الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الدولة التي لم تعد شيعية

الإيرانيون المحبطون يتحولون إلى ديانات أخرى.. والقمع يدفع إلى الخروج عن العقيدة الرسمية

كيوبوست- ترجمات

بالنسبة إلى الأب منصور، فالمسيحية في إيران تحمل كل الإثارة التي كانت قديماً تحيط بالكنيسة في زمن الاضطهاد؛ فهو يؤدي صلواته في المنازل في مختلف أنحاء إيران سراً، حيث يدعو المسيح “جمشيد”، ويقود الصلوات والتسابيح بصمت. يقول الأب منصور: “نحن نصلي بحركة شفاهنا، لا نستطيع الصلاة بصوت عالٍ”. المخاطر كبيرة جداً، فالتبشير ممنوع، وقد تم سجن العديد من المبشرين؛ ولكن ثواب التبشير كبير أيضاً. يقول القسيسون المحليون إن المئات من الكنائس السرية تجتذب مئات الآلاف من المصلين، ويزعم الإنجيليون أن المسيحية تنمو في إيران أسرع من أي بلد آخر.

اقرأ أيضاً: 40 سنة على الثورة الإسلامية: كيف يعيش الشعب الإيراني تحت حكم ولاية الفقيه؟

تتسع الفجوة الروحية بين آيات الله الشيعة والناس الذين يحكمونهم؛ فقيود النظام الديني وعقيدة التفوق الشيعي تنفِّر الكثيرين. ولذلك، فإن أعداداً كبيرة من الإيرانيين يتخلون عن الإيمان الديني أو يجربون بدائل عن العقيدة الشيعية. والمسيحيون والزرادشتيون والبهائيون يتحدثون عن اهتمام الإيرانيين المتزايد بعقائدهم. وكذلك يتحدث قادة المذاهب الإسلامية الأخرى عن صحواتٍ شعبية. يقول رجل الدين الشيعي ياسر ميردامادي، من منفاه: “دائماً ما يكون هنالك تغير في الولاءات؛ فالإيرانيون يتحولون إلى ديانات أخرى؛ لأنهم لم يعودوا يشعرون بالرضا من العقيدة الرسمية”. 

اقرأ أيضاً: هل فقدت إيران سلطتها الدينية على الشيعة العرب؟

رسمياً، يعترف آيات الله بالديانات التوحيدية الأخرى ما دامت سبقت الإسلام. والدستور يخصص لغير المسلمين “أهل الكتاب” -المسيحيين واليهود والزرادشتيين- خمسة من أصل مئتين وتسعين مقعداً في البرلمان الإيراني. ولدى هذه الطوائف مدارسها الخاصة (بإشراف مديرين مسلمين) وأماكن العبادة الخاصة بها. وتحتضن إيران أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي.

إيرانيون يهود يؤدون طقوسهم الدينية- “يو إس آي توداي”

إلا أن رجال الدين في إيران يفضلون إبقاء غير الشيعة منفصلين ومعزولين وخاضعين؛ فهم يخشون أن التنوع الديني يمكن أن يؤثر على الهوية الشيعية للدولة. ومنذ الثورة الإسلامية عام 1979 لم يتم تعيين أي شخص غير شيعي في منصب وزير. وأحياناً يندد رجال الدين بالأقليات الدينية، ويصفونهم بالكفار أو الجواسيس، والقانون الإيراني يعاقب على التحول إلى دين غير الإسلام بعقوبة الإعدام.

ولكن القمع لا يفيد. تقول الدولة إن 99.5% من الإيرانيين الذين يبلغ عددهم 82 مليوناً هم من المسلمين؛ ولكن هذه الأرقام غير موثوقة. وقد أظهر استطلاع للرأي، شمل نحو 50 ألف إيراني (يعيش 90% منهم في إيران)، قامت به مجموعة جامان البحثية الهولندية عبر الإنترنت، أن إيران دولة تمر بحالةٍ من التغير الديني. فقد قال نصف الذين شملتهم الدراسة إنهم تخلوا عن إيمانهم الديني أو تحولوا إلى دين آخر. وقال أقل من ثلث هؤلاء إنهم من الشيعة. وحتى إذا كانت هذه الأرقام قريبة من الصحة؛ فإن إيران أكثر تنوعاً مما تقوله الإحصاءات الرسمية.

شاهد: لماذا يختلف السنة والشيعة وتتسع الهوة بينهما؟

الزرادشتية، أقدم الديانات الإيرانية؛ هي على الأرجح ثاني أكبر ديانة في إيران. وتحتفل إيران رسمياً بعيدَي النيروز ويلدا. رسمياً، يبلغ عدد أتباع الزرادشتية 23 ألفاً فقط؛ وهم يتبعون تعاليم زرادشت، النبي الفارسي من القرن السادس قبل الميلاد. ولكن 8% ممن استجابوا للاستطلاع قالوا إنهم يؤمنون بالديانة الزرادشتية. بعض الإيرانيين ينجذبون إلى جذورهم الدينية الفارسية والعداء للإسلام الذي يعتبرونه غرسة عربية. وقد اعتاد الإيرانيون على إقامة حفلات الزواج على الطريقة الزرادشتية التي تُقام فيها الصلوات الزرادشتية حول النار إلى أن منعت السلطات هذه الحفلات في عام 2019.

الزرادشتيون يواجهون مستقبلاً مجهولاً في إيران- “إن بي سي نيوز”

ويرى رجالُ الدين الشيعة في الصوفية أو الإسلام الصوفي تهديداً أكبر، ولطالما استهدفت الحكومة الصوفيين بالمضايقات والاعتقالات التعسفية، وفي عام 2018 نظَّم الصوفيون احتجاجات اعتقل فيها أكثر من 300 منهم، وقتل خمسة رجال أمن. وجرى وضع نور تابنده، زعيم جماعة قونبادي الصوفية، الأكثر شعبية، رهن الإقامة الجبرية حتى وفاته في ديسمبر 2019؛ لكن متصوفة القونبادي يقولون إن خلواتهم باتت تجتذب أعداداً متزايدة من الإيرانيين.

كذلك تتزايد أعداد الإيرانيين السُّنة جزئياً؛ بسبب ارتفاع أعداد المواليد بين أتباع المذهب السُّني. ويعتقد أن عددهم يصل إلى 10% من سكان إيران، ويعيش أغلبهم في أطراف البلاد؛ حيث ترغب السلطات في إبقائهم هناك. وقد هدمت هذه السلطات جميع المساجد السُّنية في العاصمة طهران، ومع ذلك يتدفق آلاف السُّنة كل يوم جمعة لإقامة الصلاة في فيلات في طهران، يستخدمونها أماكن للصلاة.

نور علي تابنده زعيم جماعة قونبادي الصوفية في إيران

كما انضم ملايين الإيرانيين إلى مذاهب إسلامية أخرى؛ مثل الإرسانيين الذين يتبعون تعاليم رجل دين من القرن الرابع عشر، والبهائيين الذين يرجع ظهورهم إلى القرن التاسع عشر؛ حيث تجتذب طقوسهم الدينية التي تشمل الموسيقى والرقص والاختلاط بين الجنسَين، الكثيرين ممن يبحثون عن متنفس لهم من النظام الديني المتشدد الذي أسس له آية الله روح الله الخميني، الذي قال يوماً: “ليس هنالك مكان للبهجة في الإسلام”.

ويستسيغ الكثيرون ممن اعتنقوا المسيحية فكرة أن النساء يشاركن في مراسم الصلاة إلى جانب الرجال. ويقارن البعض بين استشهاد الأئمة الشيعة والمسيح؛ ولكن بعض الأعضاء الجدد في أقليات إيران الدينية قد ينجذبون أيضاً إلى بعض المزايا غير الروحية، فعلى سبيل المثال يمكنهم التقدم بطلبات اللجوء إلى الولايات المتحدة؛ لكونهم ينتمون إلى أقليات مضطهدة، وهذا عادة ما يؤدي إلى التسريع بالموافقة على طلباتهم.

اقرأ أيضاً: أهل السنة في طهران.. عيد بلا مساجد لإقامة الصلاة

في عام 2016 كشف الرئيس الإيراني حسن روحاني، النقاب عن ميثاقٍ جديد للمواطنة ينهي التمييز الديني في البلاد؛ ولكنه لم يكن مُلزماً. ويبدو أن رجال الدين الممسكين بزمام السلطة لا يزالون يعتقدون أن أكثر ما يحمي السلطات الدينية هو الاضطهاد. ونتيجة لذلك، ربما سيحولون إيران إلى دولة غير شيعية.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة