شؤون عربية

الحزب الحاكم أولًا والإسلاميون ثانيًا: ماذا تعرف عن المشهد السياسي الموريتاني؟

100 حزب سياسي تتنافس عبر 1600 لائحة، و5000 مرشح

كيو بوست –

رغم وجود تقاليد حزبية عديدة في التاريخ السياسي الموريتاني ترجع لأكثر من نصف قرن، فإن الأمور لم ترتق لدرجة الأعراف إلا مؤخرًا، إذ بدت نواكشوط عازمة على تحقيق انتقال ديمقراطي يقطع منطق القبيلة وسطوة الجيش لصالح المؤسسات، عبر انتخابات شفافة ونزيهة.

ولربح هذا الرهان، دُعي مطلع هذا الشهر 1.4 مليون ناخب موريتاني للإدلاء بأصواتهم في الاستحقاقات الانتخابية، واختيار من يمثله بين 98 حزبًا سياسيًا، 80 منها يشكلون أحزاب الموالاة، بمشاركة 1590 لائحة تتنافس على 219 مجلسًا بلديًا، و161 لائحة تسعى للوصول إلى 13 مجلسًا جهويًا، وأكثر من خمسة آلاف مرشح يتبارون على 157 مقعدًا برلمانيًا.

وشاركت في هذه الانتخابات كل الأحزاب السياسية الموريتانية، سواء من الموالاة (80 حزبًا) أو المعارضة (18 حزبًا)، في حين يُعتبر حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، هو الحزب الوحيد الذي غطى جميع الدوائر الانتخابية.

ومن أبرز الأحزاب المشاركة في هذا الاقتراع، زيادة على حزب الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، نجد “التحالف من أجل التناوب الديمقراطي” الذي يضم 10 أحزاب من بينها “التجمع الوطني للإصلاح والتنمية”، وحزب “اتحاد قوى التقدم”، وحزب “الاتحاد والتغيير الموريتاني”، بالإضافة إلى حزب “تواصل” ذي التوجه الإسلامي، أبرز قوى المعارضة في البلاد.

وحسب اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، فقد تصدر حزب الاتحاد من أجل الجمهورية نتائج هذه الانتخابات، في حين جاء حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) ثانيًا، بينما حل الاتحاد من أجل التقدم والديمقراطية ثالثًا.

 

محطات تاريخية أساسية في تشكل المشهد السياسي الموريتاني

كانت موريتانيا منذ عم 1946 عضوًا في الاتحاد الفرنسي بصفتها كإقليم من أقاليم ما وراء البحار، المتمتع بكيان سياسي مستقل نسبيًا، على رأسه والٍ عام بسلطات مدنية وعسكرية، يمارس من خلالها صلاحيات السلطة التنفيذية كافة، في حين تركت السلطة التشريعية لمجلس إقليمي منتخب، لكن بصلاحيات محدودة.

وقتها، ظل التجمع الديمقراطي الإفريقي يعمل من خلال الاتحاد التقدمي الموريتاني الذي عاش معه حزب الوفاق الموريتاني كمنافس احتفظ لنفسه بمسافة عن السلطات الاستعمارية، رغم تقارب برامجهم السياسية، دون إلغاء المنافسة على التمثيل البرلماني، لأن قانون الإطار لعام 1957 أدى إلى تأسيس مجلس للحكومة يتم انتخابه من طرف المجلس الإقليمي.

ويبقى عام 1961 مفصليًا في التاريخ السياسي الموريتاني، حيث تمت المصادقة على أول دستور في مايو/أيار، وهو العام ذاته الذي انضمت فيه البلاد إلى منظمة الأمم المتحدة، في أكتوبر/تشرين الأول تحديدًا.

ورغم أهمية هذه الوثيقة الدستورية، وهذا الاعتراف الأممي، إلا أن البلاد تعيش من يومها مخاضًا عسيرًا وأزمات عدة؛ سياسية (انقلابات)، وحدودية (المغرب والبوليساريو) خلفها الاستعمار الفرنسي للمنطقة، وعرقية نظرًا لتنوع مكونات هذا البلد المغاربي الذي لم يعرف الاستقرار إلا في فترات محدودة.

لقد أنهى انقلاب الثالث من أغسطس/آب 2005، حكم معاوية الذي بدأ عام 1984، حين قام هو أيضًا بانقلاب عسكري على محمد خونة ولد هيدالة، واعدًا الشعب بطي صفحة الماضي والدخول في انتقال ديمقراطي عبر تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة.

وعود رنانة علق عليها الموريتانيون آمالًا عريضة، سرعان ما تحولت إلى سراب سياسي، ليستمر الاحتقان السياسي وينفجر الوضع الاجتماعي الداخلي لما وصلت ارتدادات أحداث الربيع العربي في المنطقة عام 2011 إلى نواكشوط، وتلقفها حراك شباب 25 فبراير/شباط.

ظرفية حساسة استغلتها المعارضة -تكتل القوى الديمقراطية (ليبرالي)، واتحاد قوى التقدم (يساري)، وحزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل” (إخواني)- برفع سقف مطالبها، حتى وصلت إلى شعار رحيل النظام، بل ورفضت عام 2014 المشاركة في الانتخابات، وتقوت ببعض مكونات المجتمع المدني تحت لواء “منتدى الديمقراطية والوحدة”.

 

انتخابات بأهمية خاصة

تكتسي هذه الانتخابات في الحقل السياسي الموريتاني أهمية خاصة بالنسبة لمؤسسة الرئاسة وأحزاب الأغلبية والمعارضة على حد سواء؛ لاعتبارات عدة نذكر منها:

  • الاعتبار الزمني، وهو أهمها، فهي تأتي قبل سنة من موعد الانتخابات الرئاسية 2019، التي ينهي فيها الرئيس محمد ولد عبد العزيز ولايته الثانية الأخيرة دستوريًا.
  • من الناحية التنظيمية، تعتبر هذه الانتخابات التشريعية والبلدية الأولى من نوعها منذ اعتماد نظام المجالس الجهوية، وتعديل الدستور الذي ألغى مجلس الشيوخ، كما أنها الأولى أيضًا بعد عودة المعارضة إلى المشاركة الانتخابية بعد سنوات من المقاطعة، وعدم الاعتراف بنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز بسبب “الانقلاب”، الذي قام به عام 2008، وسيطرته منذ ذلك الوقت على مقاليد الحكم في البلاد.
  • ثالث هذه الاعتبارات قانوني يتمثل في حظر الترشح المستقل، وبالتالي تهديد الأحزاب، التي لم تشارك في استحقاقين محليين متتاليين، أو التي حصلت مرتين على أقل من نسبة واحد بالمئة، الأمر الذي دفع هذه الأحزاب وغيرها إلى الدخول في اللعبة الانتخابية، تفاديًا لسحب التراخيص منها في هكذا ظروف.

 

بين الحياد والانتهاكات

لقد اختلف تقييم الأجواء والحيثيات التي رافقت الانتخابات الموريتانية، من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية واللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى أحزاب المعارضة.

وأكدت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات في موريتانيا على أن الاستحقاقات الانتخابية النيابية والمحلية مرت بظروف طبيعية. وقال المصطفى سيدي المختار الناطق الرسمي باسمها لوسائل الإعلام، إن العملية “مرت بظروف جيدة ولم تقع خروقات”، وإن كانت “صعبة بالنظر إلى وجود اقتراع بلدي وجهوي وتشريعي، بالإضافة إلى اللائحة الوطنية للنساء واللائحة الوطنية للمقاطعات”. كما أن بعثة مراقبي الاتحاد الإفريقي -الوحيدة التي واكبت الانتخابات- صرحت بأن المشاكل المسجلة لا تمس مصداقية الانتخابات.

وعلى خلاف هذه الرواية، فقد سجل العديد من الفاعلين الحقوقيين حدوث عشرات المخالفات -على حد تعبيرهم- تهدف في مجملها إلى تغييب الممثلين عن يوم الاقتراع، في العديد من المقاطعات مثل الرياض توجني، وتمبدغه، والنعمه، وآمورج، ودار النعيم، ولكصر، وغيرها. كما نددت المعارضة بوجود حالات تزوير، وشددت على خطورة الصعوبات التنظيمية المعقدة لمهمة التصويت.

بيان صحفي:تميزت حصيلة الوقت المنقضي من الاقتراع بعشرات الممارسات التي تهدف في مجملها إلى تغييب الممثلين عن يوم…

Posted by ‎محمد الأمين الفاظل‎ on Saturday, 1 September 2018

وفي ظل هذا الجدال، قال رئيس المركز الموريتاني للدراسات والأبحاث الإستراتيجية، الخبير السياسي، ديدي ولد السالك في اتصال مع كيوبوست إن “الانتخابات كانت ملتبسة، فقد عرفت مشاركة الكثير من الشخصيات المهمة والمعارضة والقوية من جهة، كما أظهرت لنا من الوجوه النكرة والشخصيات المشبوهة الكثير من جهة أخرى”.

 

مستقبل التحالفات السياسية

ديدي ولد السالك

يكاد يجمع الشارع السياسي الموريتاني بمختلف مكوناته على أن طبيعة التحالفات التي بدأت تظهر معالمها ستحدد هوية المرحلة المقبلة، في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية صعبة، ومناخ إقليمي ودولي متحرك؛ لا سيما بعد فوز الحزب الحاكم في الجولة الأولى من انتخابات الأول من سبتمبر/أيلول التي بلغت نسبة المشاركين فيها حسب إحصائيات رسمية 73.44%، في انتظار ما ستسفر عنه نتائج الدور الثاني المتوقع إجراؤها في 15 من الشهر الجاري.

وتدعم المعارضة الإسلاميين بسبب تخوفها من حصول الحزب الحاكم على أغلبية مريحة داخل الجمعية الوطنية، خشية السماح للرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، والتحكم في الخريطة السياسية.

هذه الخريطة، حسب ديدي ولد السالك، “ستبقى ملتبسة، ما لم ينعقد البرلمان؛ لأن هناك أحزابًا لم تكن معروفة شاركت في الانتخابات، والأمر نفسه حصل مع أشخاص غير معروفين سياسيًا ونجحوا، وغالبًا ما يتحدد ولاء تلك الجهات بعد انعقاد المؤسسة التشريعية وعقب المساومات التي سيخضعون لها”.

حمل تطبيق كيو بوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة