الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الحركة “اللاضية”.. ثورة العمال الإنجليز على الآلة

كيوبوست

مع قيام الثورة الصناعية في بريطانيا، خلال القرن الثامن عشر، والتي ارتكز مبدأها على استبدال الماكينة بالعامل، بدأ ظهور الاقتصاد الرأسمالي كنظام حديث يسعى لتحقيق أكبر هامش من الربح بأقل قدر من التكلفة، وهذا ما كفلته الآلات التي تنتج سلعاً بكمياتٍ أكبر وبوقتٍ وتكلفة أقل من نظيرها العامل.

وكانت أولى الصناعات التي اقتحمتها الآلة؛ صناعة الغزل والنسيج، وقادت التطورات التي تبعت الثورة الصناعية في قطاع النسيج إلى شعور النساجين المهرة بالتهديد من خطر البطالة الوشيكة؛ ما نتج عنه ظهور حركة عمالية ثورية في بريطانيا تدعى “اللاضية: Luddites”.

اقرأ أيضاً:  روبوت كتب هذا المقال.. فهل يخيفك هذا الأمر؟

زعيم أسطوري

كما روبن هود الذي سكن الغابات شريداً وخارجاً عن القانون، في سبيل تحصيل حقوق الفقراء المسلوبة، عاش زعيم اللاضيين الأسطوري، النساج والمدافع عن قوت العمال “نيد لود” في غابة بمدينة نوتنغهام.

وتقول الحكاية، التي من المتوقع أن النساجين الثائرين ابتدعوها لاستفزاز وإخافة السلطات الحاكمة، أن الزعيم نيد لود الخيالي، أقدم على تحطيم آلة نسيج عام 1779م، ومن هنا أخذت الحركة “الـلاضية” اسمها، نسبة إلى اسم الزعيم المتخيّل، الذي سار النساجون على خطاه، وسمّوه “الجنرال لود”، وقالوا إنهم كانوا يتلقون الأوامر منه، مصدرين بياناتٍ موقَّعة باسمه.

الزعيم الأسطوري “نيد لود”

وبذلك فإن حركة اللاضيين تشير إلى النساجين البريطانيين أصحاب الخبرة الطويلة، الذين ثاروا في مواجهة إدخال الماكينات؛ كالنول الآلي، وإطارات الحياكة على صناعة النسيج؛ لأنها سمحت لأرباب العمل بالاستغناء عنهم، واستبدال عمال أقل مهارة وتلقائياً أقل أجراً بهم؛ فكانوا أول عمال في التاريخ يحطمون آلاتهم.

العامل في وجه الآلة

نتج عن إقصاء العامل لصالح الآلة حينها، أول ردة فعل من قِبل النساجين المهرة الذين استشعروا خطر المكننة؛ فقادوا أول تمرد عام 1779م في مدينة مانشستر ضد إدخال الآلات على صناعة النسيج، وهم بذلك كانوا حريصين على سنوات تدريبهم وخبرتهم الطويلة، ولم يكونوا ضد مفهوم التقدُّم والتصنيع بشكل خاص.

كانت غاية اللاضيين في البداية هي التفاوض، للوصول إلى شروط وحقوق تجعل الانتقال إلى ظروف العمل المتغيرة الجديدة أكثر إنسانية، كإدخال حد أدنى للأجور، وتخفيض أسعار الأغذية، إلا أن المحاولات التفاوضية باءت بالفشل.

اقرأ أيضاً: ثورة الزنج

نشطت الحركة بشكلٍ ملموس بعد تشكلها بعدة سنوات، بالتزامن مع الحروب النابليونية التي أرهقت الاقتصاد البريطاني بشكل عام، إلى جانب الصراع الذي كانت تخوضه بريطانيا ضد الولايات المتحدة آنذاك. وما زاد الطين بلة، ارتفاع أسعار الطعام وخسارة العديد من الحرفيين عملهم؛ ومنهم مَن قلَّت أجورهم.

في مدينة نوتنغهام، مركز تصنيع المنسوجات، فرقت القوات البريطانية حشداً من المتظاهرين المطالبين بمزيد من العمل والأجور عام 1811م، ومع أن الحكومة كانت قد سنَّت قانوناً لحماية الآلات عام 1788م، زادت بموجبه العقوبات المفروضة على تدمير معدات المصنع، إلا أن اللاضيين لم يمتنعوا عن إكمال ما بدأوا به، وكان أول الأعمال التخريبية التي قادوها، تحطيم آلات النسيج، وحرق مصانع في بلدة أرنولد بمدينة نوتنغهام في 11 مارس عام 1811م، تعبيراً على رفضهم تجاهل مطالبهم المشروعة.

في تلك الليلة تكررت الهجمات على نحو متقطِّع، ثم تبعتها هجماتٌ أخرى على شكل موجات، استهدفت مصانع وطواحين ومطاحن، وانتشر العمال الغاضبون في نهاية المطاف عبر رقعة طولها 70 ميلاً شمال إنجلترا، وانتقلت الأعمال التخريب إلى جميع أنحاء البلاد؛ ففي عام 1811م وحده، تم تدمير مئات الآلات بالمطارق الثقيلة، وكان الثوار يجتمعون ليلاً، في أماكن منعزلة بالقرب من المدن الصناعية لتنظيم أنفسهم.

العمال في مصنع خلال الثورة الصناعية- oas

الانتصار للآلة

اعتقد اللاضيون أن الحراك سيدفع الحكومة لحظر الآلات؛ لكن الأخيرة لم تضع ذلك الخيار في حساباتها، وفاجأتهم بأن انتصرت للآلة التي تحقق أرباحاً أكبر لأصحاب المصانع ورؤوس الأموال، وفرضت عقوبة الإعدام على كل مَن يكسر الآلة، عازمة على إنهاء الحركة من خلال اختراقها بالجواسيس.

اقرأ أيضاً: سبارتاكوس.. العبد الذي انقلب على عبوديته

بينما أرسلت الحكومة في أبريل 1812م، نحو 14 ألف جندي إلى مناطق وجود العمال الثائرين؛ حيث دارت عدة معارك، كانت أكثرها وحشية تلك التي اندلعت بالقرب من مطحنة في بلدة هدرسفيلد البريطانية، حيث شنّ الجيش هجوماً ضد اللاضيين، تم خلاله إطلاق نار؛ ما أسفر عن مقتل جزء منهم، والقبض على البعض الآخر الذين لاقوا مصيراً من ثلاث؛ الإعدام أو السجن أو النفي إلى أستراليا، ونتيجة للرد الوحشي تراجع نشاط الحركة، وبعد بضع سنوات انطفأت تدريجياً، حتى عام 1816م حينما اختفت تماماً.

اليوم يستخدم مصطلح “لاضي” أو “لودي” للإشارة إلى الأشخاص الكارهين للتكنولوجيا، أو المتمسكين بالاختراعات القديمة ويرفضون التغيير، على الرغم من أن “اللاضيين” أنفسهم لم يكونوا ضد التقدم الصناعي من حيث المبدأ، إنما ضد تهميشهم لصالح الآلة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات