الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةرفوف المكتبة

“الخيال الشعبي” في التراث العربي

من رفوف المكتبة

كيوبوست – إيهاب الملاح

– 1 –

لطالما شغل مبحث “الخيال” آفاقه وتكوينه وتفصيلاته اهتمام الباحثين والنقاد والمفكرين العرب في القرن العشرين، وكان المدخل في الغالب “أدبيًا”؛ من خلال دراسة الخيال الشعري (الصورة الشعرية)، والصورة الفنية، والمأثورات الإبداعية الشعبية، ولعل من أبرز الباحثين والنقاد العرب الذين عُنوا في دراساتهم بموضوع الخيال وخاصة في أفقه الإبداعي الابتكاري؛ أحد رواد الدراسة الأدبية المرموقين في النصف الأول من القرن العشرين.

بعنوان «الخيال الشعبي في الأدب العربي»، صدر الكتاب الرابع من سلسلة (عالم التراث) التي تصدر عن معهد الشارقة للتراث، وتُعنى بإعادة نشر روائع وكلاسيكيات الأعمال الفكرية والدراسات والأطروحات التي تتمحور حول “التراث”؛ موضوعاته، قضاياه، همومه، وسبل مقاربته منهجياً وبحثياً.

اقرأ أيضاً: شكري عياد وتأصيل “الأسلوبية” في النقد العربي

الكتاب الذي يصدر للمرة الأولى، ويجمع بين دفتيه عدداً من مقالات ودراسات الأستاذ الراحل في مجال التراث والأدب الشعبي والثقافة الشعبية وما يتصل بهما، والرائد في مجال الدراسات الأندلسية، والأدب المقارن والترجمة، الدكتور عبد العزيز الأهواني (1915-1981)، وأعد للكتاب للنشر وجمع فصوله، وحرره وكتب له المقدمة، الدكتور خيري دومة أستاذ الأدب والنقد، ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة.

معظم القضايا التي اهتم بها الأهواني، في كتابه، تنتمي إلى حقل الأدب الشعبي، والثقافة الشعبية، والأدب المقارن والدراسات الثقافية بالمعنى الواسع للكلمة، وبالطبع حقل الأدب الأندلسي الذي بدأ منه العمل وكان مجال تخصصه الدقيق، لكن وراءها جميعا أفقاً أوسع يتأمل نظرية الأدب (بل نظرية الثقافة بشكل عام)، وخصوصاً من حيث وظيفته وطبيعة علاقته بالواقع الذي أنتجه.

د. عبد العزيز الأهواني

ومن القضايا التي عالجها الأهواني، ونرى نماذج منها في الفصول التي يضمها الكتاب، قضية العامية والفصحى المربكة والمعوقة في تاريخ الأدب العربي، والحياة العربية، ويرتبط بها قضية العلاقة المرتبكة أيضًا بين المثقف الأديب وجمهور العامة، وكذلك قضية انقطاع الصلة -في الظاهر على الأقل- بين حاضرنا والتراث الأدبي العربي الممتد المتنوع، وأخيراً قضية اللقاء الحضاري الإنساني بين بني البشر المختلفين بحثاً عن العدل، مع التركيز الواضح على علاقة الإسلام بالمسيحية والعرب بالأوروبيين والجنوب بالشمال، خصوصاً كما تجلت في تاريخ الأندلس، وما حولها.

– 2 –

وللأهواني نظرة خاصة للتراث العربي ومستوياته وقضاياه الفكرية والمنهجية، ربما كان يحمل تصورا تصنيفيا مغايرا لما ساد واشتهر يقوم على آلية المقارنة، المقارنة بين محتوى التراث العربي ومستوياته وبين مثيله في تراثات الأمم الأخرى، وكذلك المقارنة بين كيفية طرح القضايا ومنهج تناولها في الثقافة العربية وغيرها من الثقافات الأخرى.

اقرأ أيضاً: من تراث سهير القلماوي “النقدي”

وقد انتهت النظرة المقارنة بالأهواني، عبر فصول كتابه، إلى تأكيد قضيتين مهمتين، لا تنفصل كلتاهما عن الأخرى، أولاهما أن التراث العربي كان يعيش دائما في مستويين، ويتخذ للتعبير عن نفسه أداتين: المستوى المثقف الذي يصطنع اللغة العربية الفصحى، والمستوى الشعبي الذي يتخذ اللغة العامية أداة للتعبير.

ولئن كانت العناية بتسجيل التراث الشعبي قليلة بوجه عام، وذلك لأسبابٍ عدة، فإن ذلك لم يمنع هذا التراث الشفاهي من أن يتسرّب تسرّبا خفيا أو ظاهراً إلى عقول وأقلام أصحاب الأدب الرسمي الفصيح، وهو الأمر الذي يمكن أن يلمحه الدارس في الموشحات الأندلسية. بل في غيرها من أعمال الشعراء العرب الذين تأثروا بأكثر من ثقافة، وظهرت في أشعارهم، كما في آداب غيره، تجليات عدة للازدواج اللغوي الذي ظل قائما إلى اليوم.

طه حسين

أما القضية الثانية التي لفت إليها الأهواني، عبر فصول كتابه، انتباه الباحثين، فترتبط بما انتهى إليه من أننا حين نلتمس التقاء الحضارات في التراث الأدبي لأمة من الأمم، علينا أن نتوسع في مدلول الأدب، أو على الأقل نتوسع في التفتيش عن الآثار المطلوبة في مؤلفات أخرى غير دواوين الشعر، ومجموعات النثر الفني، ويتطلب ذلك الاهتمام بكتب التاريخ والجغرافيا والرحلات والنبات والحيوان وما أشبه، إذ إن مؤلفي هذه الكتب كانوا أقل تزمتاً فيما يتصل بالمفهوم الأدبي، وأقرب إلى التماس الطرائف، أو إلى مخاطبة جمهور أكبر من قراء الشعر والنثر الفني، ولذلك لم يكونوا يتحرجون من سرد بعض النصوص التي نراها نحن اليوم أدبية بكل معنى الكلمة.

– 3 –

مؤلف هذا الكتاب رائد حقيقي من رواد الدراسة الأدبية ومثقف مصري عربي ربما لم يحظ بالشهرة التي حظي بها بعض تلاميذه، وما أكثرهم! واقتصر حضوره الواسع والوافر على التدريس ورعاية أبنائه من الباحثين والدراسين العرب والأجانب.

اقرأ أيضاً: من رفوف المكتبة… «معَك» رفقة العمر والفكر والتنوير

عبد العزيز الأهواني أحد أنجب تلاميذ طه حسين، وهو يعد بلا شك من الرواد المؤسسين لدراسة الأدب والثقافة والحضارة الأندلسية، وله في ذلك ما يشهد بهذه الريادة والأصالة (كتابه عن «الزجل في الأندلس»، وكتابه الأشهر «ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر العربي»، على سبيل المثال). عن إسهام عبد العزيز الأهواني في تأصيل دراسة “الزجل في الأندلس”، يقول تلميذه سليمان العطار:

«كان أستاذي عبد العزيز الأهواني؛ مؤسس الدراسات الأندلسية، وأحد آباء دراسة الفولكلور في العالم العربي، يفضل أن نطلق على شعر العامية اسم “الزجل” بمفهوم واسع لهذا المصطلح، والزجل نوع أدبي عامي من اختراع الأندلس. وقد ظهر في مصر شعراء عامية عظام، لا يقلون أهمية عن شعراء الفصحى العظام مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران. هؤلاء هم بيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وأحمد فؤاد نجم، وغيرهم كثيرون”.

كما كان الأهواني أيضًا مثقفا عروبيا مخلصا، وله كتاب نشره في خمسينيات القرن الماضي بعنوان «الوحدة العربية» سجل فيه أفكاره ورؤاه القومية العروبية حول السياسة والثقافة واللغة والدين.

غلاف كتاب «ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر العربي»

– 4 –

بحسب محرر السلسلة، فإن الكتاب يقع في ثلاثة أبواب، ينضوي كل باب منها على عددٍ من الفصول لا يقل عن ثلاثة، ولا يزيد على خمسة، يقول “وقد اخترنا له عنوانًا دالا مستقى من أبرز وأهم الدراسات التي اشتمل عليها؛ وهي “الخيال الشعبي في الأدب العربي”.

جاء الباب الأول بعنوان “التراث المنقطع”؛ ويضم أربعة فصول تعالج موضوعات “الزجل والشعر العامي”، و”الأغنية الشعبية أصل التوشيح”، وتناولًا مقارنًا وعميقًا لقضية الفصحى والعامية في تراثنا الأدبي، وأخيرًا الدراسة المحورية في هذا الباب، ومنه عنوان الكتاب كله “الخيال الشعبي في الأدب العربي”.

اقرأ أيضاً: من رفوف المكتبة… منطلقات تجديد الخطاب الديني في فكر نصر أبو زيد

“عن الأندلس وتراثه”، هو عنوان الباب الثاني الذي يضم خمسة فصول، كان موضوع الأول منها “اللقاء الحضاري في الأندلس”، والثاني “نصوص عن الأندلس”، أما الفصلان الرابع والخامس فضما الدراستين القيمتين اللتين كتبهما المرحوم الأهواني عن أول رواية عرفها الأدب الحديث بعنوان “دون كيخوته في تراث الإنسانية”، والأخرى المكملة لها بعنوان “سرفنتيس وسيدي حمادة”، وعنهما يقول محرر السلسلة: “وهما -أي هاتين الدراستين- من أفضل ما كُتب في العربية للتعريف بالنص الروائي الأول في تاريخ الرواية الحديثة، وإلقاء أضواء كاشفة على مكوناته وعناصره وشخوصه وبنائه”. وأخيرا يأتي الفصل الخامس في هذا الباب مخصصا للحديث عن “فن المدجنين”.

أما الباب الثالث والأخير، فكان بعنوان “سلطان الحاضر على الماضي” ليضم خمسة فصول عالجت موضوعات “السلفية الجديدة”، و”أهي حضارةٌ واحدة أم حضاراتٌ متعددة؟”، و”المنفلوطي.. صاحب أسلوب”، و”فن التراجم عند العقاد”، وآخر فصول الباب عرض تحليلي لكتاب المرحوم عبد الحميد يونس «الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي»؛ وهو أطروحته التي نال عنها الدكتوراه من جامعة القاهرة في خمسينيات القرن الماضي.

وقد ألحق محرر الكتاب بالأبواب الثلاثة نماذج مصورة من أوراق الأهواني بخط يده؛ التي تعد وثائق فكرية وأدبية تاريخية عالية القيمة والجوهر والمحتوى.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات