الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

الحركات الإسلامية بين الأصولية والمساواة

دراسة تبحث في دور المرأة داخل الحركات الاسلامية وتسعى إلى فهم العلاقة بين الدوافع الداخلية والخارجية للتغيير الأيديولوجي

كيوبوست

بيورن أولاف أوتفيك

(قسم الدراسات الثقافية واللغات الشرقية، بجامعة أوسلو)

هنالك نوع من التعايش الغريب بين الاعتراف بالمرأة كفاعلةٍ سياسية مساوية للرجل، والنظرة الإسلامية للرجل باعتباره رب الأسرة. وفي المغرب، دافعت الناشطات الإسلاميات عن حقوق المرأة، وتعاونت بحذر مع الحركات النسوية، بينما كان الإخوان المسلمون في مصر أكثر تحفظاً، وأوكلت الجماعة إلى الكوادر النسائية مهمة محاربة أي تطور يُنظر إليه على أنه يهدد الأسرة المسلمة.

وهذه الدراسة تبحث في حالتي مصر والمغرب، وتسعى إلى فهم العلاقة بين الدوافع الداخلية والخارجية للتغيير الأيديولوجي.

مقدمة

ربما كانت الأفكار والممارسات المتضاربة، فيما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين، واحدة من أكثر القضايا إثارة للتوتر بين التيار الإسلامي والثقافة الغربية، ولكن هنالك توترات داخلية في المجتمع الإسلامي نفسه بشأن العلاقة بين الجنسين في الحياة الاجتماعية والسياسية. ومع أن القضايا الاجتماعية لم تكن محط اهتمام كبير فيما عرف بثورات الربيع العربي، لكنه أطلق تغييرات كبيرة في هذا المجال. ومن أجل فهم استجابات الإسلاميين لهذه التطورات، فلا بد من تحليل الخطاب الإسلامي السائد في العقود التي سبقت تصدعات عام 2011.

اقرأ أيضًا: ظاهرة التوالد والانشطار لدى الجماعات والتنظيمات المتطرفة

كانت مصر موطن جماعة الإخوان المسلمين، وهي أول منظمة إسلامية حديثة وكانت الأقوى في عام 2010 من حيث الدعم الشعبي، والتأثير على التيارات الإسلامية الأخرى في الخارج. وفي المغرب، نما حزب العدالة والتنمية ليصبح أكبر حزب معارض في البرلمان بحلول عام 2010. وكذلك كانت المملكة المغربية موطناً لجماعة العدل والإحسان التي منعت من العمل السياسي، لأنها رفضت الاعتراف بشرعية النظام الملكي المغربي. وفي معارضتها للتأثيرات الثقافية الغربية دافعت هذه الحركات عن التقاليد الأبوية، وربطتها بالتفسيرات السائدة للشريعة الإسلامية.

والهدف الرئيسي من هذه الدراسة هو توثيق أن التوجه نحو الدعوة لدورٍ نشط للمرأة في الحياة السياسية كان واضحاً في الحركات السائدة قبل الربيع العربي، وتبيان أن حركة الناشطات يمكن أن تجد الدعم في الأيديولوجية الإسلامية. وتستند الدراسة إلى قراءة دقيقة لبيانات وتصريحات ممنهجة للإخوان المسلمين، وحزب العدالة والتنمية، خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى تصريحات قيادات هذين التنظيمين، وما نُشر على الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين ikwanonline.com، بالإضافة إلى العديد من المقابلات مع قيادات إسلامية في البلدين.

خسر “إخوان المغرب” الانتخابات البرلمانية الأخيرة بشكل فاجأ الكثيرين – (صورة: أ.ف.ب)

1- المساواة السياسية- تقريباً

بحلول الربيع العربي كان جميع الإسلاميين تقريباً يؤيدون حقوق المرأة بالتصويت والترشح، ولكن مع بعض القيود، فالمشروع السياسي للإخوان المسلمين نصَّ صراحة على أنه لا يمكن للمرأة أن تكون رئيسة للبلاد، وكان حزب العدالة والتنمية منسجماً مع توجهات الإخوان المسلمين، على الرغم من أن مسألة تولي المرأة لرئاسة البلاد لم تكن مطروحة في ظلِّ النظام الملكي في المغرب. أما في المناطق الأكثر تحفظاً مثل دول الخليج، فقد تقبل الإسلاميون بحلول عام 2010 فكرة منح المرأة لحقوق التصويت، مع تشككهم في دور المرأة في المناصب القيادية.

2- العائلة: حصن مسلم بقيادة ذكورية

على الرغم من موافقتهم على الحقوق السياسية للمرأة، تمسك الإسلاميون في مصر والمغرب بنظرتهم إلى الأسرة كمؤسسة مقدسة، وجوهر المجتمع الإسلامي. والرجل هو رب هذه الأسرة، وله الكلمة النهائية في كل شؤونها. ودور المرأة الأساسي هو كزوجة وأم تهتم بعائلتها، وبعد ذلك يمكنها التفكير في دور لها في المجتمع.

3- التحرك نحو المساواة

يبدو التناقض واضحاً في وثائق الحركات الإسلامية بين موقع قريب من المساواة للمرأة في الحياة السياسية، وتبعيتها للرجل في شؤون الأسرة، وكان لهذا التناقض أثر واضح على قدرة المرأة على المشاركة في الحياة العامة. فهي يمكنها المشاركة فقط بعد قيامها بواجباتها المنزلية، كما يمكن للرجل حرمانها من المشاركة في أي نشاط خارج المنزل. ومهما بلغت درجة نجاح المرأة في عملها خارج المنزل أو المناصب التي وصلت إليها يجب عليها أن تدخل منزلها وهي تعلم أنها يجب أن تخضع لوجهة نظر مدير هذا المنزل ومعيله الذي جعله الله قواماً عليها.

اقرأ أيضًا: “العائدون من جحيم الإخوان”…حكايات من رحم التنظيم

4- التنظيمات النسائية

كان من سمات الحركات الإسلامية في الجزائر ظهور حركة نسائية مستقلة إلى حدٍّ كبير، مثل منتدى الزهراء على سبيل المثال. وقد عملت هذه الحركات على تحسين ظروف المرأة في المغرب فيما يتعلق بالدولة وبالمجتمع بشكل عام. ومن أبرز الناشطات في هذا المجال باسمة الحقاوي النائبة عن حزب العدالة والتنمية التي شغلت وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، ودافعت عن نظام الحصص النسائية في البرلمان.

وفي غضون ذلك، كان لجماعة الإخوان في مصر قسم نسائي منفصل، قسم الأخوات، ولكن الأخوات لم يتمتعن بحقوق التصويت لانتخابات الهيئات القيادية للإخوان. ويعزو البعض تراجع دور المرأة في جماعة الإخوان المسلمين المصرية إلى الخشية عليها من التعرض للاعتقال أو الاعتداء من قبل أجهزة الأمن. وهذا ما ينسجم مع المفهوم السائد عن واجب الرجل في حماية المرأة. وربما يكون ذلك تفسيراً لقلة أعداد المرشحات الإخوانيات في الانتخابات في مصر.

شعار منتدى الزهراء في المغرب

5- دخول الربيع العربي

لا شك أن انتفاضات الربيع العربي لم تكن حركة من أجل تحرير المرأة بشكل عام، ولكنها شكلت نقطة تحول دفعت بحقوق المرأة إلى الواجهة. وقد شاركت النساء الإسلاميات في الحراك الشعبي، حتى إن إحداهن -توكل كرمان من حزب الإصلاح في اليمن- حصلت على جائزة نوبل للسلام. وفي المغرب، دخل العديد من الإسلاميات إلى البرلمان، وشغل العديد منهن مناصب وزارية. ولكن في مصر التي تميل إلى المحافظة أكثر بكثير، بقيت مشاركات المرأة البرلمانية محدودة جداً. ولكن قيادات الإخوان رفعت صوتها أكثر بشأن حقوق المرأة بعد عام 2011.

وقد أدت التطورات منذ عام 2011 إلى تفاقم التوترات حول قضايا المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط بشكلٍ عام، وبين الإسلاميين بشكل خاص. وإن فهم الدوافع والتناقضات التي تحكم هذه الساحة، سيتيح لنا وضع توقعات أكثر دقة لنتائجها المستقبلية.

اقرأ أيضاً: “الإخوان المسلمون في العالم العربي.. مظاهر الأفول ومحاولات البقاء”

6- ردود أفعال رجعية أم توتر حقيقي؟

لطالما حرص الإسلاميون على أن يظهروا بمظهر الحداثة والعقلانية، وعلى أن يُنظر إليهم على أنهم ديمقراطيون، يعارضون الأنظمة الاستبدادية، ولكن كانت تتنازعهم في الوقتِ نفسه الهويةُ والتقاليدُ الأبوية والذكورية. وحاولت برامج الإخوان المسلمين في مصر، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، أن تظهر هذه التنظيمات على أنها تنظيماتٌ مستنيرة حديثة، وفي الوقت نفسه مدافعة عن الأصالة والتراث الإسلامي، في وجه هجومٍ غربي مفترض.

ولكن الدعوات إلى حقوق المرأة -غالباً- ما كانت تتعارض مع أيديولوجية الأسرة الإسلامية، وكانت معضلة الإسلاميين هي أنهم يعتبرون أن الأسرة تتعرض لهجومٍ غربي، وبما أنهم يعتبرون أن دور المرأة في الأسرة محدد بدقة في الكتب الدينية، ولذلك فإن أي محاولة لتغيير العلاقة بين الجنسين، في الأسرة، تُعتبر محاولة لتقويض الأسرة المسلمة. وهنا أيضاً ظهرت اختلافات إقليمية واضحة، ففي المغرب قبل الإسلاميون المغاربة تغييراتٍ واسعة في نطاق قانون الأسرة، بينما كانت النساء في مصر أكثر خضوعاً للرجال، وفي الشرق جاء الإسلاميون الخليجيون متأخرين في مجال قبول حقوق المرأة في التصويت.

نالت المرأة السعودية مكتسبات عدة مؤخراً

7- الاستنتاجات

للتوصل إلى فهمٍ صحيح لرؤية الإسلاميين فيما يتعلق بدور المرأة لا بدَّ من تفسير التوتر القائم في الخطاب الإسلامي بين تعزيز مشاركة المرأة، والدفاع عن النظام الأسري الأبوي.

هل كانت الحركات لإسلامية في جوهرها معادية للمرأة، ولكنها تحت الضغط الشديد للتغيير الاجتماعي والإيديولوجيات المنافسة توجهت إلى إفساح المجال للمرأة لتحقيق بعض التقدم في بعض المجالات، أم أن هنالك بعض العناصر في الحزمة الأيديولوجية للإسلاميين دفعتهم إلى إفساح هذا المجال؟

أنا أعتقد بوجود توتراتٍ داخلية حقيقية تجاه هذه القضية في الأيديولوجية الإسلامية، وقد يقود شعار الأصالة بسهولة في اتجاه محافظ؛ لأن العلاقة الأبوية بين الجنسين كانت لفترة طويلة محوراً للنقد الغربي الموجه إلى المجتمعات الإسلامية، وبذلك أصبح الدفاع عن هذه العلاقة الأبوية الموروثة جزءاً من الدفاع عن والهوية والثقافة.

اقرأ أيضًا: مختار نوح لـ”كيوبوست”: خلافات الإخوان موجودة منذ التأسيس وتوحيد التمويل منع ظهورها

ومع ذلك فقد كانت الحركات الإسلامية مهتمة بالتقدم، وكان مشروعها لتجديد المجتمع الإسلامي سطحياً وتكتيكياً، وقد هيأت رغبة هذه الحركات في تجنب الظهور بمظهر الرجعية جزءاً من دوافع الإسلاميين للتعبير عن رغبتهم في تمكين المرأة مع التمسك بالنموذج التقليدي للأسرة.

ومع تحسن مستوى التعليم، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، أصبح من الصعب دعم فكرة أن المرأة مخلوقة يجب أن ترتبط بالله، وبقضية الله، عن طريق زوجها.

ومن الآن فصاعداً ستكون قضية المرأة أحد التحديات الرئيسية التي تواجه الحركة الإسلامية، والنتيجة غير مؤكدة، ولكن التوترات الداخلية في أيديولوجيتها حول هذه القضية سوف تكون مثمرة.

♦قسم الدراسات الثقافية واللغات الشرقية، جامعة أوسلو.

المصدر: MDPI

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة