الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

الدرس المستفاد من أكبر دراسة علمية في العالم حول السعادة

كيوبوست- ترجمات

آغنيس باولوسكي♦

بقدر ما كانت السعادة هدفاً منشوداً عند البشر، كان الاختلاف كبيراً حول أسبابها وكيفية الوصول إليها. يربط كثيرون السعادة بالمال الوفير والإجازات الطويلة والحياة المهنية الناجحة ونمط الحياة المتميز والراحة؛ ولكن أطول دراسة علمية حول هذا الموضوع أظهرت أن كل ذلك يستبعد أهم مسببات السعادة.

عكف كثير من علماء النفس على دراسة مسألة السعادة، ووضعوا فيها مؤلفات كثيرة ملأت المكتبات في مختلف أنحاء العالم. ومن أبرز هؤلاء؛ الدكتور روبرت والدينجر، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة هارفارد، الذي يُشرف على مشروع “دراسة هارفارد لتنمية البالغين” التي انطلقت في عام 1938 بمساهمة 724 مشاركاً؛ للتوصل إلى الأسباب التي توصل الناس للسعادة. وبعد خمسة وثمانين عاماً، شملت الدراسة ثلاثة أجيال وأكثر من 1300 شخص من نسل المشاركين الأصليين، تمت متابعتهم من سن المراهقة إلى الشيخوخة؛ حيث قام الدارسون بمراقبة كل شيء، بدءاً من ممارسة الرياضة وعادات الشرب إلى الرضا الزوجي وأكبر المخاوف. كما درسوا السجلات الصحية للمشاركين؛ بحثاً عن مؤشرات الصحة الجسدية والعقلية، والتقوا معهم وجهاً لوجه لمراقبة سلوكهم وظروفهم المعيشية، وأخضعوهم لفحوصات الدماغ واختبارات الدم وفحوصات هرمونات التوتر. وقد قيَّم المشاركون حياتهم من خلال الإجابة عن استبيانات تستوضح ما إذا كانوا سعداء ويشعرون أن حياتهم ذات مغزى.

اقرأ أيضاً: هل السعادة اختيار؟

وضع الدكتور والدينجر كتاب “الحياة الجيدة: دروس من أكبر دراسة علمية حول السعادة”، الذي يشرح فيه العوامل المشتركة بين أسعد المشاركين وأفضلهم صحة؛ حيث برز عامل واحد فوق كل شيء: العلاقات الجيدة. يقول والدينجر: “إذا كنت ستتخذ قراراً واحداً لضمان صحتك وسعادتك على أفضل وجه؛ فعليك أن تنمِّي علاقاتك الجيدة. والسبب في ذلك هو أن علاقاتنا الجيدة تساعدنا في إدارة التوتر”. ويضيف: “بمتابعة آلاف التجارب الحياتية على مدى عقود، نرى أن كل تجربة حياة تواجه صعوبات، لذلك فالسؤال ليس هل لديك تحديات؟ بل كيف يمكنك مواجهة التحديات؟ وهل لديك الموارد لمواجهة تلك التحديات؟ وأنا أرى أن العلاقات الجيدة هي أحد أهم هذه الموارد”.

وضمَّن والدينجر كتابه عدداً من الرسائل والنصائح المتعلقة بالوصول إلى السعادة؛ ومنها:

العلاقات الجيدة لا تعني بالضرورة وجود الشريك

لا يتعلق الأمر بالزواج أو العيش مع شخص ما؛ بل المهم أن يكون لديك أصدقاء وأحباء يمكنك التحدث معهم والاعتماد عليهم. ما يحتاج إليه المرء هو وجود شخص ما في حياته يمكنه الاتصال به في منتصف الليل عندما يحتاج إليه. وقد تمكن بعض المشاركين من تسمية العديد من الأشخاص بينما لم يتمكن البعض الآخر من تسمية شخص واحد.

يقول والدينجر: “إن كل إنسان يحتاج إلى شخص واحد على الأقل في حياته يشعر أنه شبكة أمان بالنسبة إليه”. ومَن ليس لديهم هذا الدعم يمكن أن ينتهي بهم الأمر إلى التوتر المزمن الذي قد يؤثر على صحتهم العامة.

العلاقات الجيدة هي سر السعادة- صورة تعبيرية

مجرد الدردشة مع شخص غريب قد يكون أمراً باعثاً على الراحة

لا ينبغي التقليل من شأن العلاقات البسيطة العابرة؛ مثل التحدث مع شخص غريب على متن الطائرة أو تبادل المجاملات مع النادل الذي يصنع قهوتك. فهذا النوع من التفاعل يعطي شيئاً من الشعور بالرضا.

يقول والدينجر: “هنالك شيء ما يتعلق برد إيجابي من شخص آخر يجعلنا نشعر بالرضا. ولكننا غالباً ما نعتقد أن رأي هؤلاء لا يهم حقاً، ونتجاهل هذا الشعور بالرضا الذي يمكن أن نحصل عليه”.

الحياة الجيدة هي حياة معقدة

لا ترتبط السعادة بالترفيه والاسترخاء بشكل كامل؛ فقد وجد الباحثون في الدراسة أن الأشخاص الأكثر سعادة هم أولئك الذين يعيشون حياة تحمل معها التحديات التي يمكنهم مواجهتها. وغالباً ما يأتي الشعور بالرضا من القيام بالمهمات الصعبة؛ مثل تربية الأطفال أو البدء بمشروع تجاري.

يقول والدينجر: “إذا كانت الحياة تحمل لنا تحديات مثيرة؛ فهذا يعطينا الشعور بأننا قد أنجزنا شيئاً ما، وهذا أمر يبعث على الرضا. الثروة والامتيازات لا يشتريان لك السعادة”.

اقرأ أيضاً: 5 أمور قد تقودك إلى الرضى والسعادة، فهل تمتلكها؟

تقع السعادة في جزأين رئيسيين:

الأول في أن تكون سعيداً في لحظة محددة أو تستمتع بأمر معين، والثاني هو الرضا العميق؛ حيث يشعر الشخص أن حياته مُرضية وذات مغزى بغض النظر عما يدور حوله في اللحظة الحالية. ويوضح والدينجر الفارق بقوله: “لنفترض أنك تقرأ قصة لطفلك قبل نومه، أنت متعب بعد يوم طويل وطفلك يطلب منك أن تقرأ له القصة للمرة الثامنة. فهل تستمتع بذلك؟ بالتأكيد لا؛ ولكن أليس الاهتمام بطفلك من أهم الأمور التي يمكن أن تقوم بها؟ لا شك في أنه أمر يبعث على الرضا”.

قد يكون القيام ببعض المهمات الصعبة باعثاً على السعادة- صورة تعبيرية

لا أحد يكون سعيداً طوال الوقت.. ولا بأس في ذلك

يقول والدينجر: “إذا لم تكن سعيداً طوال الوقت فهذا لا يعني أن هنالك خطباً ما؛ هذا ببساطة يعني أنك على قيد الحياة. لا شك أنه بإمكاننا تحسين حياتنا، وتحسين مستوى سعادتنا؛ لكن لا ينبغي أن نتوقع أننا سنكون سعداء طوال الوقت”. ويضيف: “تذكر أن كل شخص يواجه ضغوطات وتحديات، وإذا كان يبدو أن الآخرين سعداء طوال الوقت؛ فإن ذلك غير صحيح”.

أقم علاقات جيدة في مكان العمل

وجدت الدراسة أن كثيراً من الناس يمضون معظم ساعات يقظتهم في العمل؛ لذلك فإن علاقات العمل مهمة للغاية. يقول والدينجر: “لقد ثبت من هذه الدراسة العلمية أن وجود صديق شخصي في مكان العمل يحدث فرقاً كبيراً في درجة سعادتنا”.

لم يفت الأوان بعد على تحقيق السعادة

بما أن الدراسة امتدت على مدى 85 عاماً، فقد درس الباحثون آلاف التجارب الحياتية من سن المراهقة وحتى الشيخوخة. يقول والدينجر: “ما رأيناه هو أن الأوان لم يفت بعد؛ فهنالك أشخاص اعتقدوا أنهم لا يجيدون بناء علاقات جيدة، وشعروا دائماً أنهم وحدهم، وفجأة يجدون حولهم أصدقاء أو يجدون الحب. وفي أحيان كثيرة يحدث ذلك للمرة الأولى لأشخاص في الستينيات أو السبعينيات أو الثمانينيات. فإذا ما كنت تعتقد أن الوقت قد فات لبناء علاقة جيدة، فعليك أن تفكر مرة أخرى”.

♦مراسلة صحيفة “توداي”، تكتب في شؤون أخبار الصحة والمستقبل. عملت سابقاً كمنتجة ومحررة في قناة “سي إن إن”.

المصدر: توداي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة