الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الحرس الثوري مستعد للسيطرة على إيران

هل تمتلك الميليشيا ما تحتاج إليه كي تحكم؟

كيوبوست- ترجمات

على رضا إشراقي، أمير حسين ماهدافي♦

“إن القوة تنتقل من الرؤوس إلى الأقدام”، تنتشر هذه المقولة مؤخراً في إيران، في إشارة إلى مَن يرتدون العمامات ومَن يرتدون الأحذية العسكرية. وأحدث مثال على ذلك هو البرلمان الإيراني الجديد؛ فرئيسه محمد باقر غاليباف، هو عميد سابق في الحرس الثوري الإيراني، وثُلثا أعضاء مجلس إدارة البرلمان هم أعضاء سابقون أو حاليون في الحرس الثوري أو المنظمات المرتبطة به. ويرى كثيرون أن الحرس الثوري قد سيطر على الحكومة الإيرانية، ولم يبقَ أمامه إلا أن يصل إلى رئاسة الجمهورية في عام 2021.

في إيران، يسيطر مكتب المرشد الأعلى، من خلال الأجهزة الأمنية، على المؤسسات المنتخبة التي تدير الشؤون اليومية للبلاد. وعلى مدى العقدين الماضيين، كافح الإصلاحيون في مؤسسات الدولة الإيرانية لتعزيز قوة المؤسسات المنتخبة في مواجهة الدولة الموازية، إلا أنهم أخذوا يحاولون التعايش مؤخراً مع فشلهم في تلك المهمة، ويستعدون لوصول قادة الدولة الموازية إلى المؤسسات المنتخبة. فالرئيس الإيراني حسن روحاني، يبدو أنه بدأ يميل إلى الاستسلام كما تدل إدارته الضعيفة والمترددة لأزمة وباء كورونا، بينما تزداد قوة قبضة الحرس الثوري على مؤسسات الدولة. إلا أن هذا ليس أمراً محتوماً؛ فالعقوبات الأمريكية وتدني القوة الشرائية وانحسار المكانة الدولية التي يستحقها الإيرانيون بدأت تؤدي إلى ظهور شكل جديد من أشكال القومية بينهم.

شـاهد: إنفوجرافيك.. الحرس الثوري الإيراني يغير قائده

خوف وحب

عندما وصل الإصلاحيون إلى السلطة في التسعينيات بدأت وسائل الإعلام الإصلاحية في مراقبة وانتقاد الحرس الثوري؛ ما دفع قياداته إلى إنشاء شبكة إعلامية خاصة به، للرد على الانتقادات وتضخيم دوره وتصويره على أنه العلاج للمشكلات التي تعصف بالأمة، إلا أنه في الواقع كان المسبب الرئيسي لهذه المشكلات؛ بسبب دوره الإقليمي. وبسبب العقوبات الأمريكية، لجأ الحرس الثوري إلى بناء اقتصاد سري خاص به بمساعدة نخبة من التجار الفاسدين والمهربين، وأفشل خطط الحكومة ومشروعاتها، وألقت وسائل إعلامه باللائمة على السياسيين والبيروقراطيين.

اقرأ أيضاً: لماذا رفعت إيران ميزانية الحرس الثوري للعام القادم؟

اعتاد الحرس الثوري في الماضي على تشويه صورة خصومه فقط؛ مثل أعضاء إدارة روحاني، ولكنه مؤخراً أصبح يعمل على شيطنة جميع الهيئات والفصائل السياسية في البلاد، بينما حاولت وسائل إعلامه تصويره على أنه راعي مصالح المواطنين وحارس الوطن الأمين والوحيد، والقوة التي هزمت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومنعت العملاء الأجانب من اختراق البلاد. بالإضافة إلى استعراض قدراته التكنولوجية التي تجلت في نجاحه بإطلاق قمر صناعي عسكري من المحاولة الأولى، في حين فشلت الحكومة أربع مرات في إطلاق قمر صغير لتصوير الأرض، وصولاً إلى إنجازاته في المجال الإنساني، وتوزيع المعونات على الإيرانيين. إلا أن هذه الدعاية الإنسانية لم تتمكن من إخفاء الطبيعة القمعية للحرس الثوري، ولا يزال الإيرانيون يتذكرون استعماله المفرط للقوة في قمع احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 ومظاهرات العام الماضي.

الرئيس الإيراني حسن روحاني- “رويترز”

على ما يبدو، فإن الحرس الثوري يرغب في زرع الخوف في قلوب الإيرانيين، وكسب محبتهم في الوقت نفسه، كما أنه كان مستعداً للتعايش مع النخب الاقتصادية والثقافية التي تعتاد على وجوده، وتبدي استعداداً للتعاون معه.

ربما هنالك بعض المبالغة في حجم الدور الاقتصادي للحرس الثوري الإيراني، إلا أن الغموض الذي يلف الاقتصاد الإيراني يجعل التأكد من الحقائق أمراً في غاية الصعوبة. فعلى الرغم من أن دراسة حديثة قد وثقت أنه حتى عام 2014 لم يكن الحرس الثوري يمتلك أية مساهمات في القطاعات الاقتصادية الـ22 الكبرى؛ فإنه من المعروف أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الملكية والسيطرة في النظام الاقتصادي الإيراني. فالحرس الثوري يستخدم قسماً كبيراً من البرجوازية العلمانية في إيران كمقاولين من الباطن يعملون لصالحه.

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري الإيراني مهندس تأجيج الصراع المذهبي في البحرين

قبل عقدٍ واحد من الزمن كانت النخب الثقافية الإيرانية تعتبر العمل في المشروعات التي يديرها أو يمتلكها الحرس الثوري من المحرمات، إلا أن الأمر لم يعد كذلك الآن؛ ومثال ذلك المخرج السينمائي الشهير مسعود كيمياي، الذي حظيت أعماله باحترام كبير قبل الثورة، والمخرج الكبير محمد حسين مهدويان، وهو من أشد مؤيدي روحاني، قاما مؤخراً بإخراج أفلام روائية ووثائقية مدعومة من الحرس الثوري ومؤيدة له.

هيبة مترنحة

ربما كان الحرس الثوري يتمتع بالكثير من المزايا التفضيلية في الصراع على السلطة في الجمهورية الإسلامية، إلا أنه ليس كتلة واحدة متماسكة. فالسلطة التنفيذية في إيران هي التي تتحكم في الاقتصاد في جميع مجالاته الحيوية من السياسات المالية والنقدية إلى قطاع النفط والغاز، وصولاً إلى نظام الضمان الاجتماعي، بينما يعاني الحرس الثوري الانقسامات والتوترات بين كبار ضباطه؛ حيث ترك صفوفه العديد من الضباط وتحولوا إلى دعاة للإصلاح السياسي منذ الحرب مع العراق، بينما كان آخرون قد غادروا منذ الشقاق الذي حصل في التسعينيات، كما غادر آخرون في بدايات القرن الحالي.

اقرأ أيضاً: منظمة “أوج” الإيرانية: الثقافة والفن في خدمة دعاية الحرس الثوري

واليوم يوثق الدارسون وجود فجوات بين الأجيال داخل الحرس الثوري، كما أن جيل الشباب منقسم على نفسه أيضاً. ويتجلى ذلك بوضوح في الإنتاج الغزير للمؤسسات الإعلامية التابعة للحرس الثوري. فمؤسسة “أوج للفنون والإعلام”، على سبيل المثال، عدلت عن الصورة النمطية المشوهة لخصوم النظام التي تظهر في مؤسسات إعلامية أخرى تابعة للحرس الثوري، بينما أنتجت وسيلة إعلامية أخرى تابعة له برنامجاً تليفزيونياً يبرر اعتقال مراسل جريدة “واشنطن بوست” جايسن رضائيان. وفي بعض المناسبات كان هذا التوتر بين المؤسسات الإعلامية يظهر للملأ كما في شهر فبراير الماضي، عندما انتقدت بعض هذه المؤسسات طريقة عمل مؤسسة “أوج”، واتهمتها بتبديد أموال الدولة ومواردها؛ لإلحاق الضرر بها.

جايسن رضائيان مراسل جريدة “واشنطن بوست”- “نيويورك تايمز”

وعندما يتعلق الأمر بإقناع الجمهور؛ فلا اليد السخية ولا القبضة الأمنية الشديدة تمكنتا من شراء الاحترام الذي يرغب فيه الحرس الثوري، والتضامن المؤقت الذي حظي به بعد اغتيال الولايات المتحدة للجنرال قاسم سليماني، تلاشى سريعاً بعد حادثة إسقاط الطائرة الأوكرانية. واستمر الحرس الثوري في تهديد المعارضين وقمعهم. ولكن هذا التخويف لم يعد كافياً لمنع الناس من التعبير عن آرائهم، فعندما ادعى قائد الحرس الثوري في شهر أبريل الماضي أن تنظيمه قد اخترع جهازاً يمكنه كشف فيروس كورونا من مسافة 100 متر، اجتاحت موجة من السخرية مختلف منصات وسائل الإعلام، ووصفت الجمعية الفيزيائية الإيرانية هذا الادعاء بأنه قصة من قصة الخيال العلمي.

الأيديولوجيا ليست حوكمة

في الوقتِ الراهن، يكمن مصدر القوة السياسية الرئيسي للحرس الثوري في ضعف خصومه. فها هو ذا الرئيس روحاني، الذي انتخب عامَي 2013 و2014 بناء على وعود انتخابية باستعادة الأمل للإيرانيين، ينهي فترة رئاسته وسط يأسٍ كامل يشل البلاد. وعندما سحق الحرس الثوري احتجاجات عامَي 2018 و2019 كانت كل القوى السياسية إما مشتركة معه في أعمال القمع، وإما أنها تقف موقف المتفرج السلبي. وبذلك فقدت هذه القوى المصداقية الضرورية لتعبئة جمهورها ضد الحرس الثوري في صناديق الاقتراع أو في الشارع.

اقرأ أيضاً: مفارقات النظام الإيراني: روحاني يستعطف الشعب والأرقام تكشف الحقائق

وبغض النظر عن رغبة الحرس الثوري في إدارة الحكومة من عدمها، أظهرت التجارب أن مَن يتولى السلطة التنفيذية، بغض النظر عن انتمائه السياسي، يبقى دائماً شوكة في خاصرة التنظيم، فحتى الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي جاء بدعم كامل منه، سرعان ما تحول إلى خصم له. فقد أثبت تاريخ الجمهورية الإسلامية أن مَن يتولى السلطة التنفيذية والإدارية يميل دائماً إلى التطبيع على حساب الحماس الثوري الذي يمثل بضاعة الحرس الثوري الأكثر رواجاً.

متظاهرون يغلقون شوارع طهران الرئيسية- وكالات

إن تمسك الحرس الثوري بكونه منظمة شبه حكومية يمكنه من الاستفادة من كلا الوجهين؛ فهو ينأى بنفسه عن المسؤوليات اليومية والمعيشية للحكم، ويتدخل فقط عندما يرغب في ذلك. فعلى سبيل المثال، بعد مقتل سليماني طالب بعض مقاتلي الحرس الثوري بالانتقام القاسي، ولكن الانتقام الموعود لم يأتِ قط، ومع ذلك فلم يتحمل قادة الحرس الثوري عبء غضب شارعهم؛ لأنهم تمكنوا من تحويل هذا الغضب نحو السياسيين الجبناء.

اقرأ أيضاً: نظرة فاحصة على رد الفعل الإيراني على مقتل سليماني

وفي مناسباتٍ عديدة، استغل قادة الحرس الثوري مناسبات وجودهم خارج الحكومة؛ لكسب تعاطف الشارع الإيراني، فتعاطفوا مع العمال المُضربين احتجاجاً على عدم دفع أجورهم، وشاركوا في عمليات الإنقاذ والإغاثة في الفيضانات والزلازل، ودعموا المتقاعدين الذين يلومون الحكومة على فقدانهم مدخراتهم (مع أن المؤسسات المالية المرتبطة بالحرس الثوري هي التي سرقت مدخراتهم).

يقع على عاتق الحكومة القيام بواجبات تجاه الشعب. أما الحرس الثوري، فيقدم خدماته على أنها معروفٌ ومنَّة، واستلامه السلطة التنفيذية يعني أن يتحمل المسؤولية كلها دائماً بدلاً من الكرم الذي يُظهره حين يرغب.

من المتوقع جداً أن تنذر الانتخابات الرئاسية المقبلة بعودة المتشددين إلى السلطة؛ فقد خسر الإصلاحيون معظم رصيدهم الاجتماعي ومكانتهم. ولكن انتخابات عام 2021 لن تشكل نهاية الصراع السياسي في إيران؛ بل على العكس سوف تضيف فصلاً جديداً إلى كتاب نهايته مفتوحة على كل الاحتمالات. فالصراع بين النخب السياسية الإيرانية قائم منذ نشأة الجمهورية الإسلامية، وسوف يستمر في إنتاج التغيير الذي قد لا يعجب المعارضة والنخبة الحاكمة معاً. وربما يتوق الحرس الثوري إلى السلطة؛ ولكنه لن يكون سعيداً بالنتيجة.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة