الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

الحريّة الدينيّة.. وحريّة التعبير.. مُعَلِّم باريس أنموذجًا!

أحمد المطرودي♦

الحقُّ في الحريّة الدينيّة يتداخل مع الحقِّ في التعبير ويتقاطع معه، وهذا ما يجلب لغطًا كثيرًا واسعًا بين فترة وأخرى، ويتجلّى هذا بشكل أكبر في عالمنا الإسلامي، وشعور المسلمين وانفعالاتهم… ويرى مايكل ج. ساندل في كتابه (الليبرالية وحدود العدالة) أنّ تأكيد الليبراليين على الحقّ في الحريّة الدينيّة لا ينطلق من اعتبارهم المعتقدات الدينيّة جديرة بالاحترام بحكم محتواها ومبناها، ونظامها الداخلي؛ بل يأتي ذلك الحقّ من كون خيار المعتقد حرّا وطوعيًا للفرد والجماعة… ومع كون هذا الاعتقاد والحريّة الدينيّة خيارًا فرديًا فإنّه يرتبط بالخير والفضائل الاجتماعية، التي يسعى المتديِّنون لتمثُّلها ونشرها وامتداد تأثيرها…

ويميِّز مايكل ج. ساندل بين التعبير الحرِّ والتعبير الحاقد… وهذا يدفع بنا لموضوع مقالتنا الرئيس؛ فهل التعرُّض للرسول محمّد صلّى الله عليه وسلّم داخلٌ في ذلك التعبير الحاقد؟

ولماذا يستبطن المسلمون هذا الغضب الذي يطلّ برأسه في كلّ حادثة مشابهة لما حدث في فرنسا قبل أيّام؟

وهل ستتأثر قيمة الرسول عليه الصلاة والسلام وينحسر تأثيره بسبب رسومات كاريكاتورية؟

اقرأ أيضًا: محمد موسوي لـ”كيوبوست”: ماكرون يريد دعم مسلمي فرنسا

إجابةً على السؤال الأوّل يرى الليبراليون؛ وفقًا لمايكل ج. ساندل أنّ التعبير الحاقد متاح، ما لم يتجاوز الأذى اللفظي، ومثل ذلك ما يجيزه الليبراليون من حقّ لدعاة التمييز العنصري، ما لم يصل ويوجَّه للجماعة، التي ينتمي إليها الفرد… ويبقى عمل ذلك المعلِّم عرضًا بمعزل عن الحقد؛ فهو استعادة ومناقشة لأحداث تلت نشر مجلّة (شارلي إبدو) لرسوم مثيرة عن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام عام 2015م، وكانت محاكمة مَن هاجموا تلك المجلة فرصة أو دافعًا لذلك التناول، وإعادة طرح الموضوع، داخل فضاء عام يناقش حريّة التعبير…
ونجيب على السؤال الثاني بسؤال يكشف كيف تتعامل الديانات والثقافات الأخرى مع مثل تلك الإساءات: ماذا لو كانت تلك الرسومات موجَّهة لعيسى عليه السلام؛ فهل سيثور العالم النصرانيُّ الأكثر عُدَّةً وعددًا؟!

أظنّ التمرد على الكنيسة وسلطتها الدينية الذي نقل العالم الغربيَّ نقلة نوعية باهرة لا يسمح بردود أفعال تماثل ما حدث، ويتكرَّر في محيطنا!

وفيما يتعلّق بالسؤال الثالث وإجابته فأقول: ربما تكون تلك الأعمال والرسومات مدعاةً للاطّلاع على هذه الشخصيّة العظيمة، والتعرُّف على الإسلام…

صامويل باتي المعلم الفرنسي المغدور – وكالات

لم أتقصَّ كثيرًا مفردات ذلك الحدث، ولم أتتبّع ردود الفعل عليه، بما فيها تفاصيل ذلك القتل البشع، وموت القاتل بتلك الطريقة المثيرة والمحزنة؛ لكن لفت انتباهي وصفُ الرئيس الفرنسيُّ الحدثَ بأنّه: هجوم إرهابيّ… وهذا ينمّ عن ربط ذلك العمل بالإسلام والمسلمين بشكل، أو بآخر، ويقوِّي ذلك الربطَ ما تلفّظ به القاتل بعد أن طوّقته الشرطة، وقوله: الله أكبر… كما لفت انتباهي أنّ أولياء الأمور كُفِل لهم حقُّ التعبير، وحق الاعتراض على تلك الرسومات، وهذا يعكس مناخًا في حرية التعبير في فرنسا والعالم الغربي، وتقديرها للديانات الموجودة فيها، ومعتنقيها، وهذا كافٍ… كما توقّفتُ عند رأي طالب آخر لذلك المعلم وصف فيه معلِّمَه المقتول بأنّه كان يحبّ عمله، وكان يريد أن يعلّمنا أشياء من خلال مناقشات ومناظرات، وهو رأيٌ أيَّده الأهالي والمدرِّسون…

أسعى في عجالة للنظر لهذه الحادثة وأمثالها من منظار فكري ثقافي أوسع دائرة، يتجاوز الفعل وردوده، ويرفض التطاول على السلطات، ويدين القتل والشغب في أراضيها، كما ينفِّر من إساءات متكرِّرة تكرِّس لصورة نمطية سلبية عن الإسلام، وتلصق بالمسلمين سمة الإرهاب، وهذا يدعونا للارتداد إلى الداخل، والبحث في الجذور التي ينطلق منها أولئك الذي يمارسون القتل؛ وسيلةً للتعبير والاعتراض، ومن أين تسرَّبتْ إليهم تلك القناعات؟!

اقرأ أيضًا: هجمة أخرى على حرية التعبير في فرنسا

في ظنّي أنّ شيئًا أو كثيرًا من التشدُّد الديني بقي عابرًا للقارّات، متجاوزًا الحدودَ الجغرافية، ينقله أولئك اللاجئون معهم في غربتهم، وبحثهم عن ظروف حياتية أفضل، وهذا يفاقم غربتنا، ويجذِّر تخلُّفَنا وتأخرنا في ركب الأمم الناهضة، ويمنعنا من الانخراط في حياة متسامحة، تناقش الأفكار وتتقبّل الاختلاف والتباين.

مازلنا نحتاج الكثير لنلحق بركب التحضُّر ومازلنا نحتاج الكثير لنوطّن أنفسنا على الاعتراض والتعبير السلمي الذي تكفله القوانين والأنظمة، وتقبله الأعراف والثقافات، وتمارسه الشعوب!

♦مختص باللغويات التطبيقية وعلم اللغة الحاسوبي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة