الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الحرب الطويلة على التضخم: رغم صعوباتها لكن لا مفر منها

كيوبوست- ترجمات

يحاول اثنان من كبار المحللين الاقتصاديين؛ وهما أنوشا تشاري أستاذة الاقتصاد والمالية بجامعة نورث كارولينا، وبيتر بلير هنري زميل أول في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، تقديم رؤيتهما في هذا التقرير حول الجهود المبذولة في الولايات المتحدة لمحاربة التضخم، أخذاً في الاعتبار أن مثل هذه الجهود لا تصب في المصلحة الأمريكية فقط، بل تجد انعكاساتها على العالم في ظلِّ العولمة الاقتصادية، والترابط في الأسواق العالمية.

يلقي الباحثان في بداية تحليلهما باللوم نوعاً ما على المستثمرين لأنهم لا يستمعون للتحليلات الاقتصادية حتى في خضم التقلب الشديد في السوق، ومثال ذلك تعاملهم مع قرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتبني نهجٍ أكثر تشدداً لمحاربة التضخم في عام 2022.

فرغم هذا القرار، استمرت الأسواق المالية في إنكار الواقع الاقتصادي، وبدلاً من التعامل بحذر مع تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم بأول، بأن ارتفاع أسعار الفائدة سيكون ضرورياً لبعض الوقت، وأن الزيادات الإضافية مرجحة، غلب على التعاملات المالية في “وول ستريت” أن تسير كما هي، دون تغير أو محاولة للتكيف مع الواقع الجديد.

جيروم باول رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خلال مؤتمر صحفي بعد رفع أسعار الفائدة

يشير كل من تشاري وهنري إلى أن -على ما يبدو- يغيب عن متداولي “وول ستريت” دافع بنك الاحتياطي الفيدرالي لتبني هذه الإجراءات، ووفقا لهما فإن الدافع ينبع من الأسواق نفسها، خاصة أسواق الأسهم في الاقتصادات الناشئة والنامية. كان على هذه الأسواق أن تتعامل مع الجهود السابقة لهزيمة التضخم، بجدية لكن هذا لم يحدث.

تجارب تاريخية قد تفيد

في مثل هذه الظروف، وفقاً للباحثين، يميل المحللون إلى المقارنات التاريخية، والاستعانة بتجارب الماضي، لذلك ينظر المحللون في أغلب الأحيان إلى الإجراءات التي اتخذها الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر للتعامل مع مستويات التضخم المرتفعة في السبعينيات، وأوائل الثمانينيات، لتحقيق الحد من التضخم.

المعضلة في أن الإجراءات الصارمة التي اتبعت وقتها لخفض التضخم من رقمين إلى رقم واحد، أدخلت البلاد مرتين في الركود بين عامي 1979 و1982، وارتفاع معدل البطالة إلى أكثر من 10% قبل أن ينجح أخيراً في خفض التضخم إلى المستويات المنخفضة المكونة من رقم واحد التي تمتعت بها الولايات المتحدة على مدار الأربعين عاماً التالية تقريباً.

اقرأ أيضًا: عصر التضخم.. كثير من النقود قليل من الخيارات!

جهود فولكر التي اعتبرت “مؤلمة” ضد التضخم المكون من رقمين وقتها، كان جهداً ضمن جهود أوسع تبنتها العديد من دول العالم خاصة النامي، لخفض التضخم وسن إصلاحاتٍ اقتصادية أخرى لمعالجة ما يسمى بأزمة ديون العالم الثالث.

هذه الأزمة، التي بدأت في عام 1982، شهدتها المكسيك وأكثر من 12 دولة أخرى حيث أعلنت وقتها عدم قدرتها على تحمل خدمة ديونها. ومن أجل خفض التضخم وإعادة اقتصاداتهم إلى المسار الصحيح اضطروا إلى رفع أسعار الفائدة، وتنفيذ بعض الإصلاحات التي اقترحها وزير الخزانة الأمريكي آنذاك جيمس بيكر، في اجتماعات صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي عام 1985. إن موجات التضخم الحالية في اقتصاديات العالم تشابه الفترات التاريخية السابقة: عجز مالي كبير مدفوع بالإنفاق، في ظل الحروب الخارجية وارتفاع أسعار النفط.

يؤدي التضخم إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين وقيمة نقودهم- “إن بي سي نيوز”

الألم الضروري

تؤدِّي سياسات مكافحة التضخم إلى “الآلام قصيرة الأمد” المتولدة من ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض الأرباح، والتي يجب على الاقتصادات تحملها لجني المكاسب طويلة الأجل التي تأتي من انخفاض التضخم. وقد جادل روبرت شيلر، الحائز على جائزة نوبل بأن “جزءاً كبيراً من التقلبات في الأسواق المالية يمكن تبريره بالأخبار المتعلقة بالأرباح أو الأرباح المستقبلية”.

ويتساءل التحليل: إذا كانت الفائدة المتوقعة للشركات من خفض التضخم حتى وإن كان معتدلاً، لا تفوق في الواقع تكلفة القيام بذلك فلماذا إذن نحاول؟

هناك إجابتان على هذا السؤال: أولاً: البديل أسوأ، فالبيانات من الاقتصادات الناشئة تُظهر أن التضخم المعتدل عادة لا يظل معتدلاً، ولكنه يميل إلى الارتفاع، ويصبح مزعجاً بشكلٍ متزايد للنشاط الاقتصادي الإنتاجي، ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأفراد العاديين.

ثانياً: أن سوق الأوراق المالية، رغم أهميتها، ليست هي كل الاقتصاد، ولا توجد طريقة غير مؤلمة لاستعادة استقرار الأسعار. وقد تستغرق الرحلة من التضخم المعتدل إلى المنخفض سنوات، كما تظهر تجربة تشيلي، لكنها في الأخير تحقق قدراً من النجاحات.

اقرأ أيضاً: عودة ذكريات “الكساد الكبير” في أزمة “كورونا”

ففي العالم النامي الأوسع، على الرغم من الانخفاضات في تقييمات سوق الأسهم بعد الإعلان عن برامج الحد من التضخم، شهدت البلدان التي تبنت إجراءاتٍ منضبطة تحسناً كبيراً في أدائها الاقتصادي على المدى الطويل.

في السنوات العشر التي أعقبت الانتقال الناجح لهذه البلدان من التضخم المعتدل إلى المنخفض، واستفادت من بيئتها الجديدة منخفضة التضخم لتنفيذ إصلاحاتٍ إضافية شهدت تحولاً اقتصادياً أسرع. على سبيل المثال، شهدت الدول التي فتحت اقتصاداتها على التجارة الحرة (وكثير منها في إفريقيا) تسارعاً في معدل النمو السنوي لعشر سنوات من 1.72% إلى 4.38% وهي زيادة كبيرة.

تتحرك أرقام التضخم في الولايات المتحدة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل أعلى من هدف 2% الذي يجب أن يحققه بنك الاحتياطي الفيدرالي لاستعادة استقرار الأسعار والحفاظ على مصداقيته. على الرغم من أن زيادة أسعار الفائدة قد تعني انخفاضاتٍ إضافية في السوق الأمريكية، فمن الأفضل لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أن يتذكروا دروس الماضي عندما يجتمعون في فبراير.

وبمجرد أن يصل الاحتياطي الفيدرالي إلى هدفه، يجب على المشرعين الأمريكيين بعد ذلك تنفيذ السياسات الاقتصادية المطلوبة لتعزيز الإنتاجية، وتحقيق أقصى استفادة من استقرار الأسعار المتجدد.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة