شؤون عربية

الدور المصري في سوريا: من الانحياز إلى الوساطة السياسية

كيف تغير الدور المصري في سوريا بين مرحلتي الإخوان وما بعدها؟

خاص كيو بوست – 

مع وصول حركة “الإخوان المسلمين” إلى السلطة في مصر، وتولي محمد مرسي منصب رئيس الجمهورية في يونيو 2012، كان قد مضى على الأزمة السورية أكثر من عام. في تلك المرحلة، اتخذت مصر دورًا منحازًا لصالح أحد الطرفين المتقاتلين في سورية، وهو ما تم علانية في مؤتمر “الأمة المصرية لدعم الثورة السورية”، حيث بارك الرئيس السابق محمد مرسي “الجهاد” في سورية، وأعلن من استاد القاهرة الدولي بحضور عشرات الآلاف من مناصريه، قطع العلاقات مع سوريا وإغلاق سفارتها بالقاهرة وسحب القائم بأعمال السفير المصري من دمشق.

مرسي في مؤتمر دعم الثورة السورية

جاءت كلمة مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة اعتزامها تسليح ميلشيات المعارضة السورية، وهو ما فسّره محللون بأنه انسياقٌ وراء قرار واشنطن، بتحويل سورية إلى “أفغانستان” ثانية، عبر دعم المجاهدين الأصوليين، بالتزامن مع تزايد أعداد المصريين الذاهبين إلى سورية، وانضمامهم إلى حركات جهادية مثل داعش والنصرة.

تعاملت مصر في عهد الإخوان مع الأزمات في المنطقة العربية، بناءً على موقف التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، دون النظر إلى مصالح مصر الداخلية والخارجية، عبر دعمها للانقسامات السياسية، بترجيح كفة الإخوان والحركات الإسلامية على سواها. وتخلّت مصر في عهد مرسي عن دور مصر التاريخي الجامع لكل الكيانات السياسية، وجعلت من الرؤية الإخوانية للصراع أولوية لسياسات مصر الخارجية، وهو ما ظهر جليًا في رؤيتها للانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، فقد تعاملت مع حركة حماس بصفتها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، مما أجج الانقسام الفلسطيني الداخلي، وأبعد فرص المصالحة.

ومع تولي الرئيس مرسي للحكم، وخروج المحكوم عليهم بتهم الإرهاب من السجون، وتزايد الجماعات الأصولية في مصر، حاول الرئيس مرسي إرضاءهم، واستمالتهم إلى جانبه، بتنفيذ رؤيتهم المتطرفة لما يحدث في سوريا، خاصة أن تلك الجماعات تتبنى الفكر الجهادي، وأغلب المبتعثين المصريين للقتال في سوريا كانوا قد خرجوا من صفوفها، متأثرين بالفتاوي التكفيرية والتحريض الطائفي والمذهبي الذي كانت تنتهجه في تعاملها مع الأزمة السورية.

كلمة أحد السلفيين في مؤتمر دعم الثورة السورية

وبالعودة إلى مؤتمر دعم الثورة السورية في استاد القاهرة، وبحضور رئيس الدولة محمد مرسي، قام المتحدثون باسم الجماعات السلفية، بالتحريض الطائفي والتكفيري، وسط صمت مطبق من الرئيس، مما يعني موافقته الضمنية على ما ورد في خطابهم من تحريض مذهبي، لم تكن مصر الرسمية تنتهجه لسنوات طويلة.

 

أصداء الموقف المصري في عهد الإخوان

فسّر متابعون كلمة الرئيس محمد مرسي في الاستاد تجاه سوريا، بأنها تحمل من التهديد ما يجعل أفق حل الأزمة السورية بعيد المنال، بل وذهب بعضهم إلى أن تهديدات مرسي النارية لسوريا، كانت تحمل في طياتها وعودًا للإرهابيين بتدخل الجيش المصري مباشرة في الأراضي السورية، وقتاله إلى جانبهم.

كما فسّر البعض أن صمت الرئيس السابق أمام دعوات الجهاد التي أطلقها سلفيون، أمثال الإخواني محمد عبد المقصود، والشيخ محمد حسّان، ما هي إلا مباركة من قبل الرئيس لتلك الدعوات، في وقت كانت فيه الجماعات الإسلامية تحشد المؤتمرات لتجنيد المقاتلين وإرسالهم إلى سوريا، وتجميع الإعانات المادية لتمويل الفصائل المقاتلة فيها.

وقدّرت إحصاءات مختلفة عدد المصريين المنضمين إلى الفصائل المتمردة في سوريا بثلاثة آلاف مصري حتى عام 2013، مما يخلق مشكلة أمنية داخل مصر، على غرار أزمة “العائدين من أفغانستان”، الذين عادوا لتنفيذ عمليات إرهابية داخل مصر، استهدفت مدنيين وسيّاح ورجال أمن، وهو ما يعد حسب معتقداتهم التي تدربوا عليها؛ استكمالًا لطريق الجهاد الذي سلكوه في أفغانستان.

 

ثورة 30 يونيو.. عودة مصر لممارسة السياسة

بعد ثورة 30 يونيو، عادت مصر “لتلعب” سياسة، بدلًا من ألاعيب الطائفية والتحريض. وكانت السياسة المصرية ترى في سوريا امتدادًا لأمنها الخارجي، بحسب رؤية موروثة من عهد محمد علي باشا، الذي كان يعتبر الحدود الشمالية لسورية، امتدادًا للأمن القومي المصري.

في البداية نأت مصر بنفسها عن الملف السوري، وصارت تراقب من بعيد تطوراته، وهي ترى تنامي دور تركيا وقطر في الأزمة، عبر دعم المسلحين، ومحاولتهما إقامة مناطق حظر للطيران، مما يستدعي تدخلًا غربيًا مشابهًا لما حدث في ليبيا على يد حلف الناتو.

عبد الفتاح السيسي

اتبع العهد الجديد بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي زمام الحكم، واستقرار الأوضاع الداخلية في مصر، سياسة مختلفة جذريًا عن الدور الذي لعبه الإخوان في سوريا، وانتقلت فيها مصر من كونها طرفًا في الأزمة، إلى كونها “وسيطًا نزيهًا”، بحسب ما صرح به أحمد الجربا، مسؤول تيار الغد السوري.

التغيير في الموقف المصري جاء انطلاقًا من الأواصر المشتركة بين البلدين، مصر وسورية، فكلاهما يعاني من إرهاب الجماعات التكفيرية، والتدخلات الخارجية التي تؤجج الأزمات الداخلية.

ويتم ذلك أولاً بالمحافظة على الجيش الوطني السوري، بصفته الحامي لوحدة البلد، وبتضييق الخناق على الإرهابيين، ورفض أي حلول عسكرية للأزمة، بالإضافة إلى المحافظة على وحدة الأراضي السورية، ومنع تقسيم أراضيها.

بدأ الدور المصري تطبيق رؤيته للحل السياسي، بعقد مؤتمر للمعارضة السورية المعتدلة في القاهرة في يونيو 2015. اتفق المعارضون السوريون في ختام المؤتمر على “خارطة طريق لحل سياسي تفاوضي” مستندة إلى اتفاق جنيف. وتحققت مخرجات المؤتمر في رعاية مصر للمصالحات على الأرض السورية، الذي بدأ منتصف العام الحالي باتفاقية خفض التوتر في منطقة الغوطة الشرقية، ثم تلاها التوصّل إلى اتفاق في القاهرة حول إنشاء منطقة أخرى لتخفيف التوتر في شمال مدينة حمص، برعاية مصرية – روسية.

تميّز الدور المصري بأنه استبعد التنظيمات المصنفة بالإرهابية من قائمة المفاوضات، حتى لا يكسبها ذلك شرعية سياسية. ومن المرجّح أن يتزايد الدور المصري في محاولات حل الأزمة السورية، كون مصر كانت السبّاقة بالدعوة إلى ضرورة الحل السياسي، وعدم جدوى الحل العسكري، بالإضافة إلى كونها مسنودة من عدة دول عربية، مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية، التي تملك الكثير من أدوات التأثير في الأحداث الجارية منذ بداية الأزمة. كما أن وقوف مصر على الحياد منذ ما بعد 30 يونيو 2013، جعلها تكتسب ثقة جميع الأطراف على الأرض.

السيسي: الحل العسكري لن يحل الازمة

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة