الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الدراما التركية جعلت من الاستيطان تاريخًا مشرفًا!

ثورة الدراما العربية ضد وهم الغزو العثماني

كيوبوست

لا تزال الدراما العربية تسير في طريقها الجديد لصد الهجوم العثماني على عقول ووجدان الشعوب العربية، بعد مرحلة دامت عدة سنوات من غزو الأتراك للعرب، عن طريق أعمالهم الدرامية التي بثَّت سمومها وغسلت تاريخ العثمانيين المُزَيَّن بالمظالم والاحتلال واستغلال حقوق الشعوب. ورغم أن الدراما العربية في حاجة ملحة إلى تحسين محتواها الفني، وتطوير آليات إنتاجها؛ فإنه يبدو أنها بدأت تستعيد عافيتها من جديد، لتواجه موجة الغزو الدرامي التركي المُسَيَّس قبل أن يكون عملًا فنيًّا له ما له وعليه ما عليه.

من الدراما الرومانسية إلى ما هو أبعد من ذلك

يستمر الأتراك في تقديم محتوى لأعمال درامية هدفها الأول دعم سياسة نظامهم، فبعدما بدأت الدراما التركية في الانتشار، كانت أعمالها الأنجح والأهم تدور في إطار رومانسي ونماذج كمسلسل “نور” إنتاج عام 2005 والمعروض في عام 2008 في المنطقة العربية، والذي حقَّق أعلى نسب مشاهدة، وكذلك مسلسل “عاصي”عام 2009، خير مثال على ترسيخ الأتراك لقواعدهم داخل المنزل العربي.

ثم تطور الأمر وظهرت الدراما الاجتماعية؛ كمسلسل “على مر الزمان” المعروض عربيًّا عام 2012. وعلى الرغم من اختلاف العرب عن الأتراك في كثير من أساليب ومناحي الحياة الاجتماعية؛ فإن البعض منهم تأثر بقيمهم التي هي أقرب إلى المجتمعات الأوروبية؛ ما شكَّل خطرًا حقيقيًّا على الأسرة العربية، التي وضعت تحت سيطرة دراما لا تعبر عنها ولا عن بيئتها، وهذا ما جعل شهية الأتراك ترغب في اختراق جديد، لكنه من نوع خاص.

اقرأ أيضًا: تزوير التاريخ: كيف تلاقت المسلسلات التركية مع سياسة أردوغان التوسعية؟

 دراما من وجهة نظر أردوغان ورجاله

هدف جديد وضعه الأتراك في أعمالهم الدرامية المنتشرة، وهو تلميع تاريخ العثمانيين القدماء؛ وذلك بعدما رأوا حجم التأثير الكبير الذي أحدثه مسلسل “حريم السلطان” المعروض عام 2011، ورفض الرئيس التركي أردوغان، حينها، محتوى المسلسل، واصفًا إياه بأنه يشوه صورة سلطان عثماني، ومن هنا بدأت رحلة كتابة التاريخ كما يريد أن يراه الرئيس التركي وينشره على المجتمعات العربية تحديدًا، التي عاشت في وقت ما تحت سيطرة الحكم العثماني، الذي يحلم أردوغان بعودته من جديد.

أردوغان في موقع تصوير مسلسل أرطغرل

فبدأت شركات الإنتاج في تركيا تنفيذ عدد من الأعمال، تتناسب مع ما يريده السلطان العثماني، وكذلك دعم مواقفه وسياساته؛ فظهر مسلسل “وادي الذئاب” الذي يقدم محتوى عن دور المخابرات التركية في المنطقة، ولم تحقق الأجزاء الأولى من المسلسل أي نجاح أو تأثير إلا بعد عرضها على الشاشات العربية. ولم يكتفِ النظام التركي بذلك بل بدأ في وضع مشروعات قوانين؛ لدعم الدراما الجديدة التي تسير في ركاب حكمه، وتخدم الأفكار التي يريد أن ينشرها؛ فظهر الرئيس التركي ورجال حزبه الحاكم في أماكن تصوير مسلسل “قيامة أرطغرل” الذي بات أعلى المسلسلات التركية من حيث نسبة المشاهدة، ويسعي لتقديم قصة الرجل الذي أسَّس لابنه قواعد الدولة العثمانية؛ فقدموا جميع أنواع البطولة التي يفضلونها، ثم قدموا سيرة آخر سلاطين العثمانيين السلطان عبد الحميد، الذي سعى الأتراك لتبرئته من المظالم التي وقعت في عهده، فكل سلاطين الدولة العثمانية ملائكة تسير على الأرض من وجهة نظر الدراما التركية!

معاناة عربية في مواجهة دراما الأتراك

كلما مر الوقت كانت الدراما التركية تزدهر، والدراما العربية تسقط في مواجهتها؛ نظرًا لأن الأخيرة لم تستوعب جيدًا ما أصبحت عليه السوق الدرامية من تطور؛ خصوصًا في منطقة ساخنة تعم فيها القضايا السياسية التي تحتاج إلى وعي مجتمعي، وكان قطاع الإنتاج العربي غير قادر عن سلك الطريق الصعب في تغيير فكره؛ فكان المنتجون العرب وتحديدًا في مصر التي يعد قطاعها الدرامي من القطاعات المهمة عربيًّا، أسرى لأجور النجوم المبالغ فيها، لدرجة جعلت أجر بطل العمل يقارب نصف تكلفة العمل الدرامي ككل، وجاء ذلك على حساب المحتوى وجودة الصورة؛ فضلًا عن فوضى كاملة في خلق المواسم، حيث اعتمدت شركات الإنتاج على جعل الدراما مختصرة فقط على شهر رمضان، الذي عرض فيه في موسم 2016 ما يقارب 60 عملًا دراميًّا، في وقت تخلو فيه بعض الشهور من عرض أي مسلسل عربي جديد!

مسلسل قيامة أرطغرل

محاولات للعودة إلى التاريخ العربي المجيد

سارت الدراما السورية، في فترة ما قبل اندلاع الثورة هناك، نحو تقديم دراما تاريخية بإنتاج ضخم تبهر به المشاهد من حيث الرؤية والإمكانات البصرية، وكانت الحكومة السورية من الداعمين لهذا الإنتاج ومعها مؤسسات عربية، ونجح عدد من الأعمال؛ أبرزها مسلسل “ملوك الطوائف”، من تأليف وليد سيف وإخراج حاتم علي، فى لفت نظر الجمهور العربي إلى تاريخه المجيد، لكن سقطت الدراما العربية لفترة من الزمن وفشلت في استكمال التجربة، في وقت تطوَّرت فيه الدراما التركية، والتي انتشرت بشكل أكبر عالميًّا.

وخلال عام 2018، بدأت مرحلة من التنظيم للدراما العربية؛ بدأت بقرار منع الدراما التركية من العرض على شاشات أكثر من دولة عربية، ثم انطلق مشروع تقييم المحتوى الدرامي العربي، وتنظيم عرضه؛ من أجل إعادة المشاهد إلى فكر ووجدان بلاده.

اقرأ أيضًا: مركز أبحاث أمريكي: السياسة التركية ستؤدي إلى عودة “العداء والفتنة” بين العرب والأتراك

 مشروع وثورة في الدراما العربية

بدأ مشروع حقيقي لتطوير المحتوى العربي وصناعة أعمال درامية قادرة على مواجهة دراما الأتراك؛ فبدأت عملية تحسين وتنظيم للإنتاج الدرامي، ولم تعد الفوضى هي المسيطرة على الموسم الرمضاني، ولم تعد الدراما مختصرة فقط على الشهر الفضيل؛ بل تعددت الأعمال الناجحة التي تُعرض في مواسم خارج رمضان، وبدأت في ترك أثر لدى المشاهد.

وخير النماذج الجديرة بالذكر مسلسل “غرابيب سود” الذي أُنتج عام 2017؛ حيث إنه من المسلسلات المهمة التي شارك في إنتاجها 7 دول ومعها 50 ممثلًا وممثلة عربية، بتكلفة بلغت 10 ملايين دولار، وكان معبِّرًا وصادمًا للجمهور العربي، ورغم بعض الانتقادات التي طالت المسلسل؛ فإنه سيبقى أولى الخطوات في طريق ثورة درامية تعبر عن أوجاع وأزمات مجتمعها. ثم جاءت الخطوة الثانية عام 2018 مع مسلسل “هارون الرشيد”، وهو يعد ملحمة درامية وإنتاجية وثورة بمعنى الكلمة في المحتوى العربي، ويسعى للرد على الهجمة التركية، ونجح في تقديم عمل تاريخي جدير بالمتابعة والاهتمام ويجذب من خلاله المشاهد العربي من جديد؛ كي يعود إلى مقعده وشاشته الطبيعية، ورغم أن الطريق ما زال طويلًا؛ فإنه بات ممهدًا لخطوات أكبر وجرأة في مواجهة النفوذ العثماني الذي أصبح وجوده مهددًا للفكر والتاريخ العربي.

مسلسل غرابيب سود

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة