الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الخلاف الدبلوماسي الحالي.. واتجاهات التطرف اليميني في الهند

كيوبوست- ترجمات

محمد سنان سيتش♦

مقدمة

في عام 2022، شهدت الهند سلسلة متتالية من الخلافات الدينية. بداية، كان هناك حظر للحجاب في ولاية كارناتاكا، ثم سلّطت الأضواء على العديد من المساجد بعد أن ادّعت العديدُ من الجماعات الهندوسية اليمينية أنها بُنيت على أنقاض المعابد، وبالتالي فتجب إعادتها إلى الهندوس. في خضم هذه العاصفة، أدلتِ المتحدثة باسم حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم، نوبور شارما، بتصريحاتٍ مسيئة عن النبي محمد (ص) على التلفزيون الوطني.

أثارت هذه التعليقات غضب العديد من حكومات الدول ذات الأغلبية المسلمة. أطلقت قطر الضربة الافتتاحية من خلال المطالبة باعتذارٍ علني، وتبعها أكثر من اثنتي عشرة دولة، بما في ذلك حلفاء الهند المقربون في الخليج، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية. وفي حين التزمت الحكومة الهندية الصمت بشأن هذه القضية في البداية، فإنها اضطرت بعد ذلك للتحرك، فطردت شارما من منصبها، ووصفت المتحدثة باسم الحكومة بأنها عنصر هامشي. هذا الجدل يسلّط الضوء على العديد من الاتجاهات المتعلقة بالتطرف اليميني في الهند.

اقرأ أيضًا: هل نجح الحزب الحاكم بالهند في احتواء أزمة التصريحات المسيئة؟

التطرف اليميني في الهند

الهند ليست غريبة على التطرف أو الإرهاب، حيث تُصنَّفُ باستمرار في الدول العشر الأولى المتضررة من الإرهاب في العالم، في ظلِّ وجود الجماعات الجهادية، والإرهابيين اليساريين، والمقاتلين الانفصاليين والمتطرفين الهندوس اليمينيين الذين ينشطون في أوقاتٍ مختلفة، وفي أماكن متعددة. منذ صعود حزب بهاراتيا جاناتا، وهو حزب هندوسي يؤمن بتفوق الهندوس، في عام 2014، وإعادة انتخابه في عام 2019، بدأت العناصر التي كانت تُعتبر ذات يوم هامشية في النشاط.

وهكذا، على مرِّ السنوات، ارتفع خطاب الكراهية تجاه المسلمين (والأقليات الأخرى، مثل الداليت أو الطبقات المضطهدة تقليديًا). وفي حين انخفضت حالات الشغب الرئيسة بين الهندوس والمسلمين، شهدت الهند العديد من التوترات والهجمات المتأججة ضد المسلمين، سواء كان ذلك بسبب تناول لحم البقر (الذي يعتبره بعض الهندوس مقدسًا) أو لارتداء القبعات (غطاء رأس ديني يرتديه المسلمون).

في هذا الصدد، وثّقت صحيفة “ذا واير” أنه في غضون أربعة أشهر فقط في عام 2022، حدثت حوالي 90 حالة من خطاب الكراهية في ست ولايات فقط من ولايات وأقاليم الهند البالغ عددها 36 ولاية، مع تورط قيادات الحزب الحاكم في حوالي 20% من هذه الحالات.

أقال الحزب الحاكم في الهند المتحدثة باسمه بعد التصريحات المسيئة إلى الرسول- وكالات

علاوة على ذلك، فإن قرابة 50 حالة مختلفة من جرائم الكراهية، معظمها ضد المسلمين، الأمر الذي يعكس ارتفاع معدل حدوث مثل هذه الجرائم. كما ظهر العديد من حالات التضييق على حقوق المسلمين، مثل الحق في الصلاة في بعض الأماكن العامة أو الحق في ارتداء الحجاب. هذا بالإضافة إلى الانخفاض العام في تمثيل المسلمين في المجال السياسي والإعلامي، فضلًا عن تنامي مشكلات التمييز التي يواجهونها هم، والأقليات الأخرى، في الحياة اليومية.

أدّت هذه الحالات إلى تراجع المؤشرات المختلفة للديمقراطية في الهند. على سبيل المثال، صنَّف تقرير معهد في-ديم (V-Dem) الذي يقيّم وضعية الديمقراطية على مستوى العالم، الهند على أنها دولة “أوتوقراطية انتخابية“، مسلّطًا الضوء على أنها من بين أكثر الدول استبدادًا في العالم. إضافة إلى ذلك، صنّفت لجنة الولايات المتحدة المعنية بالحرية الدينية الدولية الهند كدولة مثيرة للقلق.

اقرأ أيضًا: مفتي الهند لـ”كيوبوست”: ما حدث من إساءة إلى الرسول موقف فردي لا يمثل الحكومة

استراتيجيات ذات شقين: الإساءة والصمت 

حدد الباحثون استراتيجيتين رئيسيتين يستخدمهما المتطرفون اليمينيون الهندوس لتعزيز قضيتهم:

أولًا، كما كتب باحثون مثل برافين براكاش، أتقنت الجماعات الهندوسية اليمينية فنَّ الامتعاض من أمورٍ غير ضارة، والمبالغة فيها. وفي ظلِّ وجود حملة منسقة من قبل شبكةٍ إلكترونية منظمة تنظيمًا جيدًا، ودورٍ إعلامية، غالبًا ما تعمل من أجل الحصول على تصنيفات، غالبًا ما تمنح هذه الأحداث تغطية أكثر من المطلوب، ما يؤدِّي إلى رد فعل من المسلمين في بعض الأماكن. وهذا يؤدي، بدوره، إلى حديث وسائل الإعلام عن المسلمين على أنهم همجيون وغير متحضرين، الأمر الذي يعزِّز سردية أنهم يمثلون قطاعًا مُعاديًا للوطن. وهذا أمر يفضي إلى أعمال عنفٍ من قبل المتطرفين الهندوس، مثل إطلاق النار على المتظاهرين المناهضين للحكومة في عام 2020 من قبل متطرف على مرأى من شرطة دلهي.

ثانيًا، بصرف النظر عن العناصر الهامشية، غالبًا ما يلتزم القادة الرئيسيون في الحكومة الصمت إزاء العنف الذي يرتكبه المتطرفون الهندوس، على الرغم من القيادة الثرثارة، التي تعلِّق على العديد من القضايا عالميًا ومحليًا. في بعض الحالات القصوى، رحّب حزب سياسي يُدعى “نافنيرمان سينا” بأشخاص مثل شامبولال ريجار، الذي اعتقل بتهمة قتل مسلم، وتم تقديمه كمرشح للانتخابات العامة لعام 2019. كما قدم الحزب نفسه مرشحين آخرين ارتكبا جرائم كراهية ضد المسلمين. علاوة على ذلك، شوهد هذا الاتجاه حتى مع أعضاء حزب بهاراتيا جاناتا، الذي رحّب بالأشخاص المرتبطين بخطاب الكراهية، والجرائم ضد المسلمين. وأخيرًا، حدَّدت تقارير إخبارية أيضًا العديد من الشخصيات الهندوسية اليمينية على منصات التواصل الاجتماعي، مثل تويتر وفيسبوك، الذين لعبوا دورًا محوريًا في نشر خطاب الكراهية ضد المسلمين باستمرار، ويحظون بمتابعة أعضاء الحزب الحاكم على هذه المنصات.

ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند في جمع انتخابي- فورين أفيرز

وهكذا، فإن الرسالة السائدة في مثل هذه السياقات واضحة. فالحزب الحاكم ليس مدركًا للجرائم التي يرتكبها المتطرفون الهندوس اليمينيون وينظمونها فحسب، وغير مهتم بمقاضاة هؤلاء الأشخاص أو إثنائهم عما يفعلونه، بل إن هؤلاء الأفراد يتلقون تشجيعًا نشطًا من خلالهم، على سبيل المثال، اختيارهم كمرشحين للانتخابات من قبل حزب بهاراتيا جاناتا، والأحزاب السياسية الأخرى التي تنتمي للأيديولوجية نفسها. وهذا يشجِّع المزيد من الأشخاص على بث الكراهية، ما يقود إلى العنف الذي يتسبب في المزيد من التصدعات في النسيج الاجتماعي الهش للهند.

القيود والاتجاهات الجديدة

على الرغم من الاتجاه المتنامي لخطاب الكراهية، والأعمال المعادية للمسلمين في الهند، يبدو أنها وصلت إلى سقفها. كانت الدول القليلة الأولى التي أدانت كلمات نوبور شارما عن النبي هي دول الخليج الغنية مثل قطر وعُمان والكويت. ويبدو أن انتقاد هذه الدول للحدث قد حفَّز الهند على العمل، ما يدل على أن قوتها الاقتصادية وصادراتها للموارد الحيوية، مثل النفط والغاز، لها بعض النفوذ على الهند. والواقع أن مثل هذا الرد السريع، الذي رضخ للانتقادات الدولية، لم يُشاهد حتى عندما انتقدت الدول الأوروبية الهند لشرائها النفط من روسيا، أو عندما ألقت الولايات المتحدة محاضراتٍ على الهند بشأن معاملتها للمسلمين. وبدلًا من ذلك، برر المندوبون الهنود في الخارج موقفهم من روسيا أو أعادوا الانتقادات إلى الولايات المتحدة، وأظهروا بعض القوة الدبلوماسية التي كانت غائبة بشكل ملحوظ مع دول الخليج العربي.

اقرأ أيضًا: كيف تتعامل الهند مع الإسلام السياسي؟

ما الذي تنذر به هذه الحادثة في المستقبل؟

أولًا، من الواضح الآن أن المتطرفين الهندوس اليمينيين والكراهية المعادية للإسلام في الهند لديهم حد أعلى، هو في الواقع حدود التسامح في دول الخليج. الجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها الهند ردة فعل من دول الخليج. فخلال ذروة جائحة فيروس كورونا في عام 2020، أدى انتشار الوسوم مثل CoronaJihad# من قبل الهنود في الخليج، والاحتجاجات العلنية لحكومات الخليج على هذا الموضوع، إلى اضطرار الحكومة الهندية إلى حل القضية.

ثانيًا، هذا القيد أو الحد لا يعني أن مثل هذا الخطاب سيختفي. خطاب الكراهية سيستمر في أداء دور في العقلية الهندية، نظرًا لطبيعته الراسخة. على الأرجح، سيتم التركيز على أتباع الإسلام، وليس الدين نفسه. في الواقع، كما يرى الكاتب براتاب بانو ميهتا، هناك فرصة كبيرة لأن تخلق هذه الحادثة المزيدَ من الدورات السلبية في الهند.

ثالثًا، منذ فترة، ظلت استراتيجية إعطاء مساحة للأصوات المتطرفة وإدماج الجهات الفاعلة الهامشية داخل اليمين الهندوسي تخلق مجموعة جديدة أكثر انتقادًا لحزب بهاراتيا جاناتا. وخلقت حساسيات الهند بشأن الانتقادات من الخليج مزيدًا من الانقسامات، حيث انتقد العديد من أنصار حزب بهاراتيا جاناتا الحزب لعدم حمايته “لنفسه” و”الرضوخ للمسلمين”.

تظاهرة لأنصار حزب بهاراتيا جاناتا- وكالات

وفي حين أن هذا لا يزال في مرحلةٍ مبكرة، فإن المزيد من الحوادث قد توصل لنتائج مماثلة وقد تضع حزب بهاراتيا جاناتا في موقفٍ حساس يتمثل في الاضطرار إلى استرضاء جمهوره الأساسي، مع الحفاظ على مصالحه الاقتصادية من خلال تهدئة دول الخليج في مثل هذه المواقف.

رابعًا، ليس من المؤكد ما إذا كان الحزب الحاكم سيتمكن من السيطرة على هذه الشريحة من المجتمع. فلقد حدثت حالات سابقة اتخذت فيها الجماعات الهندوسية اليمينية المتطرفة خطواتٍ ضارة بمصالح حزب بهاراتيا جاناتا، أو هاجمت أفرادًا دعموا الحزب الحاكم سابقًا.

ويشمل ذلك الهجمات على الداعمين الماليين للحزب، مثل راتان تاتا، وأنصار الحزب من المشاهير، مثل أكشاي كومار. ويتبع هذا الاتجاه في العديد من الدول الأخرى حيث لا تعتبر الجماعات الهامشية المتبرعين لها (في هذه الحالة، حزب بهاراتيا جاناتا) أقوياء بما فيه الكفاية، ومن ثم تخرج عن نطاق السيطرة في نهاية المطاف. وهذا جانب من جوانب الأمن سيتعين على السلطات الهندية النظر فيه في مرحلة ما في المستقبل.

اقرأ أيضًا: لماذا تعلق منظمة التعاون الإسلامي على شؤون الهند الداخلية؟

الخلاصة

تشهد الهند الآن وضعًا تحتل فيه شرائح من المجتمع -كانت تُعتبر ذات يوم هامشية- مركزَ الصدارة في الدولة. وكانت النتيجة عددًا كبيرًا من الهجمات -الجسدية واللفظية والإلكترونية- على المسلمين، والممارسات الإسلامية في الهند، وكذلك على الأقليات الأخرى، مثل الداليت. ورغم ظهور العديد من الاتجاهات للتصدي لهذا التطرف، فإنها لم تكن كافية لوقف هذا التدفق.

في ضوء ما سبق، في حين كانت هناك حادثة سابقة لتدخل دول الخليج في القضايا الاجتماعية والسياسية الداخلية في الهند، فإن هذه هي المرة الأولى التي تُضخم فيها القضية بشكلٍ كبير. وهكذا، فإن صناع السياسات لديهم الآن مهمة لا يُحسدون عليها تتمثل في إعادة العناصر اليمينية الهندوسية المتطرفة إلى القمقم، دون تقسيم قاعدتهم الانتخابية.

وقد تنسحب قطاعات كثيرة من هؤلاء السكان تمامًا من حزب بهاراتيا جاناتا، الأمر الذي يتسبب في مشكلات أخرى على طول الطريق، كما رأينا في حالات سابقة. ومن ثم فإن الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة مع هذه القضية ستقرر شكل النسيج العلماني في الهند في المستقبل.

♦باحث دكتوراه في قسم الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط في جامعة إدنبرة، وعمل في السابق محللًا أول في المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب، سنغافورة.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة