شؤون عربيةمقالات

الحملة التركية على عفرين تدخل شهرها الثاني: مراوحة في المكان، نزيف دمٍ ودمار

هل يستسلم الأكراد للعدوان التركي؟

خاص كيو بوست – 

شكري دهدو

لعل استعصاء عملية “غصن الزيتون” الخالية من أية دلالة قيمية في إشارة للاسم، على مشارف جبال كرداغ الشامخة، إثر إطلاق حملة إعلامية محمومة، وحشدٍ للقوات بمختلف صنوفها وعتادها، مع زج آلاف عناصر “درع الفرات” وغيرها المدرجين على لوائح دعم تركيا والمتحركة وفق أجنداتها، وتقلب معارك الكرّ والفرّ برًا على مساحةٍ لا يتجاوز عرضها 3 كم وبشكل متفاوت في محاور عدة، بمحاذاة الشريط الحدودي من قرية ديربلوط – غرب عفرين إلى قرية قسطل جندو شرقًا، إضافة إلى الحدود الإدارية الجنوبية مع مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام ومنطقة اعزاز، أي ما يقارب 200 كم… قد أدخل حكومة أنقرة في إحراج كبير، فتتضارب وتنفلت تصريحات مسؤوليها ومواقفهم، بين اجترار أسباب الحملة وخلطها ببعض (مكافحة إرهاب PKK، حماية الأمن القومي التركي، تسليح الولايات المتحدة للأكراد، إقامة دولة كردية في شمال سوريا تمتد إلى البحر، استبداد حزب الاتحاد الديمقراطي، واعتدائه على العرب والتركمان…)، إلى تنويع أهدافها ورفع سقف شروطها (القضاء على وحـدات حماية الشعب، إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كم، إعادة 3.5 مليون لاجئ سوري، السيطرة على شمال سوريا من عفرين إلى منبج وربما إلى الحدود العراقية، وإلى محافظة إدلب).

غلو الرئيس رجب طيب أردوغان في التمسك بكرسي الحكم، وافتخاره بالتاريخ العثماني على قاعدة مزج دعوات الدين والقومية في السياسة نحو حلم عثمانية جديدة، إضافةً إلى تورط دائرة مقربة منه في ملفات فساد كبيرة، أدخل حزب العدالة والتنمية AKP -جزء من تنظيم الاخوان المسلمين العالمي معروف بشموليته فكرًا وممارسة- في صراع داخلي ساخن مع رفاق الأمس (فتح الله غولن وحركته، عبد الله غول، أحمد داوود أوغلو وآخرين)، ومع المعارضة التركية اليسارية والديمقراطية، ووضع حكومة أنقرة في حالة عداءٍ مع الكُـرد ومع حزب العمال الكردستاني، وكذلك في حالة نفور مع الغرب عمومًا والولايات المتحدة بشكل خاص، ومع دول إقليمية أيضًا (مصر، سوريا، العراق، بعض دول خليجية …)، إضافةً إلى توتير العلاقة مع روسيا لفترة طويلة، ليخرج أردوغان فاشلًا في خطوات الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، ومرتبكًا في العلاقة مع الولايات المتحدة، ويعود خالي اليدين من ملفات ليبيا وفلسطين ومصر، إثر التغيرات التي فرضتها تبعات ما سمي بالربيع العربي، ولينتقل من تخبط إلى تخبط في الأزمة السورية التي جعلته ينسج علاقات مريبة مع تنظيمات القاعدة والإسلام السياسي الجهادي التكفيري، بل أدخل الائتلاف السوري المعارض وفصائل مسلحة في مخاضات سياسية ومعارك عبثية، دفع ثمنها الشعب السوري باهظًا، وأرزح بلاده أيضًا تحت وطأة أزمات أمنية وسياسية واقتصادية مزمنة، إضافةً إلى تراجع تركيا بشكل حاد في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية والحريات العامة.

إذًا على خلفية اللهاث وراء السلطة، وهاجس جمع أصوات غالبية الناخبين في انتخاباتٍ مقبلة، وللتغطية على أزمات تركيا الداخلية، والسعي المحموم لتعزيز دورها على الساحة السورية في مزاحمة الدول الأخرى، بموازاة عدائها التاريخي لأي شأن سياسي كردي، تتخذ حكومة العدالة والتنمية من مسألة وجود حزب العمال الكردستاني، وتنامي دوره في المنطقة حجة ومطية لتدخلها البري في الأراضي السورية، محاولةً إنهاء الإدارة الذاتية القائمة، والقضاء على الدور والحضور الكردي في شمال سوريا، حيث حققت قوات سوريا الديمقراطية ووحـدات حماية الشعب -والمرأة ضمنًا- انتصارات باهرة على قوى الإرهاب من داعش وغيرها، الأمر الذي أثار حفيظة أردوغان وطاقم حكمه. إذ تُريد حكومة أنقرة من عملية عفرين جني ثمارٍ ولو من فتات المحصول المتبقي، وعقد صفقات، بعد خضاتها وإخفاقاتها المتلاحقة.

بالعودة إلى موضوع اللاجئين السوريين في تركيا التي أعلنت أن عددهم 3.5 مليون -وهو رقم مشكوك فيه– ومنهم 235 ألف يعيشون في 21 مخيمًا، أي أن البقية يعيشون من كدهم ومالهم، في وقتٍ تتلقى فيه حكومة أنقرة مساعدات كبيرة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي بخصوص اللاجئين. لكن الغريب في الأمر هو ربط إنهاء العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا بشرط عودة جميع اللاجئين، فهل هم قطعان أغنام ستلقي بهم الشاحنات التركية على ضفاف نهر عفرين أو في سهول منبج؟! أم أنهم بشر مشمولون بالقانون الإنساني الدولي ووثائق الأمم المتحدة التي ترفض إرغام اللاجئين على العودة إلى بلادهم في حال وجود خطر على حياتهم!! فالسوريون المهاجرون يتلهفون للعودة إلى ديارهم وأرضهم، منازلهم وقراهم ومدنهم، وإلى المساهمة في بناء بلدهم، لا العودة إلى مخيمات الذل والمهانة.

يبدو أن الحكومة التركية ترغب في استخدامهم مرةً أخرى كورقة ضغط لعقد صفقات معينة، أو توطينهم بدلًا عن الكُـرد الذين تسعى لترحيلهم، تحت ضغط القصف والترويع، في محاولةٍ لتغيير ديمغرافيا المنطقة.

بقدر التضخيم الإعلامي وحجم الحملة العسكرية وشراستها، لم يكن تقدم القوات المهاجمة في الأراضي السورية واحتلال مواقع إستراتيجية –سوى التمركز في بعض التلال، واجتياح بطيء في بعض المواقع- أو بناء قواعد انطلاق نحو داخل عفرين بمستوى التخطيط الذي رسم لها، بل فشلت في شل قدرات الوحـدات (الكردية) الدفاعية، من تحصينات وعتاد ودعم لوجستي، ولم تستطع كسر معنويات المقاتلين والأهالي، أو أن تؤدي إلى حركة نزوح جماعي نحو الخارج، الذين ازدادوا تيقظًا وحيطة وتدبيرًا لمتطلبات الحماية والعيش، دون أن يكون هناك أي مجال للفوضى والفلتان، وذلك لما يتميز به المجتمع في عفرين من انسجام وانفتاح وتنظيم وتعددية سياسية على وفاق في الإستراتيجيات.

الحملة التركية دخلت شهرها الثاني وهي تُراوح مكانها، نزيف دمٍ سوري ودمار، قصف عشوائي بالطيران والأسلحة الثقيلة، يطال قرى وبلدات آهلة بالسكان ومواقع أثرية، موديًا بحياة مئات الضحايا والجرحى من المدنيين، من أطفال ونساء ورجال، وإلى نزوحٍ داخلي كبير، وما الافراط في استخدام القوة وقذائف تحمل مواد كيماوية إلا دليل عجز وتخبط.

يصدُّها بدفاع مستميت على الأرض قوات سوريا الديمقراطية ووحـدات حماية الشعب -والمرأة ضمنًا- وهي تُلحق في صفوف المهاجمين خسائر جمة، معتمدةً على العنصر الفعال، والسلاح النوعي، وتحصينات مشيدة في تضاريس جبلية، في بيئةٍ أنسج معها الكُـرد وشائج الروح والحرية على أنغام قصص سيامند وخجيه، درويشيه عبدي، زينبيه، وغيرها الكثير، وها هم يعتبرون القضية مسألة وجود أو لا وجود.

باركت الخطوة التركية كل من يدور في فلك التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، قطر كدولة وحيدة، بينما هناك حملة احتجاج كردية عارمة وفي البلدان الأوربية والولايات المتحدة، ترافقًا بتضامن عالمي من لدن أوساط إنسانية وحقوقية وديمقراطية، ومواقف دول تراوحت بين القلق والتحفظ وضبط النفس أو مطالبة بوقف الحملة، لم تتبلور بعد إلى قرارات مفيدة لدى المجتمع الدولي. كما أن مواقف الحكومة السورية لم تترجم بعد إلى خطوات عملية، ربما نشهد في الأيام القادمة اتفاقًا بين إدارة عفرين ودمشق لدخول الجيش السوري إلى المنطقة، وقد نرى تحولاً في الأحداث بعد تبيان نتائج زيارة ريكس تيلرسون إلى أنقرة يوم الجمعة الفائت.

إطالة أمد الحملة التركية، ربما تؤدي إلى كارثة إنسانية، حيث أنها تُوفر أيضًا الفرصة والمناخ لانتعاش الإرهاب ونمو الشبكات الجهادية التكفيرية تحت مسميات جديدة، فتنشط معها خلايا نائمة، وما الحديث عن وجود داعش في عفرين إلا كذبة مضحكة.

تعقيدات جديدة على المشهد السوري وإجهاض للجهود التي تُبذل في سبيل إيجاد حل سياسي سلمي للأزمة السورية.

عفرين 17/2/2018

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة