الدجاجات وحدها، دون وجود أي ديك؟ فهمت المركيزة مغزى سؤاله، فأجابته: ليس الأمر كذلك يا سيدي؛ لكن النساء وإن اختلفن بعض الاختلاف بملابسهن ومكانتهن، فإنهن جميعهن هنا كمثيلاتهن في كل مكان.

لوحة تصور آثار انتشار الطاعون في أوروبا

فهم الملك سبب وليمة إناث الدجاج ومغزى رد المركيزة، فقرر أن يكبح جماح رغبته القوية فيها، وأن يُطفئ لهيب شهوته ويُغادر المكان مذلولًا مغبونًا.

في اليوم الثالث، راح فيلوستراتو يقصّ على الحضور قصة حدثت في إحدى أديرة فلورنسا. في هذه القصة نستوضح بجلاء رأي بوكاشيو في الجرائم الأخلاقية التي تحدث خلف أسوار الكنائس والأديرة، وهي نتاج طبيعي لكبح جماح رغبات الإنسان الطبيعية دون إيجاد مخرج مناسب لها، وهو ما يُعارض الفطرة التي خُلق عليها الإنسان. الشاب الوسيم ماسيتو كان يرغب في العمل كبستاني في الدير الذي كانت تعيش فيه ثماني نساء ورئيسة الدير؛ لكنه كان يخشى أن يُرفض توظيفه بسبب وسامته، لذلك ادَّعى أنه أصم وأبكم، وتم توظيفه على هذا الأساس. في أحد الأيام وبينما هو مستلقٍ في البستان بعد يوم عمل طويل وشاق، استرقّ السمع إلى حديث بين راهبتَين؛ حيث رغبت إحداهما في البوح لصديقتها عن فكرة تُشغل بالها وترغب في تنفيذها، وبعد تشجيع الأخرى باحت لها بقولها: لستُ أدري إذا ما كنتِ قد فكرتِ في حياة التقشف التي نعيشها، فهنا لا يمكن دخول أي رجل وهذا البستاني أبكم. وقد سمعتُ نساءً يقلن إن أعظم المتع كلها هي متعة الرجل والمرأة. وقد فكرت في أن أجرِّب مع الأبكم؛ لأني لا أستطيع عمل ذلك مع آخرين.. لأن الأبكم لن يستطيع أن يقول شيئًا. ما رأيك؟ فردت عليها: ما هذا الذي تقولينه؟ لقد نذرنا عذريتنا للرب! فردت الأولى: وكم من النذور تُنذر له كل يوم ولا تُوفّى؟!

اقرأ أيضًا: الإنفلونزا الإسبانية.. أم جميع الأوبئة الحديثة

ذهبت الراهبتان إلى البستاني وأخذته الأولى إلى كوخ صغير وقضت معه وقتًا رومانسيًّا لا يُنسى، وتبعتها بعد ذلك صديقتها التي قام البستاني بالواجب تجاهها على أحسن ما يُرام، واتفقت الاثنتان على أنه أحلى ما في الوجود. لم يمض وقت طويل حتى ارتفع عدد زبائن البستاني إلى ثماني راهبات، ما لبث أن لحقت بهن رئيسة الدير، التي كانت تعتقد أنها الزبونة الوحيدة لدى البستاني، إلى أن اكتشفت بعد ذلك أن جميع مَن في الدير هنّ زبائن لدى البستاني الذي لم يستطع بعد ذلك القيام بواجبه تجاه الجميع؛ مما استدعى عملية تنسيق وجدولة بينهن.

في اليوم الرابع والذي تم تخصيصه للغراميات ذات النهاية المأساوية، تروي فياميتا قصة تانكريدو، أمير ساليرنو، الذي كانت لديه بنت وحيدة أرملة يحبها حبًّا عظيمًا تُدعى جيسموندا، وكانت جميلة وذكية ذكاءً قلّ نظيره.

لوحة تصور حالة انتشار “طاعون أثينا”

خفق قلبها لأحد حرَّاس والدها ويُدعى جيسكاردو وأُغرمت به، وكان يتمتع بأخلاق نبيلة رغم أصله الوضيع. قادها حبها المتوهج ورغبتها الجامحة بعشيقها إلى الاهتداء إلى طريقة لإدخاله إلى مخدعها دون علم أحد، وقضت مع حبيبها لحظات عمرها وهما يتبادلان ألذ وأجمل ما يحدث بين العاشقين. تكررت هذه المواعيد الغرامية كثيرًا بسرية تامة، إلى أن اكتشف والدها الأمر بمحض الصدفة. جُنّ جنون والدها؛ خصوصًا أن الخيانة جاءت من أقرب حراسه وأحبهم إليه، وما كان رد العاشق على سيده بعد ضبطه إلا أن قال “الحب أقوى منك ومني يا مولاي”. دافعت جيسموندا عن نفسها وحبها بكل شجاعة، وأوضحت لوالدها أنها من لحم ودم مثل أي إنسان ولا تخلو من العواطف والشهوات. قام والدها بقتل عشيقها وأهداها كأسًا وضع فيها قلبه، فما كان منها عندما رأت قلبه إلا أن انحنت على الكأس ساكبةً فيها دموعها، ثم وضعت فيها السم وشربته، وطلبت من والدها المكلوم، قبل أن تُسلم روحها، أن يمنحها جميلًا بأن يدفن جسدها إلى جانب جيسكاردو، وهو ما قام به، وبكى بكاءً مريرًا وندم على قسوته مع ابنته الوحيدة.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

في اليوم الخامس الذي خُصِّص للغراميات بنهايات سعيدة، روت فيامتا قصة فيدريكو الذي هام حبًّا وعشقًا بأجمل نساء فلورنسا، السيدة مادونا، والتي من أجل هيامه بها أنفق أمواله في إقامة الحفلات وتقديم الهدايا لكسب ودِّها؛ لكن عفَّة المرأة وجمالها منعاها من الاستجابة له. كانت نتيجة ذلك أن فقد العاشق المتيَّم ثرواته، وانتهى به الأمر إلى الرحيل إلى أرض صغيرة يمتلكها في الريف بصحبة صقره العزيزعلى قلبه. بعد وفاة زوجها، ذهبت مادونا إلى الريف بصحبة ولدها الذي تعلَّق بصقر فيدريكو، لدرجة مرضه بسبب ذلك؛ ما أجبر الأم على الذهاب إلى فيدريكو الذي لم يجد شيئًا يطبخه لضيفته سوى صقره العزيز على قلبه. وبعد العشاء صارحته بطلبها الذي أصاب فيدريكو بالجنون وأخبرها بأنها تناولت الصقر للتو. بعدها بأيام توفِّي الولد بسبب مرضه، وورثت مادونا ثروة طائلة، ولم تجد زوجًا أكثر حبًّا وإخلاصًا لها من فيدريكو رغم معارضة إخوتها الزواج من رجل مُعدم، وعاشا سنوات طويلة من الحب والسعادة.

اقرأ أيضًا: أبعد من أساطيرنا حول “كورونا”.. أوبئة الألفية الأولى غضبٌ من الآلهة!

اليوم العاشر والأخير، كانت قصصه مهذبة وتناول موضوعات الشرف والفروسية والشاعرية الموروثة في العصور الوسطى.

بعد أن ينتهي بوكاشيو من اليوم الأخير، يُقدم اعتذاره إلى القارئ إذا ما ذكر في كتابه بعض الأمور التي يراها البعض غير لائقة أو مهذبة؛ لكنه يرى أن هذا الأمر أحد حقوقه مثلما للرسام ريشته التي يعبث بها كيف يشاء. فهو يرى أن من يريد أن يستخلص نصائح خبيثة أو سيئة، فلا يوجد هناك مَن يستطيع منعه من ذلك. أما بخصوص مَن يرى أن الكتاب كان بالإمكان أن يكون أفضل لولا بعض القصص الماجنة؛ فهو يعتقد أن كتابه مثالي بكل ما فيه من وجهة نظره.

المؤلف: جيوفاني بوكاشيو

الناشر: دار المدى

المترجم: صالح علماني

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات