الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

الحشود في شرق المتوسط تستحضر برنامجاً عسكرياً جديداً في اليونان

استراتيجية يونانية مركبة ومنظمة سوف تجبر القيادة التركية على النظر في قبول نهج أكثر واقعية تجاه علاقات تعاون بناءة في منطقة شرق المتوسط

كيوبوست

♦ماركو فلورين

استجابةً للتهديدات المتزايدة بالحرب في شرق المتوسط، أقرت الحكومة اليونانية برنامجاً ضخماً لتحديث قدراتها الدفاعية ورفع كفاءتها. ويمكن ملاحظة خمس نقاط رئيسية في هذا البرنامج الطموح، تعكس استراتيجية طويلة المدى تضع اليونان في صفوف اللاعبين الاستراتيجيين في المنطقة، وتعزز بقوة موقع أثينا بالمقارنة مع تركيـا.

اقرأ أيضاً: ممارسات أردوغان في شرق المتوسط تحت مجهر المجتمع الدولي

1- تحديث القوة الجوية: قدرات استراتيجية جديدة

● مع وجود أسطولها القديم والفعال جداً من طائرات “F-16” و”F-4″، و”ميراج 2000″، تحتاج اليونان إلى تحديثٍ فوري لقدراتها الاستراتيجية. ووقع الاختيار على 18 طائرة “رافال F3” مستعملة تسمح للقوة الجوية اليونانية بتوسيع وتعزيز قدراتها الهجومية ومدى عملياتها بشكل كبير. وتتفوق طائرات “رافال” على أية طائرة أخرى موجودة في ترسانة اليونان الجوية، وهي قادرة على استيعاب حمولات ثقيلة ومتنوعة من الأسلحة.

● هنالك عاملان في غاية الأهمية وراء اختيار وزارة الدفاع اليونانية هذه الطائرات؛ العامل الأول هو عامل الزمن، فاختيار طائرات “رافال” المستعملة يتيح وضعها بالخدمة فوراً ودون الحاجة إلى انتظار زمن التصنيع. ويمكن أن تبدأ على الفور عملية تدريب الطيارين وفرق الصيانة اليونانية؛ لتحقيق إمكانية وضع طائرات “رافال” في الخدمة خلال عام 2021.

● والعامل الثاني، وربما كان الأهم، هو إمكانية الوصول الحر وغير المشروط لاستخدام الأسلحة الفرنسية الاستراتيجية (سكالب، وميتيور، وMICA، وإكزوسيت). وتشكل حرية استعمال الأسلحة عاملاً يضاعف قدرات اليونان الدفاعية؛ لأنه يطلق يدها في الاستخدام الفوري والطارئ لأسلحة متفوقة، مثل صواريخ “كروز” و”سكالب” و”ميتيور AA”؛ النسخة الأحدث من صواريخ “إكزوسيت AsUW”.

● في حال تمكنتِ اليونان أيضاً من تحديث طائراتها من طراز “F-16 52+/52/50” إلى مستوى “فايبر”، واستبدال أربع وعشرين طائرة “F35A” بطائرات “F-4” و”F-16 Block30″؛ فإن المشهد العام في بحر إيجة سوف يشهد تفوقاً يونانياً كاملاً، بما في ذلك القدرة على تحييد منظومة “S-400” التركية، من خلال استخدام طائرات “F-35” الشبح المقاتلة، أو صواريخ “رامباج” الإسرائيلية الموجودة على قائمة مشتريات اليونان، وهذا السيناريو سوف يعيق عمل الأسطول البحري التركي؛ لأنه لن يكون قادراً على العمل في بحر إيجة دون غطاء جوي في ظل التهديد اليوناني.

● ويمكن لخيار الاستحواذ على طائرات “ليوناردو M-346” الإيطالية المتطورة، أن يفضي إلى الاعتبارات السابقة نفسها؛ وهو خيار سوف يضم اليونان إلى نادي البحر الأبيض المتوسط لطائرات “F-35″ و”M-346” مع إيطاليا وإسرائيل اللتين تستعملان الطرازات نفسها. وهنالك إمكانية لرؤية طائرات “M-346” في سلاح الجو المصري قريباً.

طائرة “رافال” الفرنسية- “رويترز”

2- التعاون مع القوى الحليفة: دمج القدرات وتعزيز الاقتصاد

● الميزة الأخرى لطائرة “رافال” هي زيادة قابلية العمل المشترك مع القوت الجوية الفرنسية والبحرية الفرنسية، وكذلك مع القوات الجوية لمصر؛ الحليف الإقليمي القوي. وكل هذه القوات تستعمل طائرات “رافال” و”ميراج 2000″. ويمكن الاستفادة من الاعتبارات ذاتها في حال توفرت إمكانية حيازة طائرات “F-35″ و”M-346”.

● وأخيراً وليس آخراً، سيوفر التعاون مع الفرنسيين والمصريين في مجالات التدريب والصيانة والتحديث الكثير من الميزات لليونانيين على الصعيد الاقتصادي

اقرأ أيضاً: أنقرة تستنفر قواتها في “المتوسط” بعد اتفاق الترسيم المصري- اليوناني

3- تحديث الأسطول البحري

● بعد انتظار دام أكثر من عقد من الزمن، وفي مواجهة برنامج “ميلغيم” البحري التركي الطموح، قررتِ الحكومة اليونانية إجراء تحديث شامل للبحرية اليونانية. وبينما تتمتع اليونان بتفوق كامل في قدرات الغواصات (مع أن اليونان تمتلك غواصة واحدة أقل من تركيا، فإن لديها أربع غواصات من طراز “AIP U-214” في مقابل واحدة لتركيا)، إلا أن سفن البحرية اليونانية بدأت تعاني أعراض الشيخوخة؛ فالبحرية اليونانية تفتقد مضادات الطيران الحديثة، وصواريخ “كروز” الهجومية، (لكن القوات الجوية اليونانية تمتلك هذه القدرات). وكما هي الحال في القوات الجوية، فإن احتياجات البحرية اليونانية معقدة وتحتاج إلى جانب الحلول المستقبلية إلى إجراءات فورية لسد الثغرات. وهنا يأتي الأمر الأكثر إثارة للاهتمام؛ اتفاق عام محتمل بين اليونان والدولة الموردة للسفن الجديدة يشمل توريد إمدادات سد الثغرات؛ كالفرقاطات المستعملة أو المدمرات. وفي ظل عجز البحرية الفرنسية والإيطالية عن تقديم هذه الإمدادات تبقى هنالك دولتان مرشحتان؛ هما الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا. وفي رأيي، ستفوز الولايات المتحدة بهذا السباق. وبعد تجهيز أحواض بناء السفن اليونانية (سايروس والآن إيلوسينا) يمكن للولايات المتحدة أن تلبي كل متطلبات اليونان من بناء سفن جديدة، (فيها MMCS أو FFX؛ وكلا النوعين يُنتجان بالتعاون مع شركة بناء السفن الإيطالية فينكانتيري)، ومن توريد فوري لسفن مستعملة (مدمرات آرلي بورك).

● ومع أننا لا نعرف اليوم ما هو الخيار النهائي للحكومة اليونانية، إلا أنه من الواضح أن برنامجها يقوم على ما يلي:

تحديث أربع فرقاطات نيفو ميكو من طراز FFG، تمتلكها اليونان حالياً.
الاستحواذ على 2- 4 سفن مستعملة كإجراء سريع لسد الثغرات.
الاستحواذ على أربع فرقاطات جديدة مجهزة بمضادات جوية وصواريخ كروز هجومية.
الاستحواذ على أربع طائرات هليكوبتر مضادة للغواصات من طراز “MH-60”.
تأمين طوربيدات ثقيلة حديثة لأسطولها من الغواصات.

وهذا سيوفر للبحرية اليونانية قدرات جديدة في مواجهة البحرية التركية التي سيشهد برنامجها المستقبلي تخفيضاً في عدد الفرقاطات، وربما المدمرات الخفيفة، إلى جانب الطرادات الأربع من طراز “ADA”. وفي جميع الأحوال فإن الاستحواذ المحتمل لليونان على فرقاطات سيوفر لها التمتع بميزات تقنية/ تشغيلية كثيرة، تتفوق فيها على أية سفن تركية جديدة. (تقوم تركيا ببناء قدرات محلية حقيقية؛ ولكن خبراتها تقل كثيراً عن القدرات التكنولوجية الأمريكية والإيطالية).

اقرأ أيضاً: أوروبا تحذِّر أردوغان من التنقيب في البحر المتوسط

الفرقاطة اليونانية “هيدرا”- “نيفال نيوز”

4- تقوية التحالفات:

● النقطة الرابعة، وإن لم تؤخذ كثيراً بعين الاعتبار، تُغير التوازنات في شرق المتوسط لصالح اليونان وترفع مستواها العسكري، وهي إقامة تحالفات استراتيجية متينة مع لاعبين إقليميين آخرين؛ ما يوفر لليونان قوة مضاعفة وعامل ردع قوياً. فالتدريبات المشتركة الأخيرة مع سفن وطائرات من دول؛ مثل الإمارات وفرنسا وإيطاليا وقبرص، لم تكن حدثاً عرضياً؛ بل نتيجة لسعي دؤوب لهذه الشراكات الاستراتيجية التي تمت المصادقة عليها باتفاقيات مثل الاتفاقيات الثلاثية (بين اليونان ومصر وقبرص وبين اليونان وقبرص وإسرائيل)، والاتفاقيات الرباعية (بين اليونان وقبرص والإمارات والأردن، وبين اليونان وفرنسا وإيطاليا وقبرص). وكذلك تتعزز روابط اليونان مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كبير على صعيد البنى التحتية والاستثمارات (سودا، أليكساندروبولي، إيلوسينا، وسايرس)، وعلى الصعيد العسكري (توضع المزيد من الوحدات العسكرية الأمريكية في اليونان، وتجري اليونان مزيداً من التدريبات المشتركة مع القوات الأمريكية). وفي حال وقوع أي اشتباك مع تركيا سيكون هنالك احتمال دائماً لتلقي اليونان دعماً عسكرياً مباشراً أو دعماً غير مباشر على الصعيد السياسي والصناعي واللوجيستي من حلفائها.

5- إنشاء صناعة دفاعية وطنية:

● النقطة الخامسة هي أن الاستراتيجية اليونانية تعتمد على إحياء القدرات الصناعية القديمة، وخلق قدرات جديدة. فمن خلال المشاركة في برنامج “PESCO” الأوروبي المتعدد الجنسيات (كبرنامج “H2020” للبحوث البحرية وبرنامج طرادات الدورية الأوروبية) إلى عمليات الدمج والاستحواذ (ELVO وEAB وإيلوسينا)، تخلق اليونان قدرات إنتاجية محلية في غاية الأهمية؛ لتعزيز إمكاناتها العسكرية والتكنولوجية المستقبلية (على نفس المسار الذي بدأت تركيا بالسير عليه منذ زمن طويل).

قادة دول الاتحاد الأوروبي بعد توقيع اتفاقية التعاون الدائم “PESCO”- “فرانس 24”

تغيير توازن القوى في مستقبل شرق المتوسط

باختصار؛ فإن استراتيجية يونانية مركبة ومنظمة سوف تجبر القيادة التركية على النظر في قبول نهج أكثر واقعية تجاه علاقات تعاون بناءة في منطقة شرق المتوسط. ومع ازدياد التوازن في القدرات العسكرية والاستراتيجية بين ضفتَي بحر إيجة، ومع أرجحية تقدم اليونان بفضل شبكة حلفائها الواسعة؛ فإن قدرة تركيا على فرض خياراتها السياسية سوف تضعف تدريجياً، وسيسهم في ذلك التأثير الكبير للأزمة الاقتصادية التركية وعزلتها الدولية. ولن تكون المواجهة في المستقبل بين تركيا واليونان؛ بل ستكون تركيا في مواجهة مصفوفة معقدة من العوامل سيكون من المرجح أن تعجز أنقرة عن مواجهتها.

♦خبير إيطالي في الشؤون الإستراتيجية

لقراءة الأصل الإنجليزي للمقال: GREECE – RAFALE

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة