الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الحوثيون ضمن شبكة تهريب عالمية لآثار اليمن

في أحدث فضائح الآثار المنهوبة أكد باحث يمني مستقل أن عشرات القطع الأثرية من اليمن معروضة للبيع في دار مزادات بريطانية

كيوبوست

خلال الأعوام 2018 و2019 تم عرض تمثال وعل يمني شهير في فرنسا واليابان. كان الوعل ضمن مجموعة الشيخ حمد آل ثاني، ابن عم أمير قطر، ويُزعم أن الوعل تم تهريبه من اليمن بطريقة غير شرعية.

في العام 2021، قال سفير اليمن لدى اليونسكو، محمد جميح، إن الحكومة اليمنية الشرعية تتخذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستعادة الآثار اليمنية المنهوبة، بما في ذلك الوعل اليمني الذي كشفت عنه وسائل إعلام فرنسية.

تمثال وعل يمني ضمن مجموعة الشيخ حمد آل ثاني- وسائل إعلام فرنسية

حكاية الوعل اليمني، والمعروف باسم “عثتر” ليست سوى قُصاصة صغيرة كُشفت في سجل ضخم من النهب والبيع والتدمير الذي يطال آثار اليمن وقطعه الفريدة منذ عقود، مع تزايد ملحوظ لتلك الأنشطة منذ انهيار الدولة بعد سيطرة المتمردين الحوثيين على البلاد 2014-2015.

اليوم، وبعد مرور حوالي ثماني سنوات، لا تزال تلك الأنشطة تمثل مصدر تمويل وإثراء للمتمردين واللصوص، وتعرض هوية الحضارة اليمنية الغنية للطمس البشع.

في أحدث فضائح الآثار المنهوبة، قال باحث يمني مستقل إن عشرات القطع الأثرية من اليمن معروضة للبيع في دار مزادات بريطانية. وبحسب الباحث في مجال الآثار، عبدالله محسن، فإن دار المزادات البريطانية (timeline) سوف تبيع أكثر من 40 قطعة من الذهب والفضة والنحاس، يُزعم أنها نُهبت من المتاحف اليمنية ومواقع التراث الثقافي.

وفي حين أن القطع الأثرية المعروضة مذكورٌ أن مالكيها حصلوا عليها خلال ثمانينيات القرن الماضي، فإن تقارير متزايدة تؤكد تعرض آلاف قطع الآثار اليمنية للنهب بسبب الصراع.

اقرأ أيضًا: سقطرى.. جزيرة ساحرة ولغة فريدة في اليمن

تجارة مزدهرة

تشير التقديرات إلى أن قيمة أسواق القطع الفنية والأثرية العالمية قُدرت بنحو 65.1 مليار دولار في العام 2021. تشكل المبيعات عبر الإنترنت لسوق الفن والتحف في جميع أنحاء العالم ما يقرب من خمس تلك القيمة السوقية الإجمالية. في عام 2021، كانت الولايات المتحدة والصين والمملكة المتحدة هي الدول الرائدة في سوق الفن والتحف الأثرية، حيث استحوذت على 80 في المائة من إجمالي قيمة المبيعات. وتأتي الولايات المتحدة في طليعة الدول الرائدة في سوق تجارة القطع الفنية والأثرية.

تمثال من اليمن لشخص يركب جمل في مزاد على موقع timeline على الانترنت- timeline

في العام 2020، أصدرت الولايات المتحدة قراراً يمنع دخول واستيراد أي قطع أثرية يمنية؛ وذلك بعد أن قامتِ الحكومة اليمنية بمطالبة الحكومة الأمريكية بمنع دخول الآثار اليمنية المسروقة والاتجار بها.

رحبت الحكومة اليمنية بالقرار الأمريكي، لكن الفترة الزمنية المحددة لنفاذ القرار هي خمس سنوات فقط؛ مما يعني أن القيود المفروضة على الآثار اليمنية، والمصممة لحمايتها من النهب والاتجار، سوف تنتهي بحلول سبتمبر 2024.

كانت الجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية، والتي سعَت من خلالها إلى إشراك المجتمع الدولي، نتيجة العبث الكبير الذي طال المتاحف اليمنية والمواقع الأثرية في اليمن، من قبل ميليشيات الحوثي واللصوص وتجار الآثار، وزيادة الإفلات من العقاب، وضعف الرقابة والحماية.

تشير بعض التقارير إلى أن الحوثيين متهمون بتهريب 4800 مخطوطة وقطعة أثرية يمنية، وأن من بين دول الوجهة لتلك الكنوز التاريخية لبنان وإيران.

اقرأ أيضاً: الموسيقى التراثية في الدعاية السياسية.. الغناء اليمني نموذجاً

تاريخ معرض للخطر

تتعرض القطع الأثرية والمواقع الأثرية والمتاحف في اليمن للتخريب منذ انفجار الصراع في البلاد. في كثيرٍ من الأحيان، تم استهداف ونهب المتاحف والمباني التاريخية، أو استخدامها لأغراضٍ عسكرية. ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها تاريخ البلاد العريق للتدمير، فقد حدثت حوادث مشابهة في حرب اليمن عام 1994، وفي عدة حالاتٍ أخرى من عدم الاستقرار.

أدى اجتياح الحوثي لصنعاء وعدن وغيرها من المدن إلى تعرّض متاحفها المهمة للتخريب والنهب. تشير التقديرات الصادرة عن الحكومة اليمنية ومسؤولين إلى تورط المتمردين الحوثيين في تهريب عشرات، وربما مئات، الآلاف من القطع الأثرية والمخطوطات.

على سبيل المثال، خلال النصف الأول فقط من العام 2021 قام الحوثيون بنهب 4800 قطعة أثرية ومخطوطة، بحسب صحيفة “الشرق الأوسط”، من المتاحف الواقعة تحت سيطرتهم، وتم إرسالها إلى إيران ولبنان.

أشارت المصادر أيضاً إلى أن قادة الحوثيين البارزين في صنعاء يمتلكون العديد من القطع الأثرية الثمينة.

قطعة أثرية من مأرب، اليمن، معروضة في المتحف البريطاني- British museum

تتعرض المواقع الأثرية، بما في ذلك المباني، أيضاً إلى الخراب والاندثار في مختلف مناطق اليمن؛ بسبب الإهمال والتخريب المتعمد وآثار الصراع.

لدى اليمن ثلاثة مواقع مسجلة في قائمة مواقع التراث العالمي، وهي شبام حضرموت وصنعاء وزبيد. باتت هذه المدن مهددة بالخطر بسبب آثار النزاع. كما توجد العديد من الأماكن الأثرية، بما في ذلك المساجد القديمة، في مأرب وصنعاء وغيرهما عُرضة للتنقيب والتهريب غير المشروع لقطعها ومخطوطاتها.

شبكة تهريب عالمية

يعد الاتجار غير المشروع بالآثار جريمة تربط لصوص الآثار في مناطق النزاع وذات الدخل المنخفض بعالم النخبة في سوق الفن العالمي؛ وذلك بسبب الطلب القوي على الآثار في أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا. تساهم المكتشفات الأثرية الحديثة وغياب المسارات المشروعة للحصول عليها في تطوير خطوط إمداد جديدة ومبتكرة.

يُعد تدمير التراث ونهب المواقع والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية نتيجة مباشرة لأوقات التغيير والأزمات وعدم الاستقرار. لطالما كانت الممتلكات الثقافية هدفاً للجماعات الإرهابية في مناطق النزاع مثل سوريا والعراق؛ فهي تجارة مربحة تغذي اقتصاداً سرياً مجزياً. إضافة إلى ذلك، تظهر دراسات الحالة المتعلقة بتجارة الآثار في دول مثل مصر ولبنان وأفغانستان علاقة مماثلة بين الفقر، والنهب الانتهازي والمنظم، والتنقيب غير المشروع.

شبام حضرموت، اليمن، من مواقع التراث العالمي- اليونسكو

يقدر الخبراء أن الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية قد يصل إلى 10 مليارات دولار كل عام، وهو رقم يقول الإنتربول إنه ارتفع خلال العقد الماضي. في الشرق الأوسط، كان للفوضى التي خلفتها ثورات الربيع العربي، وانهيار دول مثل سوريا واليمن، دور كبير في فقدان تلك الدول ثروة هائلة من تاريخها وتراثها.

وفي حين أن السوق الأمريكية والأوربية هي الأكثر شهرة، فإنهما ليستا السوق النهائي الوحيد للآثار المنهوبة. أظهرت دراسة لمنظمة راند البحثية الأمريكية، أن الكثير من الممتلكات الثقافية من الشرق الأوسط ينتهي بها المطاف في إيران وتركيا وبعض دول الخليج العربي.

ووفقاً لصحيفة “الشرق الأوسط”، فإن علماء الآثار المحليين في مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن يتبعون توجيهات الحوثيين في التنقيب عن المخطوطات والآثار القديمة، وأن مسؤولين إيرانيين متورطون في ذلك النشاط الذي يعد أحد مصادر الدخل للجماعة، وإحدى أدوات الاستغلال الإيراني.

يتسبب الصراع والإفلات من العقاب، وضعف الرقابة والحماية للقطع والأماكن الأثرية في اليمن، بتعرض تاريخ البلاد وتراثه الغني والفريد للسرقة والتهريب، تستفيد الجماعات الإرهابية والمتمرد من حالة الضعف تلك لإثراء نفسها وتمويل أنشطتها.

إن القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة صعب حتى في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية؛ لذلك فهناك حاجة ماسة إلى تعاون إقليمي ودولي لإنقاذ تاريخ اليمن من الضياع بسبب طموحات النخبة وانتهازية الخارجين عن القانون.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة