الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

الحوثيون بين التصعيد العسكري والحل السلمي

كيوبوست

يكشف عديد من المعطيات والتطورات التي يشهدها اليمن مؤخرًا، عن دلائل ملموسة على تحوُّل الحوثيين في اليمن إلى أداة للنظام الإيراني يعمل بها على تهديد الأمن الإقليمي، واستهداف الدول المناوئة لطهران، دون أن يلقوا بالًا إلى معاناة الشعب اليمني المستمرة بسبب خروجهم عن الشرعية، وسعيهم للاستيلاء على السلطة في صنعاء.

 تأكيد التبعية للمرشد

اللافت في زيارة محمد عبد السلام، المتحدث باسم الميليشيات الحوثية، في 13 أغسطس الماضي، إلى طهران، وفي لقائه المرشد الإيراني علي خامنئي، أنه لا يقتصر على تمجيد المرشد لعائلة الحوثي؛ بل يمتد إلى تصريحات محمد عبد السلام لخامنئي حول كون الحوثيين يعتبرون “ولاية خامنئي هي امتداد لولاية رسول الله وعلِي بن أبي طالب”، على حد تعبيره.

وفد الحوثي يبايع خامنئي

ولم يقتصر الحوثيون على تأكيد تبعيتهم لطهران، بل عمدوا إلى استهداف السعودية لتأكيد تحولهم إلى إحدى تلك الأدوات المستخدمة في تنفيذ الأجندة الإيرانية في الإقليم.. هجمات متكررة دافعت عنها طهران بشكل صريح مؤخرًا، وبررها عديد من المسؤولين الإيرانيين في تصريحاتهم بأنها رد على ما اعتبروه حربًا سعودية ضد اليمن.

 اقرأ أيضًا: الحوثيون واليمن.. إيران ودعم الطائفية ضد العرب

التطلعات الاستعمارية الإيرانية

من جهة ثانية، لم تخفِ طهران سياساتها التوسعية في المنطقة، وهو ما وضح في تصريحات عضو مجمع الخبراء الإيراني وإمام مدينة مشهد الإيرانية آية الله أحمد علم الهدى، في 15 سبتمبر الجاري؛ حيث أكد أن مساحة إيران هي أكبر من حدودها الجغرافية؛ لأن كل الفصائل المسلحة التي تدعمها طهران في الشرق الأوسط هي جزء من إيران، قائلًا: “الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، وميليشيا الحوثي في اليمن، وقوات الدفاع الوطني في سوريا، والجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين.. هذه كلها إيران“.

إنفوغراف: 6 مفاوضات أفشلها الحوثيون في 6 أعوام

وعندما سَعَت الإدارة الأمريكية لمفاوضات سلام مع الحوثيين من خلال سلطنة عمان، ودعت السعودية للانضمام إليها في أواخر أغسطس 2019، لم يلتفت الحوثيون إلى أهميتها؛ بل واصلوا تصعيدهم ضد السعودية، وهو ما أكده استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة لاستهداف المناطق الواقعة في جنوب السعودية.

 اقرأ أيضًاالحوثيون.. مِن قَتل البشر إلى دمار البيئة

التغطية على الاعتداءات الإيرانية

حرص الحوثيون على التغطية على تورط إيران في استهداف مصفاة أبقيق وحقل خريص السعودي في 14 سبتمبر الجاري، فأعلنوا مسؤوليتهم عنه، على الرغم من أن كل المؤشرات تؤكد أن الهجوم انطلق ضد الرياض من الشمال وليس من الجنوب، فضلًا عن افتقار الحوثيين إلى أي قدرات عسكرية تؤهلهم لاستهداف هذه المناطق وبهذه الدقة؛ خصوصًا في ما يتعلق باستخدام سرب من الطائرات المسيرة وصواريخ كروز، وهو ما يؤكد عدم اكتراث الحوثيين بإنهاء الحرب، ووقف معاناة الشعب اليمني، كما يزعمون، بقدر اهتمامهم بالتغطية على جرائم طهران، والتي تستهدف أمن الطاقة العالمي.  

وعلى الرغم من مراوغة طهران، وإصرار الرئيس الإيراني حسن روحاني، ووزير خارجيته جواد ظريف، على الادعاء بأن الحوثيين يقفون وراء الهجوم؛ فإن البيان المشترك الذي خرج من بريطانيا وألمانيا وفرنسا أدان إيران بصورة مباشرة في الهجوم على منشآت شركة “أرامكو” السعودية؛ حيث أكد البيان الصادر في 23 سبتمبر الجاري، والذي جاء في أعقاب لقاء للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، أنه “من الواضح” أن إيران مسؤولة عن استهداف “أرامكو”.

 

توسيع نطاق التهديد

لم يقف التجاوز الحوثي عند هذا الحد؛ بل أعلن محمد عبد السلام، المتحدث باسم الميليشيات الحوثية، في 18 سبتمبر الجاري، أن الإمارات تستحق الاستهداف في هذا التوقيت أكثر من أي وقت مضى، بينما هدَّد الناطق العسكري لميليشيا الحوثي يحيى سريع، باستهداف دولة الإمارات، مؤكدًا امتلاكه عشرات الأهداف في الإمارات.

واتجه الحوثيون إلى محاولة استهداف أمن الممرات البحرية؛ من خلال المحاولة الفاشلة في 19 سبتمبر الجاري؛ لتوظيف زورق مفخخ، مسيَّر عن بعد، انطلق من محافظة الحديدة غربي اليمن؛ لتهديد السفن التجارية في جنوب البحر الأحمر، وهو الهجوم الذي رد عليه التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن من خلال استهداف أربعة مواقع لتجميع وتفخيخ الزوارق المسيّرة عن بعد، وكذلك الألغام البحرية التابعة للحوثيين في محافظة الحديدة.

اقرأ أيضًا: ما فعله الحوثيون بصحة الشعب اليمني

تراجع بأوامر طهران

سرعان ما تغيَّر موقف الحوثيين؛ فبعد تصاعد تهديداتهم للسعودية والإمارات العربية المتحدة، اتجه الحوثيون إلى إبداء رغبتهم في السلام؛ فقد أعلن مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، في 21 سبتمبر الجاري، وقف استهداف السعودية بالطيران المسيّر والصواريخ الباليستية والمجنحة وكل أشكال الاستهداف، مقابل إعلان مماثل بوقف “كل أشكال الاستهداف والقصف الجوي لأراضينا من جانب التحالف العربي” كما قال، بالإضافة إلى دعوته القوى اليمنية إلى “الانخراط الجاد في مفاوضات جادة وحقيقية تفضي إلى مصالحة وطنية شاملة“، ومحذرًا في الوقت نفسه من إمكانية قيامه بهجمات ضد السعودية أشد إيلامًا.     

قد يُنظر إلى هذه الدعوة على أنها مبادرة للسلام، غير أن قراءة توقيت دعوة الحوثي إلى السلام لا يمكن فصلها عن توجهات طهران، والتي أكد الحوثيون في تصريحاتهم العلنية ومواقفهم الفعلية تبعيتهم لها، والتزامهم بأوامرها؛ إذ إن تلك الدعوة جاءت في أعقاب تزايد قناعة المجتمع الدولي بتورُّط طهران في الهجوم على منشآت “أرامكو” النفطية لا الحوثيين، وهو الأمر الذي أجبر الإيرانيين على التراجع عن توظيف الحوثيين في تهديد الرياض، ولو مرحليًّا؛ حتى تستوعب ردود الفعل الدولية الغاضبة ضدها.

ولعل الدليل على ذلك يكمن في القراءة المتأنية لعرض الحوثي للسلام مع الرياض؛ إذ إن الحوثيين يقدمون أنفسهم باعتبارهم الحكومة الشرعية، ويبدون استعدادهم للتفاوض مع القوى الأخرى؛ وهو ما يعني في التحليل الأخير محاولة الحوثيين إضفاء شرعية على وجودهم، ورفض أي مفاوضات سلمية لا تسفر عن التسليم باغتصابهم السلطة في صنعاء.

اتفاق ستوكهولم الذي نقضه الحوثيون

كما أن الحوثيين طرحوا بعض الشروط، والتي تتمثل في رفع ما وصفوه بالحصار على ميناء الحديدة ومطار صنعاء، وهما المنفذان الأساسيان اللذان كان الحوثيون يحصلون منهما على أسلحة من طهران؛ سواء أكان جوًّا أم بحرًّا، في مؤشر إضافي على عدم جديتهم في السلام، ورغبتهم في التزود بالسلاح الإيراني مجددًا، استعدادًا لجولات قادمة من الصراع.

 

 اقرأ أيضًا: بالأرقام والوثائق: مليارات الدولارات نهبها الحوثيون من خيرات اليمن

وتقدم مفاوضات إستكهولم دليلًا آخر على ذلك؛ فلم يجلس الحوثيون للتفاوض إلا عندما اشتدت المعارك في الحديدة، وأنذرت بفقدانهم السيطرة عليها، وهو ما استغلوه جيدًا من خلال إعادة ترتيب صفوفهم، وإحكام سيطرتهم على المدينة، فضلًا عن المماطلة في تنفيذ أغلب البنود التي تم الاتفاق عليها في مفاوضات إستكهولم.

وبهذا يمكن الاستنتاج أن طهران توظف الحوثيين لخدمة أجندتها التوسعية، فضلًا عن استخدامهم كأداة من أدوات تهديد الأمن الإقليمي، ولذلك لا يتوقع أن تسعى طهران لدعم أي مفاوضات جادة لإنهاء الأزمة اليمنية، قبل حل أزمتها أولًا مع الولايات المتحدة؛ وهو ما يعني أن العرض الحوثي الأخير للسلام ما هو إلا تهدئة مرحلية انتظارًا لأوامر جديدة من طهران.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة