الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

الحرب في أوكرانيا قد تساعد دول آسيا الوسطى على التخلص من القبضة الروسية

كيوبوست

د.دينيس ساموت♦

تقبلت دول آسيا الوسطى الخمس، كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، استقلالها على مضض في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991.

وعلى مدى عقود من الزمن كان الاتحاد السوفييتي يعزل هذه الدول عن بقية العالم، ويتسامح مع فساد النخب فيها وأساليبها الملتوية (طالما غلفت هذه النخب نفسها بخطاب شيوعي مناسب)، ويركز بشكل أساسي على استغلال خيرات هذه المناطق الشاسعة ومواردها الطبيعية. وكانت هذه الجمهوريات الخمس أقل استعداداً للاستقلال من نظيراتها في بقية الاتحاد السوفييتي. وفي نهاية المطاف، عندما فرض عليها الاستقلال، سرعان ما أعاد قادتها الشيوعيون خلق أنفسهم في صورة القوميين الجدد، وبقي معظمهم متمسكاً بالسلطة حتى وقت قريب.

حافظت جمهوريات آسيا الوسطى، على مدى ثلاثين عاماً، على ولائها لموسكو، بينما كانت تحاول التعود على وضعها الجديد كدول مستقلة والاستفادة من هذا الوضع؛ ولكن الاستقلال أتاح لهذه الدول نوعاً من الانفتاح على بقية العالم.

اقرأ أيضًا: غبار الغزو الروسي لأوكرانيا سيكشف عن أوروبا مختلفة

أولاً جاءت الصين، المجاورة لآسيا الوسطى والصديق القديم لروسيا. لم يرغب الصينيون في إثارة قلق الروس؛ لذلك ركزوا بشكل رئيسي على التجارة والبناء والاستثمارات. وسرعان ما أصبحوا حاضرين في كل مكان. ولم يكن للروس ما يتذمرون منه؛ فالوضع قد تطور بالطريقة نفسها في مناطق روسيا السيبيرية، وكانت الصين تعتبر حليفاً استراتيجياً في علاقات روسيا التنافسية -التي سرعان ما أصبحت عدائية- مع الغرب.

بعد ذلك جاء الأتراك الذين يدَّعون وجود أصول وجذور لغوية وثقافية مشتركة مع معظم هذه الجمهوريات. استفاد الأتراك من بعض الفرص التجارية؛ ولكنهم فشلوا في تحقيق أي اختراقات استراتيجية في المجال الاقتصادي، فضلاً عن المجالات السياسية التي كانوا يأملون في تحقيق اختراق فيها منذ البداية.

وجاء آخرون أيضاً؛ بمن فيهم الإيرانيون وعرب الخليج، والهنود واليابانيون؛ ولكن الجميع، بمَن فيهم الصينيون، تقبلوا بطريقة ما أن هذه المنطقة هي منطقة نفوذ موسكو وتأقلموا مع هذا الأمر.

الحرب بين روسيا وأوكرانيا- وكالات

لم تكن دول الغرب -تحديداً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي- تشعر بالارتياح للتصرف بهذه الطريقة، ولذلك تم تهميشها إلى حد كبير.

يتساءل كثيرون عن سبب استمرار الهيمنة الروسية. في الحقيقة، عندما وصل الروس إلى آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر، كانت أيام الخان العظيمة قد ولت، وكان طريق الحرير قد انتهى منذ زمن بعيد. وبدلاً عن ذلك كان كل ما تبقى هو الإقطاع والتخلف. فجلب الروس معهم التقدم، وبعدهم وفر السوفييت التعليم والرعاية الصحية. وبالنسبة إلى مَن كانوا يعيشون تحت استبداد أمير بخاري، كان الحكم الروسي/ السوفييتي يبدو مستنيراً للغاية. وهكذا طورت آسيا الوسطى السوفييتية في القرن العشرين هويتها الخاصة، وشعر كثيرون بالأسى لرؤيتها تختفي.

وبعد الاستقلال في عام 1991، وازن القادة “الجدد” -ومعظمهم من الشيوعيين الذين أعادوا صنع أنفسهم- بين التغيير في الحد الأدنى استجابة لمطالب الشعب بالتغيير، وبين الحاجة إلى تعزيز الهوية الوطنية.

اقرأ أيضًا: المجد لأوكرانيا: تحليل الرواية التي تستخدمها كييف لجذب المقاتلين الأجانب

يغلب المسلمون على آسيا الوسطى، ولم يتدخل الشيوعيون بشكل عام بذلك. على الرغم من أن اللوم كان يُلقى على الإسلام في تخلف المنطقة؛ فإن الغزو السوفييتي لأفغانستان المجاورة في عام 1980 فتح أبواب المتاعب على المنطقة. ومع حصول دولها على استقلالها كانت الإسلاموية المتطرفة قد ظهرت كمصدر للمشاعر المناهضة للحكومات، وأحياناً كما في حالة أوزبكستان عام 2005، كانت رأس الحربة لثورات مفتوحة، عادة ما كان يتم سحقها بقسوة ولكن ليس بشكل كامل. وبعد هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، سمحت حكومات آسيا الوسطى، بإيحاء من موسكو، بإقامة نقاط انطلاق لقواتها للوصول إلى أفغانستان لسحق “طالبان”. وتم إغلاق هذه النقاط فور انتهاء الجزء الرئيسي من العملية أيضاً بتوصية من موسكو.

هجمات 11 سبتمبر الإرهابية – أرشيف

جلب الاستقلال ثروات جديدة، ومستويات جديدة من الفساد؛ حيث جنت النخبة القليلة في كازاخستان، على سبيل المثال، الفوائد بينما لم يحصل بقية المواطنين إلا على الفتات.

ولكن الأوضاع في آسيا الوسطى بدأت تتغير أخيراً؛ فالجيل الجديد يرفض قبول الحقائق القديمة، وبدأ القادة يجدون أنفسهم مجبرين على الاستجابة لمطالب شعوبهم. وتقود هذه التغيرات دولتَين كبيرتَين من دول وسط آسيا؛ هما كازاخستان وأوزبكستان اللتان تنبع أهميتهما من جذور مختلفة. فكازاخستان دولة كبيرة تمتلك الكثير من احتياطيات الطاقة، وقد وضعت نفسها في موضع حليف موسكو الأقرب في المنطقة. بينما أوزبكستان تتمتع بعدد سكان كبير وبتاريخ غني وإنتاج كبير من القطن؛ ولكن لديها نقطة ضعف، لكونها بلداً غير ساحلي يجاور واحداً من أكثر الأنظمة الاستبدادية في العالم.

توفي الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف، في عام 2016، وحل محله شوكت ميرزيوييف.

شوكت ميرزيوييف رئيس أوزبكستان

وفي كازاخستان، استقال نور سلطان نزارباييف، في مارس 2019، مع احتفاظه بمعظم مفاتيح السلطة. وفي يناير من هذا العام، وقعت اضطرابات هزت البلاد، يحتمل أن تكون بتحريض من عناصر في أجهزة الأمن، كجزء من خطة لإحداث انقلاب. اتُّهم نزارباييف بالتورط أو على الأقل بالفشل في الاستجابة المناسبة وفي الوقت المناسب، وهذا ما مكَّن خليفته قاسم جومارت توكاييف، من تجرده من الصلاحيات المتبقية له.

أصبح كلا البلدَين يتمتع حالياً برئيس جديد وشاب نوعاً ما، مع أنه ينتمي إلى النخب القديمة، وهما يحاولان إعادة هيكلة بلديهما داخلياً وإعادة تركيزهما خارجياً. وهذا ليس بالأمر السهل.

قاسم جومارت توكاييف رئيس كازاخستان

الخلاص من قبضة موسكو

التحدي الأكبر الذي يواجه جمهوريات آسيا الوسطى هو الخلاص من قبضة موسكو؛ فعلاقتها مع الكرملين غير متكافئة. وكازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان أعضاء في تحالف عسكري تقوده روسيا، “منظمة معاهدة الأمن الجماعي”، بينما كازاخستان وقرغيزستان عضوان في الكتلة الاقتصادية التي تقودها روسيا التي تعرف باسم الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وأوزبكستان ليست عضواً في أي منهما، ولا تركمانستان التي أعلنت نفسها رسمياً دولة محايدة.

وقد سمحت موسكو حتى الآن للصينيين بالقيام بالأعمال التجارية المختلفة في المنطقة، وتغاضت عن الحضور التركي الطفيف طالما كان تحت السيطرة التامة. وهذا الوضع كان مناسباً لاستراتيجية الرئيس بوتين العامة بالحفاظ على الهيمنة الروسية في الفضاء السوفييتي السابق. وكان يعني أيضاً أن روسيا لا تزال قادرة على ممارسة سيطرتها على الموارد الطبيعية في المنطقة، وذلك بشكل أساسي من خلال التحكم بخطوط أنابيب النقل وطرق التواصل الأخرى.

تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في أزمة عالمية، وفي آسيا الوسطى أصبح صوت أجراس الإنذار مدوياً. إن اعتماد دولها على روسيا لا يعرض استقلالها لأن يداس بأهواء روسيا فحسب، بل أصبح خطراً وجودياً على اقتصاداتها. ومع خضوع موسكو لنظام عقوبات صارم، بدأت دول آسيا الوسطى تشعر بالألم بالفعل. بالإضافة إلى أن روسيا ضعيفة ومشتتة لن تستطيع الحفاظ على قبضتها القوية على آسيا الوسطة كما كانت. وقد بدأنا نشهد تدافعاً للبحث عن أصدقاء وشركاء جدد؛ صحيح أنه تدافع حذر؛ ولكنه تدافع على كل حال، وهنالك كثيرون مستعدون لملء أي فراغ قد ينشأ.

اقرأ أيضاً: تداعيات الصراع الروسي-الأوكراني على الحركات المتطرفة والإرهابية

كانت الصين وتركيا تحومان حول المنطقة منذ عقود، وقد زادتا الآن من حضورهما. وقد حضر قادة دول آسيا الوسطى افتتاح أوليمبياد بكين على الرغم من أنه -باستثناء كازاخستان- كان هنالك لاعبان فقط يشاركان من الدول الأربع. وكذلك زار هذه الدول مسؤولون صينيون كبار؛ لطمأنة قادتها.

أما بالنسبة إلى تركيا، فقد زار الرئيس الكازاخستاني توكاييف، أنقرة، مؤخراً؛ حيث كرمه الرئيس أردوغان، ويتوقع وصول قادة دول المنطقة الآخرين قريباً.

ولكن هذا الوضع الجديد يخلق فرصاً للآخرين أيضاً؛ فدول مجلس التعاون الخليجي تتمتع تقليدياً بعلاقات جيدة مع المنطقة، وإذا كانت أبواب التعاون الاقتصادي مواربة حتى وقت قريب؛ فهي باتت مشرعة الآن. والمنطقة بحاجة ماسة إلى الاستثمارات. ودول مجلس التعاون قادرة على أن تكون نموذجاً لتنفيذ الإصلاحات دون إطلاق ثورة.

اقرأ أيضاً: ماذا لو ربح بوتين؟ كيف ستغير سيطرة روسيا على أوكرانيا وجه أوروبا؟  

كما يمكن أن تكون دول جنوب القوقاز من المستفيدين من الوضع الحالي؛ فهي تقدم من خلال بحر قزوين طريقاً إلى بقية العالم لا يمر عبر روسيا أو الصين. وبالفعل يمكن ملاحظة زيادة في السلع والموارد التي تمر عبر هذا الطريق. وأذربيجان ترى هذه الفرصة وتحاول استغلالها، بينما كانت كل من جورجيا وأرمينيا أبطأ في الاستجابة.

وهذا الواقع يترك دول الغرب؛ خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خارج المعادلة؛ فالولايات المتحدة اكتفت على مدى العقدَين الماضيَين بعلاقات رمزية، منها الحوار الاستراتيجي السنوي على مستوى وزراء الخارجية (5 + 1)، وهي الآن ترى فرصة لزيادة دورها في المنطقة.

وبالمثل كان للاتحاد الأوروبي منذ التسعينيات طموح بالانخراط مع آسيا الوسطى؛ ولكنه فشل في إيجاد المعادلة الصحيحة لتحقيق طموحه. واليوم يجد الاتحاد نفسه يقرع أبواباً مفتوحة. واليوم تحدد استراتيجية الاتحاد الأوروبي الجديدة الخاصة بآسيا الوسطى طريق المضي قدماً؛ ولكن يجب ترجمة الكلمات إلى أفعال.

الحرب بين روسيا وأوكرانيا- (صورة وكالات)

أفغانستان.. فيل طليق في غرفة

ولكن محاولات آسيا الوسطى للإفلات من قبضة موسكو لا تزال هشة. وقد هدد حدث واحد في العام الماضي بالإطاحة بهذه المحاولات حتى قبل أن تبدأ؛ إذ شعرت دول المنطقة بالقشعريرة على إثر عودة “طالبان” إلى كابول في الصيف الماضي، فالخطر الجهادي المحلي تحت الرماد يهدد بالتحول بين عشية وضحاها إلى أزمة خطيرة. وقد شعرت كل من أوزبكستان وطاجيكستان بأنهما معرضتان لتهديد الجهادي الذي تدعمه الجماعة الإسلامية في أفغانستان؛ نظراً لقربهما الجغرافي والديموغرافي من أفغانستان. وقد نجحت الدولتان حتى الآن في إدارة هذا التهديد ولكنه لم يختفِ.

وبينما يتركز اهتمام العالم على أوكرانيا، تعمل “طالبان” على تعزيز قوتها، في حين يبدو أن الجماعات الأكثر تطرفاً؛ مثل تنظيم الدولة الإسلامية، تتمتع بموطئ قدم في البلاد. وربما ينتهي التهديد القادم من أفغانستان بإخراج أية أجندة للإصلاح عن مسارها في آسيا الوسطى، وربما يجدد اعتماد دول المنطقة على روسيا في شؤونها الدفاعية والأمنية. ولكن بعد أوكرانيا قد لا تكون روسيا في وضع يمكنها من تقديم مساعدة ذات مغزى؛ وهذا سبب آخر يدفع دول المنطقة للبحث عن أصدقاء وحلفاء في مكان آخر.

سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان تثير مخاوف من انتعاش الجماعات الجهادية- بلومبيرغ

مكان آسيا الوسطى في النظام العالمي الجديد

بدأ نظام عالمي جديد بالظهور في أعقاب أزمة أوكرانيا، حتى قبل أن ينقشع غبار الحرب. وآسيا الوسطى تعيد تموضعها في هذا الواقع الجديد؛ ولكن لا يزال من غير الواضح مدى النجاح الذي قد تحققه. ولكن لا يبدو أن العودة إلى الماضي هي ما تريده معظم شعوب آسيا الوسطى. والسيد بوتين سيُصاب بخيبة أمل.

♦مدير مؤسسة لينكس يوروب، ومقره لاهاي بهولندا، ورئيس تحرير موقع commonspace.eu

لقراءة الأصل الإنكليزي: Central Asia 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة