الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

الدرس الإماراتي: لتغيير سلوك الإسرائيليين يجب إقناعهم بأن لديهم ما يخسرونه

العقبة الأكثر صعوبة تكمن في يقين اليهود الإسرائيليين من أنهم لا يملكون سوى العنف والألم ليكسبوهما من المزيد من الانسحابات، وبالتالي فليس لديهم ما يخسرونه، نسبياً، من رفض القيام بذلك. ثم جاء الإماراتيون، لتوضح المبادرة شيئاً واحداً فوق كل شيء: لتغيير سلوك اليهود الإسرائيليين، يجب إقناعهم بأن لديهم ما يخسرونه. إذا كانوا (الفلسطينيون) يرغبون في تغيير السياسة والسلوك الإسرائيليَّين، فعليهم أن يشرحوا بشكل مقنع للإسرائيليين أن الانسحاب ليس كارثة تنتظر الكثير من الناس، حسب توقعاتهم.

كيوبوست – ترجمات

♦هافيف ريتيغ جور

يعمل القادة الفلسطينيون بجد للنظر في الرد على إعلان الأسبوع الماضي بشأن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة؛ لكن خياراتهم في ذلك محدودة. واقتصر رئيس الوزراء محمد أشتية، على إعلان أن فلسطين ستقاطع الآن معرض دبي إكسبو المقرر عقده في أكتوبر 2021.

وصرَّح محمود حبش، مستشار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، شاكياً أنه حتى جامعة الدول العربية والمنظمات الإسلامية متعددة الجنسيات، قد صُدمت على ما يبدو من الاتفاق. وأضاف حبش، في مقابلة تليفزيونية فلسطينية: “هل هذه هي الأمة العربية؟”، متعهداً بأن أي عربي يزور إسرائيل في رحلة حج إلى الأقصى سيُقابل في الحرم الشريف بـ”أحذية وبصاق أهل القدس”. وأكد أن الصمت “المخزي” في العالم العربي “يُظهر أننا نواجه مؤامرة بمشاركة الكثيرين”.

شاهد: فيديوغراف.. واقع جديد لصعود قوة إقليمية

الرئيس الأمريكي في لقاء سابق مع الرئيس الفلسطيني- أرشيف

ولعل لحظات الإحباط العميق يمكن أن تثير الغضب وتلهم نظريات المؤامرة؛ لكنها ليست مؤامرة تجعل الفلسطينيين دون حيلة. إنها محاسبة طال انتظارها مع واحدة من أكثر الحقائق مرارة في وضعهم، وهي أن العالم العربي كان دائماً مهتماً بفلسطين كرمز أكثر من اهتمامه بالفلسطينيين كبشر.

وكانت رؤية الإسرائيليين “الاستعماريين” الذين يتدافعون على شعب عربي ضعيف، بالنسبة إلى كثير من المفكرين العرب والقادة السياسيين، بديلاً للقلق بشأن الضعف العربي الأكبر والأقدم في مواجهة الهيمنة التركية والأوروبية والإمبريالية. ولم يكن هناك مكان يتجسد فيه الضعف العربي في العصر الحديث بشكل أكثر عمقاً مما كان عليه في الفشل بطيء الحركة، والذي يبدو أنه لا يمكن حله، للقضية الفلسطينية.

قيادات “حماس” في غزة يتوسطهم إسماعيل هنية- أرشيف

مطلب هنية

ثم هناك أيضاً استعصاء لهذا الصراع. ولا يحتاج المرء إلى أن يحب إسرائيل لكي يقدِّر أن السياسة الفلسطينية، من رفض “حماس” إلى فساد “فتح”، هي صرخة ألم في مسيرة العمل من أجل القضية الفلسطينية. وفي مقابلة في 26 يوليو الماضي مع “لوسيل نيوز” القطرية، كشف زعيم حركة حماس إسماعيل هنية، عن شيء مهم بشأن التفاعل بين الفصائل السياسية الفلسطينية، والعالم العربي الأوسع.

وقال هنية: “أتت إلينا الأطراف، التي نعرف أنها على كشوف رواتب بعض القوى العظمى (في إشارة واضحة إلى دول الخليج الثرية)، وعرضت إقامة مشروعات جديدة في قطاع غزة بتكلفة ربما تصل إلى 15 مليار دولار”؛ حيث تضمنت تلك المشروعات رفع الحصار الإسرائيلي- المصري عن الأراضي المحاصرة وإنشاء مطار وميناء بحري.

اقرأ أيضًا: اتفاق إسرائيلي- إماراتي يخلق واقعاً جديداً لصعود قوة إقليمية

وأضاف هنية: “قُلنا لهم: هذا رائع. نريد مطاراً وميناءً بحرياً، ونريد فك الحصار عن قطاع غزة. هذا مطلب فلسطيني؛ ولكن ما الذي يجب أن نقدمه في المقابل؟ الجواب: يريدوننا أن نحل الأجنحة العسكرية للفصائل، ودمجها في الشرطة. وبالطبع رفضنا هذا العرض نهائياً.. نحن نريد هذه الأشياء؛ لأنه من حقنا الحصول عليها وليس مقابل التنازل عن مبادئنا السياسية أو مقاومتنا أو أسلحتنا”.

وسأل المحاور: “ما مبادئك السياسية؟”، فرد هنية: “لن نعترف بإسرائيل، فلسطين يجب أن تمتد من النهر إلى البحر، ويجب أن يتم حق العودة، يجب إطلاق سراح الأسرى، ويجب إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على أن تكون القدس عاصمة لها”.

ولا يبدو أن هنية يفكر بجدية في ما يعترف به. ومن المنطقي أن تحاول المناطق الغنية في العالم العربي شق طريقها بعيداً عن القضية الفلسطينية؛ حيث لم يعد يتردد صداها كمسألة هوية. وأولئك الذين يفكرون الآن في التحالف مع إسرائيل ضد إيران أو الدخول في شراكة مع الدولة اليهودية في التجارة والتكنولوجيا، هم على استعداد لإغراق الفلسطينيين بالمال ليس من أجل رفاهية الفلسطينيين؛ ولكن لإزالة المشكلة السياسية التي يمثلونها.

شاهد: فيديوغراف.. اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي لحظة فريدة

والآن في الغالب في السياسات الدينية الإسلامية، لا يزال المرء يجد مخاوف أيديولوجية شديدة بشأن القضية الفلسطينية. وليس من قبيل المصادفة أن تجد رعاة “حماس” الأساسيين الآن في أنقرة وطهران. وبالنسبة إلى قادة تركيا وإيران الحاليين، يرمز الوضع الفلسطيني إلى شيء مهم حول مكانة ومسار العالم الإسلامي. وبالتالي فإن دعمهم مضمون في الوقت الحالي، على الرغم من أنه فقط لجزء من السياسة الفلسطينية يرفع تلك الراية الإسلامية.

“حماس” مقابل الفرنسيين

ولا يبدو الإماراتيون محرجين من إحباط الفلسطينيين اليائس؛ لكن في صفقة التطبيع يكمن درسٌ للفلسطينيين. فقد أظهر ولي عهد أبوظبي؛ محمد بن زايد آل نهيان، الذي تفاوض على الاتفاقية من الجانب الإماراتي، نقطة أساسية في التعامل مع الإسرائيليين، وهي نقطة لم تستوعبها الفصائل الفلسطينية، التي قضت وقتاً قليلاً للغاية في دراسة جدية لكيف يفكر ويشعر اليهود الإسرائيليون. فالأمر بسيط للغاية وقد يبدو كاريكاتورياً: لتغيير سلوك اليهود الإسرائيليين، يجب إقناعهم بأن لديهم ما يخسرونه.

عناصر تابعة لشرطة حماس – أرشيف

جملة من هذا القبيل هي أمر خطير في الجدل الإسرائيلي- الفلسطيني المحموم. وسيقول البعض إن لدى إسرائيل القوية والثرية الكثير لتخسره، وكلما بدأت في خسارته مبكراً، كان ذلك أسرع في إحداث تأثير سلبي في سلوكها. كما سيقول آخرون إن الحاجة إلى إنهاء الحكم العسكري الإسرائيلي على شعب آخر هي واجب أخلاقي ساحق؛ لدرجة أن الجميع يتحدثون عن خداع النفس الإسرائيلي، بما في ذلك التعليقات اللامعة، مثل “أعطهم شيئًا ليخسروه”، وهو ما يرقى إلى إلغاء فظيع للحس الأخلاقي من الأساس.

وهذا الأمر متجذر في تجربة طويلة ومؤلمة؛ حيث انتهت معظم الانسحابات الإسرائيلية في العقود الأخيرة بموجات من الإرهاب والعنف الشديد، لدرجة أنها غيرت بشكل جذري أنماط التصويت الإسرائيلية. وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، شهدت إسرائيل أقل مشاركة للناخبين في تاريخها.

إيمانويل ماكرون ومحمود عباس- “رويترز”

ولم يفُز اليسار في الانتخابات منذ عام 1999؛ بسبب مئات الهجمات الإرهابية التي استهدفت المدن الإسرائيلية في تلك الانتفاضة. ويميل النقاش في الخارج حول الإسرائيليين والفلسطينيين إلى نسيان إراقة الدماء؛ لكن الإسرائيليين لم ينسوا. والنقطة هنا ليست فقط أن الفلسطينيين يبدون للإسرائيليين وكأنهم يتبادلون عمليات الانسحاب من الأراضي -سواء تلك الخاصة باتفاقيات أوسلو في التسعينيات أو من غزة عام 2005- بعنف هائل. وبالتالي، فالإسرائيليون لم يعودوا يعتقدون أن الانسحاب يمكن أن يؤدي إلى أية نتيجة أخرى باستثناء العنف الهائل.

وبينما يتركز اهتمام العالم على محمود عباس، والتزامه بالتعاون الأمني ​​مع إسرائيل، فإن الإسرائيليين أكثر عرضة لملاحظة أن عباس في العام الرابع عشر من فترة ولاية مدتها أربع سنوات، ولن يدعو إلى إجراء انتخابات؛ لأنه يعلم أنه سيخسرها أمام “حماس”. وبينما يتحدث عباس عن لهجته المعتدلة، فإن “حماس” هي المستقبل. وأي فراغ سياسي تتركه إسرائيل في الانسحاب الجديد ستملأه الحركة التي حولت غزة بالفعل إلى ساحة معركة محاصرة في حربها الأيديولوجية.

ولا تنظر “حماس” إلى الصراع مع إسرائيل على أنه صراع عرقي بين شعبَين؛ بل هو نسخة من الحرب الجزائرية ضد المستعمرين الفرنسيين في الخمسينيات والستينيات. وكانت تلك حرباً دموية، وَفق ما تقوله “حماس” في خطبها وفي فصولها الدراسية، وكلما زاد نزيف الفرنسيين، انسحبوا بشكل أسرع. وهي قصة قوية تنصح بالصبر وتشجع بشكل خاص أشكال الإرهاب القاسية ضد الإسرائيليين.

مسلحون من حركة حماس يشاركون في تدريب عسكري- “رويترز”

لكنها مع ذلك مجرد سرد أعمى. وبتمسكها بالتفسير الاستعماري للصراع، تجاهلت “حماس” بعض الحقائق ذات الصلة عن اليهود الإسرائيليين التي كان ينبغي أن تجعلها تشكك في حكمة سياستها العدوانية الدائمة. فعلى سبيل المثال، وبعكس هؤلاء الجزائريين الفرنسيين، ليس لدى اليهود الإسرائيليين مكان يذهبون إليه.

خيارات جديدة

تميل الحملة العالمية للفلسطينيين إلى الاعتقاد بأنها نموذج مشابه للحملة في جنوب إفريقيا أو حركة الحقوق المدنية الأمريكية. وهو تصور يسمح للأمور، على غرار ما يذهب إليه هنية، بتجنب الحقائق التي لا تتناسب مع السرد بعناية؛ لكن تجاهل الحقائق نادراً ما يؤدي إلى النتيجة المرجوة.

وقد اكتسب الإسرائيليون مناعة من حملات المقاطعة وعويل السخط الأخلاقي للأجانب؛ ليس لأنهم أكثر شجاعة أو ربما حماقة من الشعوب الأخرى التي يوبخها نشطاء أجانب بالمثل، ولكن لأنه لا توجد مقاطعة، مهما تم اتباعها بضراوة، يمكن أن تجلب المزيد من الضغط النفسي أكثر من التكاليف التي تتعهد بها “حماس” لانتزاعها من إسرائيل بعد الانسحاب.

 اقرأ أيضًا: كيف تعاملت الصحافة الإسرائيلية مع اتفاق السلام الإماراتي- الإسرائيلي؟

ولعل ما إذا كان الإسرائيليون على صواب في الدروس التي يستخلصونها من إخفاقات الانسحابات السابقة هو سؤال وجيه؛ لكن النقطة هنا أبسط من ذلك. وهذه الدروس هي ما يقف الآن في طريق الاستقلال الفلسطيني. فالعقبة الأكثر صعوبة أمام هذا الاستقلال تكمن في يقين اليهود الإسرائيليين، سواء أكان مبررًا أم لا، من أنهم لا يملكون سوى العنف والألم ليكسبوهما من المزيد من الانسحابات، وبالتالي ليس لديهم ما يخسرونه، نسبياً، من رفض القيام بذلك.

الإمارات تركت الفلسطينيين وراءها

ثم جاء الإماراتيون. وكشف استطلاع رائع أجرته مؤسسة “دايريكت بولز” للقناة (12) عن التأثير الدراماتيكي على الرأي والسياسة الإسرائيليَّين الذي يمكن أن يجلبه بعض الأمل. وعند سؤالهم صراحة عما إذا كانوا يفضلون صفقة التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة على الضم الموعود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، للضفة الغربية (اشترط الإماراتيون الصفقة بوقف الضم)، فضَّل 77% من الإسرائيليين اتفاق السلام مع الإمارات، بينما أيَّد 16,5% فقط مقترح الضم. وحتى بين مَن يصفون أنفسهم باليمينيين، أي جمهور نتنياهو، فازت الصفقة الإماراتية بسهولة، بنسبة هائلة بلغت 64% مقابل 28%.

وإذا كان استطلاع رأي كشف، في مايو الماضي، عن أن غالبية الإسرائيليين -45%- يؤيدون الضم (32% يعارضون)؛ فإن استطلاع القناة (12) يكشف عن مدى ضعف هذا التأييد بالفعل. فقط 16,5% من الإسرائيليين استمروا في تفضيل الضم إذا كان ذلك يعني خسارة صفقة التطبيع، حتى لو كانت مع دولة عربية بعيدة لم تهددهم قط.

بنيامين نتنياهو – أرشيف

إن الإسرائيليين لم يقاوموا مساعي نتنياهو للضم؛ لكنهم لم يدعموها. لقد كان اقتراحاً نشأ من اليمين الأيديولوجي؛ لكنه نجح في اكتساب قوة جذب، لأن الإسرائيليين لا يرون أي أمل حقيقي على الجبهة الفلسطينية. وقد يغضب القادة والناشطون الفلسطينيون من هذا الاحتمال؛ لكن المبادرة الإماراتية توضح شيئاً واحداً فوق كل شيء: إذا كانوا (الفلسطينيون) يرغبون في تغيير السياسة والسلوك الإسرائيليَّين؛ فعليهم أن يشرحوا بشكل مقنع للإسرائيليين أن الانسحاب ليس كارثة تنتظر الكثير من الناس، حسب توقعاتهم.

وليس لدي الفلسطينيين الكثير ليقدموه لإسرائيل؛ باستثناء الشيء الوحيد الذي كان لديهم دائماً والذي أراده الإسرائيليون باستمرار منهم، وهو: إنهاء “الحرب الجزائرية” لـ”حماس” المدمرة للذات. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن يسعد أصدقاء إسرائيل الجدد بمطار وميناء و15 مليار دولار في الصفقة، بدافع الراحة المطلقة.

♦صحفي ومحلل سياسي

المصدر: تايمز أوف إسرائيل

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة