الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الخطط التركية لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الصومال

كيوبوست

تسعى أنقرة لتعزيز هيمنتها على القرن الإفريقي؛ خصوصًا الصومال، في مسعى منها لتعزيز مصالحها الاقتصادية هناك، بالإضافة إلى امتلاك أوراق لتهديد أمن الدول العربية المناوئة لها؛ خصوصًا السعودية ومصر، بما يطرح تساؤلًا حول أهداف أنقرة من انخراطها النشط في الصومال، وكذلك الأدوات التي تمتلكها لتحقيق مصالحها تلك.

أهداف أنقرة:

تتمثل أبرز المصالح الصومالية في تركيا في الاستثمار في الموارد النفطية في البلاد، والوجود العسكري في جنوب البحر الأحمر، فضلًا عن تصدير منتجاتها إلى الصومال؛ وهو ما يمكن تفصيله على النحو التالي:

اقرأ أيضًا: تركيا في الصومال.. وجود عسكري مثير للشكوك

استغلال ثروة الصومال النفطية: يعد التنقيب عن الثروات النفطية الصومالية والاستفادة منها أحد دوافع التحرك التركي حيال مقديشو. وفي هذا الإطار، أكد أردوغان في 23 يناير 2020 أن مقديشو دعت أنقرة إلى التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الخاصة بالصومال؛ حيث تشير التقديرات إلى وجود مخزون هائل من النفط هناك[1]، وتكشف المعلومات الأولية عن وجود 15 كتلة تحتوي على 30 مليار برميل من النفط في المياه الضحلة والعميقة، والتي يمكن استغلالها بسهولة[2]، كما أن الحكومة الصومالية مررت قانونًا يسمح للشركات النفطية بالمشاركة في الإنتاج؛ بما يعزز من أرباح الشركات[3].

وعلى الجانب الآخر، فإن الحكومة الصومالية نفت إعطاء تركيا وضعًا خاصًّا؛ إذ أكد وزير البترول والمعادن الصومالي عبدالرشيد محمد أحمد، أن الحكومة الصومالية ستستقبل عروض شركات النفط العالمية في فبراير أو مارس 2020. وأنه على الرغم من أن علاقة بلاده بالحكومة التركية قوية؛ فإنه لن يتم منحها استثناءً أو منح وضع خاص لأية شركة، مؤكدًا أن كل العروض والاتفاقيات ستتم بشكل شفاف للغاية[4].

الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والصومالي محمد عبد الله فرماجو – وكالات

وتهدف الحكومة الصومالية من هذه التصريحات إلى درء شبهة إبرام مقديشو اتفاقات مشبوهة مع تركيا، تنافي الإجراءات المعمول بها في القانون الصومالي، فضلًا عما أعلنته الحكومة الصومالية ذاتها من اتجاهها إلى طرح مناقصة على الشركات الدولية، غير أنه نظرًا إلى موالاة حكومة الصومال لأنقرة، فإنها قد تسعى لترسية أحد الامتيازات على تركيا؛ لإعطائها الحق في التنقيب عن النفط، وهو الأمر الذي سوف يثير التوتر بين الحكومة الاتحادية والأقاليم الفيدرالية.

توظيف الصومال كورقة لتهديد المصالح العربية: تسعى أنقرة للوجود في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، وذلك من خلال الاحتفاظ بقواعد عسكرية هناك على مقربة من الدول المناوئة لها، وتحديدًا مصر والسعودية. حيث كانت أنقرة تخطط لإقامة قاعدة عسكرية لها في جزيرة سواكن السودانية[5]، فضلًا عن تشييد مرسى للسفن الحربية هناك، وذلك على مقربة من الحدود المصرية والمواجهة للسواحل السعودية على البحر الأحمر، غير أن تراجع الخرطوم عن تنفيذ الاتفاقية مثَّل انتكاسةً للخطط التركية، وسعت القيادة التركية لتعويض ذلك من خلال إيجاد موطئ قدم لها في الصومال؛ خصوصًا أن عدم استقرار الوضع الأمني في الصومال سوف يوفر مبررًا لأنقرة لتعزيز وجودها العسكري هناك.

اقرأ أيضًا: أردوغان يحاول توسيع نفوذه في ليبيا بالتنقيب في مياه الصومال

ولعل ما يؤكد اهتمام أردوغان بالأبعاد الأمنية أن تصريحاته حول دعوة الصومال له للتنقيب عن النفط في مياه الصومال، قد جاءت بعد أيام قليلة من إعلان الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، عن تأسيس منظمة إقليمية لدول البحر الأحمر وخليج عدن[6]، والتي تهدف إلى تأمين هذه المنطقة من وجود الدول الإقليمية المعادية، وتحديدًا تركيا وإيران. ويلاحظ أن تركيا تمتلك بالفعل قاعدة تدريب في الصومال منذ سبتمبر 2017، وذلك لتدريب قوى الأمن الصومالية، كما تقوم بتسليحها بأسلحة خفيفة، نظرًا إلى الحظر الجزئي المفروض على توريد الأسلحة إلى الصومال بموجب قرار صادر من مجلس الأمن الدولي[7].

توفير أسواق لتصريف المنتجات التركية: يمثِّل الانخراط التركي في الصومال ترجمةً عمليةً لسياسة “الانفتاح على إفريقيا”، التي أطلقتها أنقرة في 2005، وهدفت إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي والتجاري في أنحاء القارة الإفريقية. ويلاحظ أن الاستثمارات التركية في الدول الإفريقية لا تزال متواضعةً نسبيًّا[8]. ومع ذلك، فقد هدفت أنقرة من هذه المبادرة إلى تحقيق هدف مهم؛ وهو إيجاد أسواق لتصريف منتجاتها. فقد صدَّرت أنقرة إلى مقديشو منتجات بقيمة 181 مليار دولار في عام 2018[9]. ونظرًا إلى أن الصومال قد يشهد تصاعدًا لإيراداته إذا ما بدأت عملية استغلال النفط في مياهه الإقليمية، فإن أنقرة تريد أن تستفيد من ذلك عبر دفع شركاتها للاستثمار هناك وتصدير مزيد من المنتجات التركية إلى السوق الصومالية.

الأدوات التركية:

تمتلك أنقرة عديدًا من الأدوات التي قد تساعدها على تحقيق قدر من مطامعها في الصومال، وذلك على النحو التالي:

استثمار حكومة الإخوان: يعود نشاط قطر في الصومال إلى عام 2012، عندما موَّلت الحملة الانتخابية لحسن شيخ محمود، وأسهمت في وصوله إلى رئاسة الصومال، وَفقًا لتقرير للأمم المتحدة، وينتمي حسن إلى جماعة “دامول الجديد” (وتعني الدماء الجديدة) التابعة للإصلاح، وهي فرع صومالي للإخوان المسلمين. وسَعَت الحركة، التي تلقى دعمًا من قطر وتركيا، لتعزيز جهودها لنشر الفكر الإخواني في الصومال.

اقرأ أيضًا: أطماع تركيا في الصومال: نشاطات تُغلّف بالمشاريع الخيرية!

ومع انتخابات عام 2017، منحت قطر محمد عبدالله محمد، المعروف باسم فرماجو، مبالغ مالية في اللحظة الأخيرة ساعدته على الفوز برئاسة الصومال. ويلاحظ أن فرماجو يحتفظ بعلاقات قوية مع جماعة الشباب الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، من خلال فهد ياسين؛ وهو صحفي سابق في قناة “الجزيرة” القطرية، كما قام بنقل أموال قطرية إلى الصومال خلال انتخابات عام 2012، وأدار حملة فرماجو في عام 2017. وفي المقابل، عيَّن الأخير ياسين رئيسًا للأركان، في خطوة أكدت تبعية فرماجو للدوحة. كما أنه في أغسطس 2018، منح فرماجو ياسين منصب نائب مدير وكالة الأمن القومي للمخابرات الصومالية[10].

وبطبيعة الحال، فإن موالاة الرئيس الصومالي لقطر وتركيا سوف تجعل الحكومة الصومالية تتجاوب مع المطامع والأهداف التركية في الصومال؛ خصوصًا بعدما وظَّفت قطر أموالها لدعم وصول الإخوان المسلمين إلى حكم الصومال.

العلاقات مع حركة الشباب: تحتفظ تركيا وقطر بعلاقات قوية مع التنظيمات الإرهابية؛ خصوصًا تلك الموالية لـ”القاعدة” و”داعش” في المنطقة، على نحو ما يتضح من توظيف أنقرة للتنظيمات الإرهابية في سوريا وليبيا، وتمويل الدوحة لهذه الجماعات. ولا يعد الصومال استثناءً على القاعدة العامة، التي تؤكد احتفاظ البلدَين بعلاقات مع التنظيمات الإرهابية؛ فقد كشفت مجلة “ديرشبيجل” الألمانية، عن حصول حركة الشباب الصومالية على دعم قطري في 2016 بنحو 20 مليون دولار[11]، كما أن المنظمات الخيرية القطرية تعمل في المناطق التي تحتفظ فيها حركة الشباب الصومالية بوجود مؤثر، ويعد توظيف الدوحة للمنظمات الإنسانية كغطاء لتمرير الدعم المادي للتنظيمات الإرهابية تكتيكًا قديمًا؛ سبق أن استخدمته الدوحة في مالي في 2014، وفضحته الاستخبارات العسكرية الفرنسية، آنذاك[12].

إرهابيو حركة الشباب الصومالية المتطرفة – أرشيف

وبطبيعة الحال، فإن كلًّا من أنقرة والدوحة تستطيعان توظيف الشباب من أجل تصفية الحسابات مع القوى أو الدول المناوئة لهما، وتعزيز سيطرتهما على السوق الصومالية. ولا يجب إغفال قيام الدوحة بذلك ضد دولة الإمارات العربية المتحدة؛ إذ كشفت جريدة “النيويورك تايمز” الأمريكية، عن مكالمة هاتفية مسربة بين سفير قطر في الصومال حسن بن حمزة، ورجل الأعمال القطري خليفة المهندي، والتي أكدا فيها تورط بلادهما في دفع حركة الشباب لتنفيذ تفجير بوصاصو الإرهابي ضد الإمارات في مايو 2019؛ وذلك من أجل دفع الشركات الإماراتية إلى مغادرة الصومال، وتعزيز المصالح القطرية هناك في المقابل[13].

القوة الناعمة: تهتم تركيا بتعليم الصوماليين اللغة التركية، والتي أصبحت تدريجيًّا إحدى اللغات المنتشرة بعد اللغتَين العربية والإنجليزية؛ وذلك عبر افتتاح المدارس التركية في الصومال، والتي تقدم تعليمًا لأبناء النخبة الصومالية، كما تقدم أنقرة منحًا تعليمية لهم. ويوجد حاليًّا أكثر من 2000 طالب صومالي يدرسون في جامعات ومعاهد تركية. وتسعى أنقرة لتوظيف الورقة الثقافية للحفاظ على مصالحها هناك؛ خصوصًا إذا ما شغل هؤلاء المتعلمون مناصب رفيعة في الدولة الصومالية، إذ إنهم سيكونون أكثر تقبلًا للنفوذ التركي وداعمين له.

القاعدة العسكرية التركية في الصومال – وكالات

ومما سبق، تكشف التحركات التركية في الصومال عن وجود مطامع تركية لاستغلال ثروات هذا البلد، من خلال توظيف أنقرة علاقاتها مع الحكومة الصومالية، وحركة الشباب الإرهابية؛ الأمر الذي يستلزم من الدول العربية تعزيز وجودها في الصومال لمواجهة الطموحات غير المشروعة لبعض الدول الإقليمية تجاه دول الصراعات العربية.

المراجع:

[1]) https://bit.ly/2vW9C8O

[2]) https://bit.ly/2HODSoP

[3]) https://bit.ly/2T8vDcl

[4]) https://bit.ly/32n5lr9

[5]) https://bit.ly/32okND3

[6]) https://bit.ly/2SU3XJq

[7]) https://bit.ly/2Tct9JU

[8]) https://brook.gs/2T89zPa

[9]) https://bit.ly/2vZ2fNS

[10]) https://bit.ly/2w30kba

[11]) https://bit.ly/2venhrw

[12]) https://bit.ly/3a3SMDp

[13]) https://nyti.ms/2PzFreD

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة