الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

الحوثيون يجندون النساء لأهداف قمعية في اليمن

كيوبوست

لطالما كانت صنعاء نموذجاً للانفتاح في اليمن في مختلف الشؤون؛ بما في ذلك حرية المرأة، حيث تذهب المرأة إلى الجامعة والعمل وتمارس ريادة الأعمال، وتعبر عن رأيها وتقيم الاحتجاجات، وتشارك في الحياة السياسية والقضائية ومختلف المجالات، وكل ذلك يتم باحتشام كامل يستمد قوته وتأثيره من طبيعة اليمن المحافظة بشكل عام. لكن، ومنذ انطلاق ثورة الشباب في اليمن، والتي شاركت فيها النساء في صنعاء بشكل لافت، دخلت المرأة في مرحلة جديدة يفرضها واقع متشدد، وفي أحيانٍ كثيرة واقع لا أخلاقي ولا إنساني.

تدهور نظام الحكم منذ الأشهر الأولى للثورة في عام 2011، ثم سقوطه بشكل كامل بيد الحوثيين أواخر عام 2014، خلق فراغاً أمنياً وفوضى في عموم البلاد؛ بما في ذلك ازدهار الجماعات الإرهابية، والتي مارست انتهاكاتٍ جسيمة ضد المرأة، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- ما كان يُعرف بـ”خيام الزواج” في أحد مخيمات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في محافظة أبين. وفقاً لشهود عيان، كانت الفتيات الصغيرات يُرغمن على الزواج من مقاتلي تنظيم القاعدة في ذلك المخيم في عام 2012.

اقرأ أيضاً: اليمن.. عشر سنوات على حلم التغيير الذي استحال كابوساً!

وفي حين أن الجماعات الإرهابية تلقت ضرباتٍ موجعة أزاحتها إلى الأرياف والجبال، فإن الحوثيين ازدادوا رسوخاً في معظم شمال اليمن، خصوصاً صنعاء، وفرضوا بها نظاماً إسلامياً متشدداً، ناهيك بالانتهاكات ضد النساء، والمدنيين عموماً، في مناطق سيطرتهم؛ مثل القنص والاستهداف، والاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وسوء المعاملة، والاعتداءات الجنسية، والتمييز ضد الأقليات الدينية والعرقية، وعدم مراعاة الأصول القانونية. نادراً ما تلجأ النساء إلى الشكوى أو الحديث عما يتعرضن إليه من انتهاكات جسيمة خوفاً من وصمة العار التي يمكن أن تلحقهن طوال حياتهن؛ وهو أمر أشد وطأة من أي انتهاك في مجتمع كاليمن.

مجندات من ميليشيا الحوثي- “يمن دايركت”

كتائب الأمن النسائي

لتحقيق سيطرة أوسع وأقوى على النساء، قام الحوثيون بتأسيس كتائب الأمن النسائي، أو ما يُشتهر بـ”الزينبيات”، نسبة إلى السيدة زينب بنت النبي محمد، صلى الله عليه وسلم. يتم تدريب وتسليح هذه الكتائب للقيام بمهام التعامل مع النساء تحت ذرائع مختلفة معظمها بلا أسسٍ قانونية؛ تهدف إلى جني الأموال أو فرض معايير أخلاقية متشددة، أو القيام بمهام استخباراتية أو الحشد الشعبي لـ”الجهاد”.

تناولت عدة تقارير إعلامية وحقوقية، ومنها تقارير فريق الخبراء المعني باليمن التابع للأمم المتحدة، الدور المخزي لـ”الزينبيات” والانتهاكات التي تتعرض إليها النساء تحت سيطرة الحوثيين؛ مثل استهداف الحوثيين للنساء اللاتي يحاولن المشاركة في الحياة العامة، أو العمل لصالح المنظمات الناشطة في مجال تمكين المرأة. وقد وثقت الكثير من التقارير قيام الحوثيين، عن طريق فصيلهم العسكري النسوي “الزينبيات”، باعتقال هؤلاء النسوة وإساءة معاملتهن واغتصابهن، وحتى قتلهن أو دفعهن للانتحار داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

اقرأ أيضاً: لماذا باع رجل ابنته في اليمن؟

في مارس 2020، ذكر بيان صدر عن مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان في اليمن أن الفريق الميداني التابع للمركز تمكن من رصد وتوثيق قيام الحوثيين باحتجاز 300 امرأة؛ بينهن ناشطات سياسيات وحقوقيات وإعلاميات. رصد تقرير آخر صدر عن منظمة تحالف نساء من أجل السلام في اليمن والمنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر قيام الحوثيين باعتقال 1181 امرأة خلال الفترة من ديسمبر 2017 إلى ديسمبر 2020، وتعريضهن إلى القتل والتعذيب والاغتصاب، وغالباً ما تتم أعمال الاعتقال بتوجيه تهم كيدية؛ مثل الدعارة.

فرقة “الزينبيات”

يتم تدريب فرقة “الزينبيات” في معسكرات خاصة في صنعاء، وغالباً ما تكون النسوة من قريبات القيادات الحوثية أو المواليات لهم. كما يتم استقطاب طالبات المدارس والجامعات والنساء اللاتي يعانين ظروفاً اقتصادية صعبة، وحتى السجينات اللاتي يظهرن الولاء للجماعة بعد الاحتجاز. يتم تدريب النسوة للقيام بالمهام الأمنية والاستخباراتية، ومداهمة وتفتيش المنازل، واستخدام مختلف أنواع الأسلحة وقيادة المركبات، كما يتم منحهن رتباً عسكرية.

قلق متزايد

في العشرين من فبراير، العام الجاري، قامت ميليشيات الحوثي باعتقال عارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي، في صنعاء، من دون إصدار مذكرة اعتقال أو توجيه أية تهمة لها، ما عدا التلميح والحديث عن “الدعارة والفجور والاحتشام”. تبلغ الحمادي 19 عاماً فقط؛ وهي في بداية المشوار للعمل كعارضة أزياء وتسريحات وماكياج، حيث يقوم فنانون ومصممون محليون بتصويرها بشكل احترافي؛ لعرض منتجاتهم على الزبائن أو نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد اشتهرت الحمادي بعرضها أزياء عربية ويمنية تقليدية محتشمة بطريقةٍ عصرية.

عارضة الأزياء اليمنية انتصار الحمادي- وسائل التواصل

أثار اعتقال انتصار الحمادي قلقَ الكثير من النساء؛ بما في ذلك رائدات الأعمال من مصممات ملابس وماكياج وحتى عاملات الخياطة، واللاتي يحاولن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة للتسويق لمنتجاتهن. يثير اعتقال الحمادي قلق الأقليات الدينية والعرقية أيضاً؛ إذ إن الحمادي لأم إثيوبية وأب يمني، ولطالما كان لدى الحوثيين، وسلالة آل البيت المتشددة عموماً من الزيدية في صعدة وشمال اليمن، حساسية مفرطة ضد الأجانب عموماً والإفريقيين خصوصاً، وغالباً ما يطلق سكان الشمال عليهم تسمية “الأخدام”.

اقرأ أيضاً: اليمن.. تزايد بشاعة العنف ضد المرأة

وفي أحدث الانتهاكات التي تقوم بها النساء المواليات للحوثيين، تم تشكيل فرقة جديدة باسم “البتول” مكونة مما يزيد على 100 امرأة، مهمتها فرض رقابة صارمة على ملابس النساء خلال المناسبات الاجتماعية التي تُقام في المنازل أو قاعات الأعراس. وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الحوثيون خلق مجتمع متشدد وقوة تتدخل في أبسط الشؤون التي كانت مقبولة تماماً؛ إذ سبق أن قام الحوثيون -على سبيل المثال- بحملة قمعية لإزالة مجسمات عرض الملابس في المحلات بذريعة محاربة “الفاحشة” وتعارض هذه المجسمات مع “المسيرة الإيمانية”. لاقت هذه الحملة غضباً كبيراً وقلقاً متزايداً، وفي نفس الوقت سخرية لافتة في الشارع اليمني.

إن تعامل ميليشيات الحوثي مع النساء في مناطق سيطرتها في اليمن ليس سوى تأكيد لعقيدة التشدد والاستبداد والتمييز العرقي لهذه الجماعة، وهو فصل مخزٍ من فصول تاريخ اليمن الحديث يشوه إنجازات عظيمة حققتها المرأة اليمنية عبر التاريخ؛ إذ لا تزال الملكة بلقيس، ملكة سبأ (في مأرب حالياً)، تمثل فصولاً رائعة من التراث اليهودي والمسيحي والإسلامي، كما يفتخر اليمنيون أيضاً بالملكة أروى بنت أحمد الصليحي، التي تُعتبر أول ملكة في الإسلام، بعد أن اعتلت عرش الحكم في الدولة الصليحية في اليمن.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة