الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الحرب والفساد مسؤولان عن تدهور الخدمات الصحية في اليمن

كيوبوست

أكدت وسائل إعلام ومنظمات حقوقية يمنية وفاة وإصابة عشرات الأطفال في صنعاء؛ نتيجة حقنهم بأدوية منتهية الصلاحية. وحسب المصادر، فقد توفي ما لا يقل عن 12 طفلاً من أصل 19 طفلاً يتلقون العلاج في مستشفى الكويت الجامعي بصنعاء، الواقع تحت سيطرة المتمردين الحوثيين، بينما يخضع البقية للعناية المشددة.

أثار الحادث ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي، ومطالبات بتحقيق دولي من قِبل جهات دولية محايدة.

وفي حين أن الحادث مؤسف بلا شك، إلا أنه مجرد قصة أخرى كُتب لها الظهور على السطح من بين عدد لا يُحصى من القصص التي بقيت طي الكتمان، أو دُفنت تفاصليها مع ضحايا التدهور المخيف في الخدمات الطبية والصحة العامة في اليمن.

منذ سنوات، يعاني اليمنيون شللاً شبه تام في خدمات الرعاية الصحية والصحة العامة. تقدم المستشفيات العامة خدمات هزيلة للمواطنين، وبالكاد الحصول على خدمات بحدها الأدنى في المستشفيات الخاصة عالية التكلفة. أما على مستوى الصحة العامة -أي ما تقوم به السلطات والمجتمع، بشكل جماعي- فهي في ذيل الأولويات.

اقرأ أيضاً: اليمن: اختطاف العرولي.. حياة الناشطين في خطر بسبب الحوثيين

إن الصحة العامة والخدمات الصحية مترابطان؛ تهدف الصحة العامة إلى تهيئة الظروف البيئية الملائمة لصحة جيدة، بينما توفر الخدمات الصحية للأفراد -في المستشفيات والعيادات- الرعاية التي يحتاجون إليها للتعافي وللبقاء بصحة جيدة؛ فلكل منهما دوره في ضمان أن نتمكن جميعاً من عيش حياة صحية.

يمكن أن يكون للحرب تأثير مدمر على الرعاية الصحية والصحة العامة معاً؛ يمكن أن تؤدي الحرب إلى تدمير البنية التحتية، ونزوح الناس، وزيادة انتشار الأمراض.

غالباً ما تتعرض المستشفيات والعيادات في مناطق النزاع إلى الدمار أو الضرر، وغالباً ما يضطر الطاقم الطبي إلى الفرار أو التقاعس عن العمل. يمكن أن يؤدي هذا إلى نقص حاد في مقدمي الرعاية الصحية، وانخفاض في جودتها. كل هذه العوامل يمكن أن تُسهم في تدهور الخدمات الصحية وتدهور الصحة العامة.

الأسوأ من كل ذلك أن الحرب يمكن أن تكون ذريعة للتنصل من المسؤولية، أو بيئة خصبة لمجرمي الحرب والفاسدين الذين يستغلون ضعف الدولة، ويعملون من أجل مصالحهم الخاصة.

جبهات القتال تعد أحد أسباب ضعف الخدمات الصحية في اليمن- AFP

فساد وتهرب من المسؤولية

وفقاً لرواية المسؤولين الحوثيين في صنعاء؛ فقد حُقن مرضى سرطان الدم من الأطفال في مستشفى الكويت بدواء مهرب تم شراؤه من إحدى الصيدليات القريبة من المستشفى. وكشفت تحليلات العينات لاحقاً أن الدواء ملوث ببكتيريا قاتلة. حمَّلَ المسؤولون الحوثيون دولَ التحالف العربي مسؤولية هذه الكارثة؛ بسبب الحصار المفروض عليهم -حسب زعمهم- وعدم السماح بدخول العديد من أنواع الأدوية.

يرفض العديد من المراقبين والمرتبطين بالقطاع الصحي تحميل دول التحالف مسؤولية الإهمال الطبي؛ ففي النهاية تصل كل الأدوية تقريباً إلى مناطق سيطرة الحوثيين من خلال المناطق المحررة مثل عدن والمكلا. لكن ما يحدث في الواقع لتلك الشحنات هو الإهمال، وسوء النقل والتخزين، وضعف الرقابة عليها، والتلاعب بتواريخ الصلاحية، واستيراد أدوية مقلدة غير أصلية.

اقرأ أيضاً: التعليم في اليمن يهدد بمزيد من العنف والفقر

من جانب آخر، تتعرض الكثير من الأدوية المقدمة من المنظمات الإنسانية إلى النهب أو السرقة، ويتم بيعها في السوق السوداء. عادةً ما تُباع تلك الأدوية منتهية الصلاحية نظراً لدخولها البلاد أساساً في آخر صلاحيتها، ثم مرورها بفترة طويلة في دورة النهب قبل الوصول إلى المستهلك النهائي. نادراً ما يتم الكشف عن ضحايا تلك الأدوية غير الملائمة للاستخدام؛ إما بسبب التعتيم الطبي وإما لعدم إجراء تحقيقات طبية.

الصحة في بلدان الصراع

هناك عدد من الطرق التي تتسبب خلالها الحرب في تدهور الصحة العامة للسكان. مثلاً، يمكن أن يؤدي الصراع إلى نزوح جماعي للأشخاص، فضلاً عن تدمير البنية التحتية والخدمات الأساسية. يمكن أن يؤدي هذا إلى خلق ظروف من انعدام الأمن والفقر، وهي عوامل خطر رئيسة لسوء الصحة.

يمكن أن تؤدي الحرب أيضاً إلى انتشار الأمراض؛ حيث غالباً ما يؤدي الصراع إلى تعطيل برامج التطعيم وتدابير الصحة العامة الأخرى. يمكن أن تتحد كل هذه العوامل لتخلق وضعاً مزرياً لصحة السكان. من المرجح أن تستمر العواقب الصحية طويلة المدى للحرب سنواتٍ أو حتى عقوداً، وتشمل مشكلات الصحة الجسدية والعقلية؛ كالإعاقة الناتجة عن انفجار لغم مثلاً، أو الصدمة الناتجة عن فقدان الأحباء.

تؤدي ظروف الحرب كذلك إلى نقص في الإمدادات الطبية والموظفين، ويمكن أن يتم تجنيد العاملين الطبيين مع المقاتلين؛ سواء من الجيش أو قوات التمرد، وتحويل الموارد من الرعاية الصحية المدنية إلى احتياجات المقاتلين.

وزير الصحة في حكومة الحوثيين أثناء زيارة إلى مستشفى الكويت- “سبأ”

الحرب ليست المسؤول الوحيد

كان حادث وفاة الأطفال في صنعاء خلال شهر سبتمبر، أي خلال فترة الهدنة في اليمن، وهي إحدى أكثر الفترات هدوءاً في البلاد. يمكن وصف الوضع العام، آنذاك، بأنه طبيعي إلى حد بعيد، وأبعد ما يكون عن ظروف الحرب وتداعياتها.

يقودنا توسيع نطاق الأسباب المحتملة لتردي الخدمات الصحية، والصحة العامة في اليمن، إلى فحص جودة الإدارة العامة في البلاد. يمكن أن يكون للفساد وسوء الإدارة العامة تأثير كبير على تدهور خدمات الرعاية الصحية.

عندما لا يتم استخدام الموارد بكفاءة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى انخفاض جودة رعاية المرضى. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للممارسات الفاسدة أن تمنع المرضى من الحصول على الرعاية التي يحتاجون إليها، وكذلك تؤدي إلى فقدان الثقة بشكل عام في نظام الرعاية الصحية.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

في العديد من البلدان، بما في ذلك اليمن، يتم تمويل خدمات الرعاية الصحية وتقديمها من قِبل الحكومة. يسمح ذلك للمسؤولين الفاسدين باختلاس الأموال التي ينبغي استخدامها لتمويل خدمات الرعاية الصحية. يؤدي هذا إلى تحويل الموارد بعيداً عن الأماكن التي تشتد الحاجة إليها؛ مثل دعم المجهود الحربي بالنسبة إلى الحوثيين، مما يؤدي إلى انخفاض جودة الرعاية.

قد يمنح المسؤولون الفاسدون عقوداً للشركات التي تقدم منتجات أو خدمات رديئة؛ مما يزيد من تعريض رعاية المرضى للخطر. في بعض الحالات، قد يصف مقدمو الخدمة فحوصات أو علاجات غير ضرورية؛ من أجل انتزاع رشاوى من المرضى أو -ببساطة- الحصول على المزيد من الأموال.

بالإضافة إلى كل ذلك، إذا كان هناك نقص في الاتصال أو التنسيق بين مختلف الوكالات الحكومية المسؤولة عن الرعاية الصحية، فقد يؤدي ذلك أيضاً إلى مشكلات في تقديم الرعاية. تُعد هذه ممارسات شائعة في الدول المعروفة برداءة الإدارة العامة، واليمن ليس استثناءً.

يتطلب الحفاظ على مستوى معقول من الصحة لسكان اليمن أكثر من مجرد إنهاء الحرب؛ إنه يتطلب تحديثاً كاملاً في نظام الإدارة العامة للبلاد لجعله أكثر نزاهةً وكفاءة، سواء أكان ذلك في مناطق سيطرة الحوثيين أم الحكومة الشرعية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة