شؤون عربيةملفات مميزة

الحروب الإعلامية: المغرب والجزائر نموذجًا

كيف تدير المغرب والجزائر حربهما الإعلامية؟

كيو بوست – رشيد العزوزي

تجاوزت معظم دول العالم المتجاورة مشاكلها الحدودية الموروثة عن الاستعمار مثل ألمانيا وفرنسا والكوريتين، وغيرهم كثر ممن رجحوا كفة التكامل الاقتصادي على حساب الخلافات السياسية، ما عدا المغرب والجزائر، الذين لم يجدا بعد حلًا لمشاكلهما، إضافة إلى دول أخرى.

مشاكل تسببت في حرب مدمرة، بمجرد ما وضعت أوزارها على الأرض انتقلت إلى الإعلام، فأضحت فوبيا المخزن المغربي وجنرالات الجزائر مواد صحفية دسمة هنا وهناك، لا تقل إثارة عن مواضيع الدين والجنس في أوطان أخرى، لأسباب عدة سيتطرق هذا التقرير لأهمها.

اقرأ أيضًا: أزمة المغرب والجزائر في تصاعد: هل تصل إلى نقطة اللاعودة؟

 

رواسب تاريخية تفرض نفسها على الإعلام

إن الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830 يعني بالنسبة للمغرب أن واحدة من أبرز القوى الاستعمارية في القرن الـ19 أصبحت جارًا مباشرًا يهدد استقلاله، لاستكمال السيطرة على شمال إفريقيا، وقطع الطريق على إمبرياليات أخرى كانت لها أطماع في المنطقة.

وبفعل الجوار ووحدة اللغة والدين وتشابه الثقافة وتخالط الأنساب، فقد استغلت السلطات الفرنسية دعم المغرب للأمير عبد القادر الجزائري في ثورته ضد الغزو الفرنسي للتوغل في المغرب.

لم يستطع السلطان المولى عبد الرحمن المغربي أن يتجاهل نداء سكان تلمسان، ولا أن يرفض دعمه لعبد القادر، ولا أن يبقى مكتوف الأيدي أمام غارات القوات الفرنسية على المغرب الشرقي، فدخل في حرب مع فرنسا (معركة أيسلي 1944)، حسمتها الأخيرة لصالحها في أقل من 4 ساعات كما ذكر المؤرخ الناصري.

وشكلت الهزيمة بالنسبة للمغاربة صدمة الحداثة الأوروبية فكريًا، في حين كان من نتائجها سياسيًا قبول السلطان صلحًا، تعهد بموجبه عدم مساندة الأمير عبد القادر، بل وطرده من التراب المغربي، وتوقيع معاهدة للامغنية عام 1945.

اقرأ أيضًا: عميلة سرية جزائرية وراء قطع العلاقات الإيرانية المغربية

المعاهدة التي لم تعين بنودها الحدود بين المغرب والجزائر بشكل دقيق، لأغراض استعمارية، سيكون لها بالغ الأثر على العلاقة بين البلدين عقب استقلالهما، بحكم اختلافهما في كل شيء، من حدود الدولة إلى شكل الحكم، مرورًا بالنهج الاقتصادي، وليس انتهاء بالخلفيات الأيديولوجية.

وهكذا دخل مغرب الاستقلال عام 1956 في حرب حدودية (حرب الرمال) -كما كان متوقعًا- مع الجزائر عام 1963، أي بعد عام من استقلال الأخيرة، بسبب اقتطاع أراض مغربية لصالح الجزائر الفرنسية التي كانت باريس لا تنوي الخروج منها حسب الرواية المغربية.

وفي هذا السياق، قال الكاتب الصحفي والروائي الجزائري أنور رحماني في اتصال مع كيوبوست: “الأنسب اليوم أن يحترم كلا الشعبين خصوصيات الآخر، للعيش في محيط سلمي مشترك، فالمغرب يحتاج جزائر قوية لأنها ظهره، الذي يحمي حدوده شرقًا”، وأضاف أن على المغرب أن تبادر بالتعبير عن حسن النيّة تجاه الجزائر، لأنّ الذاكرة الجمعية الجزائرية تجتمع على العديد من الذكريات السلبية تجاه المغرب، قائمة على (الغدر والخيانة) في أغلب الأحيان بكل صراحة”، وهو الموقف ذاته الذي يروجه الإعلام الموجه.

اقرأ أيضًا: ما وراء إعلان المغرب قطع علاقاتها مع إيران

أنور رحماني

توجيه الإعلام في المغرب والجزائر

حسب تقرير منظمة مراسلون بلا حدود، احتل المغرب الرتبة 135 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة هذا العام، متراجعًا برتبتين مقارنة بالعام الماضي.

وقالت المنظمة الدولية التي تتخذ من العاصمة الفرنسية باريس مقرًا لها، إن صحفيين مغاربة متّهمين بـ”تهديد أمن الدولة الداخلي” و“تلقي أموال من جهات أجنبية”، يواجهون أحكامًا تصل إلى الحبس 5 سنوات نتيجة نشرهم مقالات انتقدت سياسة الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، وكذا مقاربتها الأمنية للحراك الاجتماعي في عدد من المدن، رغم أن الحرية الإعلامية مضمونة في دستور 2011.

ولا يختلف الوضع في الجزائر كثيرًا؛ فالبلد احتل المرتبة 136 خلف المغرب مباشرة، حسب المؤشر ذاته، مشيرًا إلى كثرة الخطوط الحمراء المحرم على الصحفي الاقتراب منها، كالفساد أو صحة الرئيس. وكل من يتحدى السلطات، تحاربه بطريقة مباشرة (الاعتقال) أو غير مباشرة (المنع من الدعم والإشهار) لتكون النتيجة إفلاس المؤسسة الإعلامية.

اقرأ أيضًا: لماذا تدعم الجزائر جبهة البوليساريو؟

وسبق للمنظمة ذاتها أن نشرت تقريرًا ناريًا حول وضع الصحفيين في البلاد عنونته بـ”اليد الخفية للسلطة في وسائل الإعلام”، وصفت فيه الوضع بالمزري، مشخصة معاناة الصحفيين مع الحكومة، ومتسائلة في شخص أمينها العام السيد كريستوف ديلوار: “إلى أي مدى ستسير السلطات الجزائرية في محاولتها لخنق الصحافة ومن يدافعون عنها؟”.

ولعل هذا ما جعل أنور يؤكد أن “الإعلام في البلدين ليس حرًا حقيقة، وإنما هو ملتزم بالبروباغندا السياسية للنظامين، وكلاهما يتغذّى على كره الآخر لنسج شرعية للبقاء”، وترسيخ صورة مشوهة عن الطرف الآخر في ذهن الشعوب.

 

صورة البلدين في الإعلام التقليدي والحديث

يصور المغرب في الإعلام الجزائري –غالبًا- مشروعًا توسعيًا في المنطقة، و”دولة احتلال” في “الصحراء الغربية”، لدرجة لا يكاد يميز المتلقي العربي الذي يشاهد نشرة أخبار في القنوات الجزائرية لأول مرة، هل الحديث عن تل أبيب أم الرباط! وهل الأرض فلسطين، أم الصحراء المغربية!

وتقدم الدولة المغربية في هذه الحرب الإعلامية على أنها “مافيا مخدرات وتبييض أموال” تتحمل مسؤولية المشاكل الاجتماعية التي يتخبط فيها الشباب الجزائري، بفعل تعاطيه الحشيش المهرب من المغرب عبر الحدود، باعتباره بلدًا يتصدر قائمة الدول الأكثر إنتاجًا وتصديرًا لنبتة «القنب الهندي» (الحشيش).

وفي إطار الحرب والحرب المضادة، نجد في الإعلام المغربي أيضًا صورة قاتمة عن الدولة الجزائرية “الساعية بكل الوسائل لتفتيت المغرب ترابيًا وضرب استقراره سياسيًا”. إنها -حسب صحفيين- سجن كبير محكوم من طرف جنرالات ما بعد الحزب الوحيد والفكر الاستئصالي، ما جعلها تفشل فشلًا ذريعًا في كل الأوراش التي فتحتها.

اقرأ أيضًا: تحقيق صحفي مغربي يكشف بالتفاصيل: علاقة خفية بين قطر والبوليساريو

نظام يبذر أموال الشعب الجزائري في معاكسة مصالح المغرب، عبر احتجاز مواطنيه في تندوف، وتوفير مختلف الدعم الإعلامي والسياسي داخليًا، وفي المحافل الدولية لجبهة البوليساريو الانفصالية، وعبر إغراق شبابه بالحبوب المهلوسة (القرقوبي).

عمومًا، كلما حضرت الجزائر في الصحافة المغربية كلما استدعي جهاز مفاهيمي حربي في أغلب المناسبات من قبيل المواجهة، والخصوم، منذرًا بكوارث مستقبلًا، بعض ملامحها بدأت تظهر في الإعلام البديل.

هذا النوع من “الإعلام” أكثر شيطنة، لا يعترف بأخلاق المهنة، ومن الصعب ضبطه قانونيًا، فمعه أصبح “المواطن الصحفي” يزور التاريخ، ويكفر بالجغرافية، يسيء للأشقة دون أدنى مراعاة للدم والعقيدة والأخلاق الحميدة، التي ينبه إليها البعض، دون أن يقف معها الكثير من “القطيع” المثقل بعبء الإعلام التقليدي، حد التغييب سيكولوجيًا، بفعل خلط واختلاط الأوراق.

وهنا، أرجع الإعلامي، المحلل السياسي المغربي، عبد السلام العزوزي، في اتصال مع كيوبوست هذا “الخلط الكبير في حقيقة ما يجري في كلا البلدين إلى الجهل المقدس بمجرى الأحداث من طرف الإعلاميْن الجزائري والمغربي على حد سواء، ما ينتج عنه إصدار أحكام جاهزة ومبيتة تسهم إلى حد كبير في مزيد من تسميم العلاقة بين الجارين المغاربيين”.

اقرأ أيضًا: حرب وشيكة قد تندلع بين دول المغرب العربي بسبب جبهة البوليساريو!

عبد السلام العزوزي

عندما تحضر الإرادة السياسية يكون الإعلام صدى لها

رغم كل المشاكل التاريخية والسياسية، فإن ما يجمع الشعبين الشقيقين من أخوة أكثر بكثير مما يمكن أن يفرقهما، ويستعدي بعضهما البعض، بحكم روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والثقافة التي تكاد تكون واحدة، وهو ما عبر عنه هاشتاغ #خاوه_خاوه_ما_بينا_عداوه الذي عرف انتشارًا كبيرًا.

إن التاريخ نفسه الذي اعتبره البعض عائقًا من العوائق، لا نعدم فيه محطات نموذجية يمكن البناء عليها مستقبلًا؛ فقمة الملك الحسن الثاني، والرئيس الشاذلي بن جديد، بوساطة العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز عام 1987، شكلت أولى لبنات التقارب السياسي بين البلدين، بعد 12 عامًا من الصراع والتوتر.

ورغم قصر محطة الود، إلا أنها أثمرت عن أهم حدث في التاريخ السياسي للمنطقة بعد الاستقلال، عام 1989، حين أعلن قادة الدول المغاربية عن ميلاد “اتحاد المغرب العربي” في مدينة مراكش، بين الدول الخمس.

في مثل هذا اليوم 17 فيفري من سنة : 1989 – قيام اتحاد المغرب العربي بين ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والمغرب.- أعلن…

Posted by ‎حكايات Stories‎ on Saturday, 17 February 2018

اتحاد سياسي بطموحات اقتصادية، وثقافية، وسياسة إعلامية، تجمع ولا تفرق، تبني ولا تهدم، لولا استقالة/إقالة الشاذلي بن جديد عام 1992، واغتيال الحلم المغاربي معه، لتعود الآلة الإعلامية إلى بث الحقد ونشر الكراهية، اللهم إذا استثنينا الإعلام الرياضي.

 

ماذا عن دور الإعلام الرياضي؟

يكاد يكون هذا الإعلام وحده خارج هذه الحرب المسعورة، بفضل صحافيين محترمين يتجنبون الخوض في السياسة، ومدربين في كلا البلدين، تألقوا وكانوا خير سفراء.

على رأسهم نجد الإطار الجزائري رابح سعدان المتوج بطلًا لإفريقيا عام 1989، مع فريق الرجاء البيضاوي لأول مرة في تاريخه، ما جعل الرجاويون يهتفون بحياة الجزائر، أو ذلك الأثر الطيب الذي تركه مؤخرًا المدرب عبد الحق بن شيخة، مع أكثر من فريق مغربي تولى تدريبه.

اقرأ أيضًا: التاريخ والسياسة والأطراف: كل ما تود معرفته حول نزاع الصحراء المغربية

وفي المقابل، رسم المدرب المغربي بادو الزاكي صورة طيبة عن المغرب في الإعلام الجزائري عندما فاز مع فريق شباب بلوزاد بكأس الجزائر في موسم استثنائي بكل المقاييس، وهو ما يبصم عليه إطار مغربي آخر هو رشيد الطاوسي مع فريق وفاق سطيف المتأهل لنهائي عصبة الأبطال الإفريقية من مدينة الدار البيضاء على حساب الوداد المحلي.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة