الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الدبلوماسية الشعبية والإعلام الجديد

كيوبوست

بسبب الثورة الهائلة للاتصالات والتطور التكنولوجي غير المسبوق الذي يشهده العالم، بات الناس أمام سيل جارف من الأخبار والمعلومات التي بالضرورة لن تكون صحيحة وصادقة طوال الوقت؛ ما خلق بيئة مناسبة وخصبة أيضًا للشائعات وتقلُّب الرأي العام، لا سيما مع ظهور ما بات يُعرف بالطريق السريع للمعلومات، أو الـ”هاي واي”، والذي نشأ عنه تحول عميق في مسار البشرية، يصفه “تروبين كرو” بأنه “قدَّم للإنسان فرصًا غير مسبوقة للاتصال والتفاعل”.

وفي كتابه “الدبلوماسية الشعبية في زمن الإعلام الجديد” يحاول الباحث والمحلل في الشأن الدبلوماسي والإعلام السياسي عماد المديفر، أن يقف أمام ظاهرة الدبلوماسية الشعبية التي تبدو حديثة الصلة بالمواطن العربي؛ غير أن تأثيرها يتنامى يومًا تلو الآخر.

اقرأ أيضًا: عماد المديفر لـ”كيوبوست”: وسائل التواصل الاجتماعي غيَّرت طبيعة الدبلوماسية العالمية

مفهوم الدبلوماسية الشعبية

في الفصل الأول من الكتاب الصادر عن الوكالة العربية للعلاقات العامة، تطرق المديفر إلى إشكالية المصطلح من خلال ماهيته وتطوره التاريخي، موضحًا أن الدبلوماسية الشعبية تعني كل شكل من أشكال تواصلنا كأفراد مع شعوب الدول الصديقة الأخرى؛ بهدف جذبهم لنا، و”تحبيبهم” فينا، عبر تعريفهم بنا وبوطننا بالشكل الصحيح: “مَن نحن؟ وكيف نعيش؟ وما أهدافنا وآمالنا ورغباتنا؟ فإن يعرفونا على طبيعتنا وعاداتنا وثقافاتنا وتراثنا وديننا يعني أنهم سيحبونا ويحبون وطننا، وديننا الإسلامي الوسطي السمح الحنيف؛ وهو ما يعني تحقيق التأثير الإيجابي في رؤاهم واتجاهاتهم تجاهنا، وتجاه ديننا ووطننا، ومن ثَمَّ انعكاس أثر ذلك في سياسة بلدانهم الخارجية لصالحنا علميًّا واقتصاديًّا وصناعيًّا وسياسيًّا؛ لا سيما أن العلاقات بين الدول دائمًا ما كانت تُبنى وتتأثر بالصورة الذهنية التي تبنيها الشعوب عن الدول الأخرى وشعوبها، فكما أن السمعة الشخصية مهمة للفرد، ويتوقف عليها مصير علاقاته وتعاملاته مع الآخرين، والثقة المتبادلة بينهما، فإنه يمكننا أن نقول الشيء ذاته في ما يخص سمعة الدولة وشعبها”.

المحلل والباحث في الاعلام السياسي والدبلوماسية العامة عماد المديفر

الرأي العام

وحسب الكتاب، تغيَّرت طبيعة المجال العام الذي يعيش فيه الأفراد إلى ما بات يُعرف بالمجال الافتراضي (السيبراني)، وصارت لديهم الرغبة في، والقدرة على، التعبير عن آرائهم بحرية متناهية في قضايا السياسة العامة، وأن يدلوا بدلوهم بناءً على تصوراتهم التي بنوها وَفق ما لديهم من معطيات. كما توصلت دراسات علمية حديثة إلى نتائج مؤكدة، مؤداها أنه من السذاجة اعتبار أن الرأي العام، المحلي أو الأجنبي، يمتلك دائمًا وجهة نظر مبنية على معلومات مؤكدة، أو رأيًا متماسكًا بشأن المسائل ذات الصلة بالقضايا السياسية والوطنية والدولية؛ فإن هذا كله يقودنا لتأكيد أهمية تلبية تلك الرغبات الشعبية المتزايدة للتفاعل في مثل هذه القضايا، وذلك عبر إشراكهم في العملية الدبلوماسية، وجعلهم عنصرًا إيجابيًّا فاعلًا متفاعلًا، بدلًا من أن يكونوا مجرد عرضة للتلاعب من قِبَل الجهات الدولية التي تسعى لتحقيق مصالحها على حسابهم. وهذا لا يتأتى على الوجه الصحيح، إلا بتحقيق حد أدنى من الفهم لدى هذه الشعوب، ووعي مقبول بالقضايا والسياسات الوطنية وأهدافها وَفق معلومات صحيحة موثَّقة. وهو ما يعني أن الدبلوماسية الشعبية اكتسبت في الوضع الراهن قدرًا أكبر وأخطر من الأهمية والتأثير.

اقرأ أيضًا: هكذا تطوّر مفهوم الدبلوماسية عبر الزمن

في الفصل الثاني من الكتاب الذي يمتد عبر 129 صفحة، يتناول المديفر القواعد الأساسية لممارسة الدبلوماسية الشعبية؛ وهي عشر قواعد، وقد توصل إليها الباحث “ماثيو ويللن” وزملاؤه في أغسطس 2012م، عبر سلسلة من دراسات الحالة، والتجارب على الممارسين للدبلوماسية الشعبية؛ حيث قاموا بتطوير هذه القائمة وهذه القواعد من أفضل الممارسات لها. ويوصي ويللن الممارسين وصناع السياسات بضرورة تكوين فهم أفضل للخطط، وما يمكن وما لا يمكن تحقيقه، في مراحل التخطيط لحملات الدبلوماسية الشعبية.

غلاف كتاب “الدبلوماسية الشعبية”

الإعلام الجديد

وخصَّص المديفر الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان “الدبلوماسية الشعبية عبر الإعلام الجديد”، للحديث عن أن التحول إلى وسائل الإعلام عبر الإنترنت، وتحول وسائل الإعلام التقليدية إلى إنشاء مواقع إلكترونية لها، وكذلك الحال في ما يخص شبكات التواصل الاجتماعية؛ مثل “فيسبوك” و”تويتر”، أصبحت تمثل اتجاهًا متناميًا بين الناس نحو شبكة الإنترنت باعتبارها أبرز وأهم مصادر الأخبار للعالم، وهذا يمثل فرصةً فريدةً من نوعها للدبلوماسية الشعبية؛ لاختراق الرأي العام العالمي، موضحًا أنه يمكن من خلال هذه الوسائل أيضًا نشر الرسالة المرادة بشكل غير مباشر عن طريق شخصيات مستقلة ومنظمات غير حكومية تضفي مزيدًا من المصداقية على الرواية المراد إيصالها إلى الجماهير، كما تتيح في ذات الوقت مخاطبة الجماهير مباشرةً لإيصال صوت الدولة ووجهة نظرها تجاه ما يتم تداوله من أخبار وأحداث تمس الدولة؛ لشرح وجهة نظرها، أو لفت الأنظار نحو الوجه المشرق للحياة في الدولة منبع الرسالة في حال تداول أخبار سلبية عنها، أو القيام بمؤتمرات صحفية مباشرةً مع الجمهور، ونشر مقاطع فيديو لروايات تعزز رسالة الدولة؛ إذ إن الناس حول العالم على استعداد للسماع من مختلف الأطراف والتوصل إلى الاستنتاجات بناءً على أسبابهم الخاصة. كما تبرز هنا أهمية النشر عبر وسائل الإعلام الجديد بشكل غير رسمي وعبر جهات غير حكومية ومستقلة، ومن خلال الأفراد.. والممارسين الأفراد للعمل الدبلوماسي الشعبي؛ إذ إن النشر من خلال الجهات الرسمية الحكومية سيعتبر في أغلب الأحيان من قبيل الدعاية، ما يفقده قدرًا كبيرًا من المصداقية.

اقرأ أيضًا: الدبلوماسية الرياضية: هكذا ضربت القوة الناعمة عبر التاريخ

دبلوماسية الفنون

وجاء الفصل الرابع والأخير بعنوان “تطبيقات في الدبلوماسية الشعبية عبر الإعلام الجديد”، ليتطرق المؤلف خلاله إلى مفاهيم جديدة؛ مثل دبلوماسية الفنون والرقص، ودبلوماسية الجاز التي تنتشر في الولايات المتحدة الأمريكية، حسب المديفر، كعوامل فاعلة في سعي الدول لممارسة النفوذ والتأثير على المسرح الدولي عبر توظيف الثقافة، وتحسين الفهم الثقافي المتبادل بين الدول والشعوب؛ مما يصب في النهاية لصالح تعزيز أدوار الدبلوماسية الشعبية حول العالم.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة