شؤون عربية

الدوافع والرسائل وراء الاعتداء على الأمين العام لمؤسسة مؤمنون بلا حدود

من يقف وراء الاعتداء على الأمين العام؟

كيوبوست – مصطفى أبو عمشة

لم يكن الاعتداء الذي تعرض له الأمين العام لمؤسسة مؤمنون بلا حدود يونس قنديل في الأردن حدثًا عابرًا أو اعتباطيًا، وإنّما هو تجسيد لمجموعة من التفاعلات المعقدة والمتشابكة التي تمر بها المجتمعات العربية، التي تشكل الأيديولوجيا والآراء الفكرية والدينية أهم أبعادها الرئيسة.

فصول القصة بدأت ملامحها تتشكل بعد أن قررت وزارة الداخلية الأردنية منع إقامة مؤتمر “انسدادات المجتمعات الإسلامية، والسرديات الإسلامية الجديدة”؛ الذي كانت قد دعت له مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” في العاصمة الأردنية عمّان، ما بين 2-4 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وذلك لما اعتبر إساءة للذات الإلهية في بعض عناوين أوراق المنتدى.

اقرأ أيضًا: الأردن يمنع مؤتمرًا فكريًا بسبب الإخوان المسلمين

حادثة الاعتداء على قنديل كانت قد وصفت من البعض على أنّها ترجمة مخيفة للداعشية الناعمة التي تستبيح مجتمعاتنا سلوكيًا وثقافيًا، لكنّ آخرين يرون بأنّ الخطاب الذي تقدمه جماعات “الإسلام السياسي”، على رأسها جماعة “الإخوان”، كانت إحدى أهم العوامل والمسببات الرئيسة لفصول القصة المرتبطة بالحادثة، وهذا يأتي نتيجة للخطاب الأيديولوجي والتكلس الفكري الذي تعاني منه هذه التيارات والجماعات، بما ينعكس بالسلب على طريقة تفكير المجتمع.

 

الأسباب وراء الحادثة

يؤكدّ الخبير في شؤون الحركات الإسلامية والإرهاب الدولي، منير أديب، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ إحدى الأسباب الرئيسة لعملية الاعتداء على قنديل، تعود بالدرجة الأولى إلى النشاط الفكري الثقافي الذي تقوم به مؤسسة مؤمنون بلا حدود، من تفكيك للأفكار المتطرفة وتعرية ما تقوم به هذه الجماعات المتشددة من سلوكيات وممارسات، لا ترتبط في جوهرها بالدين، وإنّما بأيديولوجيا خاصة ترتكز عليها لأجل الوصول إلى أهدافها وغاياتها.

ويرى أديب بأنّ هذه الحادثة لم تكن مفاجئة بل متوقعة، خصوصًا بعد أن أعلنت المؤسسة إطلاق مؤتمرها في عمّان، لكنّ الجميع فوجئ بقرار المنع من السلطات الأردنية، وذلك بعد الحملة التحريضية الواسعة التي أطلقت شرارتها ديمة طهبوب، عضو البرلمان الأردني عن مقعد الإخوان، بعد أن طلبت من سمير مبيضين، وزير الداخلية الأردني، إلغاء المؤتمر الذي تنظمه مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، التي يشغل قنديل منصب الأمين العام لها.

ويشدد أديب على أن الحادثة الأخيرة تعكس مدى رفض أنصار “الإسلام السياسي” لمبدأ الحوار مع الأطراف والجهات الأخرى، منوهًا إلى أنّ هؤلاء أرادوا من خلال الاعتداء الأخير إيصال رسالة إلى كل من يؤمن بمبدأ الحوار، فهو يكشف طبيعة ما يؤمنون به من أيديولوجيا تسعى إلى توظيف الدين، والحصول على مكاسب سياسية ومادية، بل ويهدفون من خلالها إلى الوصول إلى أوضاع وامتيازات اجتماعية، في ظل دعم واضح من قبل جهات وأجهزة استخبارات دولية؛ لتحقيق أجندات متعلقة بزعزعة الاستقرار والأمن في العالم العربي.

 

رسائل متعددة من وراء الحادثة

تسعى هذه التيارات والجماعات إلى إيصال رسائل متعددة من خلال الحادثة، بحسب أديب، من ضمنها إرسال رسالة إلى العاملين في مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، بل وإلى كل من يسعى لتفكيك منظومة الخطاب التابعة للجماعات المتطرفة، أو كل من يفكر في اعتراض أيديولوجيا “الإسلام السياسي”.

ويؤكدّ أديب بأنّ حادثة قنديل تأتي كترجمة حقيقية للأفكار والمبادئ التي تحملها جماعات العنف والتطرف، إذ تجلت مظاهره بإحراق لسان قنديل، وكسر إصبعه، واستخدام سكين حاد للكتابة على ظهره حفرًا، مشددًا على أنّ هذه الأساليب ما هي إلا صورة من صور الإرهاب، بل هي بمثابة الرسالة الثانية التي وجهتها جماعات “الإسلام السياسي” ممثلة بـ”إخوان الأردن”.

اقرأ أيضًا: هل سيحسم الأردن علاقته بجماعة الإخوان أسوة بدول المنطقة؟

وتمثلت الرسالة الأولى بالحملة التحريضية التي قادتها الجماعة ضد المؤتمر المنظم من قبل مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”، وقد نجحوا بالفعل في إقناع السلطات الأردنية بمنعه، وتصويره على أنّه منبر للإلحاد ومحاربة للدين.

لكنّ أديب يختم حديثه بالتحذير من المنهجية التي تقوم عليها مثل هذه الجماعات، مشيرًا إلى أنّ من الممكن أن تكون هناك رسالة ثالثة تتمثل بقتل أو تصفية شخصيات مناوئة لأفكار وأيديولوجيا “الإسلام السياسي”، فهي لن تكتفي حتمًا بالرسالة الأولى والثانية، بل ستظل مستمرة في نهجها وسلوكياتها المعهودة القائمة على العنف والترهيب ضد الآخرين، بحسب وصفه.

 

ترجمة مخيفة للداعشية الناعمة

في سياق متصل، يؤكدّ الباحث في شؤون التقارب بين المذاهب والأديان، مصطفى أبو رمان، في تصريحات خاصة إلى “كيو بوست”، بأنّ محاربة الفكر المضاد ومصادرة الآخر ديدن المتطرف، بل والإنسان المعقد، مشيرًا إلى ضرورة احترام الرأي الآخر وحواره، لا قمعه ومصادرته وإلغائه، كما تفعل جماعات “الإسلام السياسي”.

ويوافق أبو رمان على توصيف الاعتداء بأنّه ترجمة مخيفة للداعشية الناعمة التي تستبيح المجتمعات العربية سلوكيًا وثقافيًا، مشددًا على ضرورة أن يعاد لعقول الناس حقيقة الإسلام ونوره ورحمته وعدالته، بعد أن عبأت وسائل الإعلام والمنابر المستمعين بـ”الفكر الإقصائي” الذي يمثله هؤلاء، وما هو إلا مرادف لفكر داعشي، مؤكدًا أنّ محاربته تكون عبر التوعية ونشر تعاليم الرحمة والمحبة والإنسانية في المجتمعات.

اقرأ أيضًا: دراسة إيطالية تكشف: 3 دول عربية تميزت في جهود مكافحة التطرف

ويبدي أبو رمان مخاوف كبيرة من استمرارية انتشار مثل هذه الثقافة، الأمر الذي سيكون له عواقبه المدمرة، مهيبًا بضرورة اليقظة والوعي وتكاتف الجهود، حتى لا تتكرر المآسي في المجتمع، مشددًا على أنّ المسألة ترتبط بالخطاب الأيديولوجي الذي تقدمه هذه التيارات، إضافة إلى ما تعاني منه من تكلس فكري ينعكس بالسلب على تفكير المجتمع.

وعلى إثر ذلك، فإنّ أبو رمان يشدد على أنّ قادة التحريض في المجتمعات، سواء بقصد أو بغير قصد، غير مبرأين من مثل هذه الحوادث، متسائلًا في الوقت نفسه: “من حرض على قتل الشهيد ناهض حتر؟ هذه ليست أول حادثة بالأردن”.

ويلقي أبو رمان باللائمة الكبيرة على جماعة “الإخوان”، التي تعدّ من أكبر الجماعات السياسية العاملة في الأردن، مطالبًا أن تكون على غير منهجها المتعارف عليه.

كما يهيب أبو رمان بضرورة الحذر من العدو الذي يتربص بالمجتمع الأردني، وذلك عبر معرفة أساليبه وأدواته، وأهمية الوقوف يدًا واحدة في وجه العدو والفتن، وضد الظلم والفساد، مشيرًا إلى وجود جهات خارجية لها أيد خفية تقف وراء هذه الحوادث، معتبرًا بأنّ مثيري الفتن ومحرضيها في العالم العربي ما هم إلا أدوات وصناعة جهات خارجية تتمثل في الصهيو-أمريكية، التي تسعى إلى تمرير مخططاتها وأهدافها عبر العديد من الوسائل والأدوات.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة