الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الحكمة في ضبط النفس مع روسيا

في الأشهر الأخيرة تعرضت إدارة بايدن إلى انتقادات لاذعة بسبب حذرها المحسوب بشأن التورط في الحرب الأوكرانية

كيوبوست- ترجمات

سامويل شاراب♦

أكد الكولونيل المتقاعد ومدير الشؤون الأوروبية السابق في مجلس الأمن القومي، ألكساندر فيندمان، في مقال له بعنوان “أوقفوا سياسة الحذر تجاه روسيا”، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا لا تزال تتسم بالحذر المبالغ فيه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ويرى أنه كان ينبغي للولايات المتحدة أن تشغل روسيا، وأن تتبنى مواجهة صريحة معها منذ البداية.

ولكن سامويل شاراب يرى أن نظرية فيندمان قد أساءت تفسير تاريخ السياسة الأمريكية تجاه روسيا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي. ويؤكد أن سلوك مسار أكثر تصادماً مع روسيا ما كان ليخدم مصالح أمريكا؛ إذ تفيد الدروس المستفادة من جميع أزمات الحرب الباردة أن سياسة الحذر الشديد مطلوبة في الأوقات الخطيرة.

اقرأ أيضاً: روسيا تسعى للتحالف مع الصين للتغلب على العقوبات الأمريكية

ويؤكد شاراب، في مقاله الذي نشره موقع “فورين أفيرز”، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا لم تكن على الإطلاق كما وصفها فيندمان، وعندما تباعدت المصالح الأمريكية- الروسية، لم تتردد الولايات المتحدة على الإطلاق في الابتعاد عن روسيا حتى عندما كانت علاقة البلدَين في ذروتها، وعملت واشنطن على توسيع الناتو وتدخلت في كوسوفو وعززت منظومة صواريخه البالستية على الرغم من اعتراضات موسكو الشديدة. وكذلك بذلت الولايات المتحدة كل ما بإمكانها لمنع القوة الإقليمية الجديدة التي تقودها موسكو من الظهور مرة أخرى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ودعمت مشروعات أنابيب الغاز والنفط التي كان من شأنها أن تكسر الاحتكار الروسي لتصدير الطاقة، وقدمت الدعم السياسي والمالي للتجمعات الإقليمية للدول السوفييتية السابقة التي استبعدت روسيا. وكانت أوكرانيا هي النقطة المحورية لجهود الولايات الأمريكية في المنطقة منذ ثورتَيها عامَي 2005 و2014. وفي الواقع، لولا اعتراضات الدول الأعضاء لكانت إدارة الرئيس بوش قد وضعت أوكرانيا وجورجيا على طريق الانضمام إلى حلف الناتو في عام 2008.

الرئيسان الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين- “فورين أفيرز”

وبالتالي فإن الحقائق تناقض رؤية فيندمان لسياسة الولايات المتحدة، وهذه الحقائق تشير إلى أن السياسة البديلة التي اقترحها كانت ستتعارض مع المصالح الأمريكية ومصالح جيران روسيا في الوقت نفسه. ومن خلال تجنب المواجهة مع روسيا، حققت السياسة الأمريكية عدداً من المكاسب الجوهرية؛ منها التخفيضات الكبيرة في الترسانات النووية الأمريكية والروسية، والمساعدة التي قدمتها روسيا للولايات المتحدة في حربها في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر. لقد علمتنا الحرب الباردة أن الأزمات تتطلب البراغماتية وضبط النفس.

ويذكِّر شاراب بأن رؤساء الولايات المتحدة قد أظهروا درجة من الاحترام للمصالح السوفييتية والصينية في فترات التوتر الشديد؛ فالرئيس هاري ترومن رفض المخاطرة بحرب أوسع في كوريا على الرغم من إصرار الجنرال دوغلاس ماك آرثر، على التصعيد وحتى على استخدام الأسلحة النووية. وفي عام 1956، رفض الرئيس دوايت آيزنهاور التدخل رداً على الغزو السوفييتي للمجر، وطالب بقوة بضبط النفس. وذهب وزير خارجيته جون فوستر دالاس، إلى حد القول إن الولايات المتحدة لا تنظر إلى دول أوروبا الشرقية كحلفاء عسكريين مستقبليين. وقد أعطى ضبط النفس هذا نتائج جيدة على المدى الطويل؛ إذ تم تحرير المجر من الاحتلال السوفييتي، وانتصرت الولايات المتحدة في الحرب الباردة، وتم تجنب حرب مدمرة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن احتواء “روسيا بوتين”؟

وفي الأشهر الأخيرة، تعرضت إدارة بايدن إلى انتقادات لاذعة؛ بسبب حذرها المحسوب بشأن التورط في الحرب الأوكرانية. مع العلم أن الرؤساء الأمريكيين كبحوا طموحاتهم قصيرة المدى في مواجهات الحرب الباردة من كوبا إلى تشيكوسلوفاكيا إلى فيتنام، لتجنب كارثة حرب واسعة النطاق خصوصاً عندما كانوا واثقين من انتصار الولايات المتحدة في نهاية المطاف. واليوم لدى البيت الأبيض كل الأسباب الكافية لوجود هذه الثقة، فخسائر روسيا في أوكرانيا وعزلة موسكو الدولية والعقوبات التي تحاصر روسيا كلها عوامل تضعف الموقف الاستراتيجي لروسيا تجاه الولايات المتحدة وأوروبا.

يصور فيندمان الدعم الأمريكي لأوكرانيا على أنه تافه ويراعي مخاوف في غير محلها من تصعيد روسي؛ ولكن على العكس من ذلك فالتاريخ يظهر أن نهج إدارة بايدن في مساعدة أوكرانيا يستند إلى توازن صعب بين المخاطر والمكاسب. وواشنطن تعمل على زيادة كمية ونوعية مساعداتها الأمنية لكييف؛ مما يحسن تدريجياً من موقفها العسكري دون إثارة حرب واسعة النطاق. وعلى الرغم من أن هذا النهج قد سبب إحباطاً للقادة الأوكرانيين والعديد من المراقبين؛ فإنه يعكس أفضل تقاليد دبلوماسية حقبة الحرب الباردة التي تتلخص في السعي لتحقيق المصالح الأمريكية مع تجنب الصدام المباشر مع الخصوم والتركيز الدائم على المدى الطويل.

♦كبير الباحثين السياسيين في مؤسسة راند، ومؤلف كتاب “الجميع يخسرون” حول الأزمة الأوكرانية، بالمشاركة مع تيموثي كولتون.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة