الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الحرب الباردة لم تنته أبداً!

كيوبوست- ترجمات

ستيفن كوتكين♦

ليس لأحد أن يتفاجأ من غزو روسيا لجارتها أوكرانيا. في عام 1939 عندما رفضت فنلندا مطالب الاتحاد السوفييتي بتبادل أراضٍ في مناطق حدودية، أقدم ستالين على غزو الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها أربعة ملايين نسمة، ولكن الجيش الفنلندي الصغير تمكن من الصمود في وجه أكبر قوة عسكرية في العالم لأشهر عديدة.

أشاد قادة أوروبا بشجاعة الفنلنديين، ولكنهم لم يقدموا له أي دعم. وفي نهاية المطاف، خسر الفنلنديون الحرب لكنهم احتفظوا بشرفهم، وشرع ستالين في عملية إعادة هيكلة للجيش الأحمر. واستنتج أدولف هتلر أن هذا الجيش لم يكن ذلك العملاق الذي لا يقهر.

اقرأ أيضاً: الحرب الباردة الجديدة

واليوم هنالك طاغية في الكرملين قرر أن يغزو دولة مجاورة صغيرة، وتوقع أن يجتاحها بسرعة، كما توقع رداً غربياً شبيهاً بالرد الذي تلقاه ستالين. ولكنه أخطأ في حساباته. فالاتحاد السوفييتي لم يعد موجوداً، وروسيا هي قوة من المرتبة الثانية، وإن كانت قد ورثت القوة النووية، وحق النقض في مجلس الأمن الدولي.

وما حدث في أوكرانيا كان شبيها بما حدث في كوريا الجنوبية عام 1950، على الرغم من أن الأوروبيين هذه المرة كانوا متقدمين على الأمريكيين. وبفضل الدعم الأوروبي، وبطولة الشعب والجيش الأوكراني، وعزيمة الرئيس الأوكراني وذكائه، حافظ الأوكرانيون على شرفهم، ولكن هذه المرة فعل الغرب الشيء نفسه أيضاً.

ها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه، وتظهر الإمبريالية الروسية والميل الثقافي الفطري نحو العدوان على أنه الدافع الرئيسي وراء غزو أوكرانيا، وسيكون من التبسيط أن يُنظر إلى العدوان الروسي على أنه مجرد ر فعل على الإمبريالية الغربية، وتوسع الناتو شرقاً.

الحرب الباردة الجديدة، هل تعود الأيام الماضية السيئة؟- الغارديان

ومرة أخرى وقع الحكام الروس الذين يعتبرون بلادهم قوة العناية الإلهية، في الفخ الجيوسياسي الذي نصبوه بأنفسهم. ووضعوا لأنفسهم تطلعات تفوق قدرات بلادهم، مما أدى إلى توسع الفجوة بين روسيا وبين الغرب.

وهذه الفجوة ستستمر في التوسع إلى أن تقرر روسيا التخلي عن السعي المستحيل لأن تصبح قوة عظمى مساوية للغرب.

لا شك أن تغيرات هيكلية جذرية في النظام العالمي قد حدثت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، فالصين التي كانت الشريك الأصغر في النظام العالمي المعادي للغرب أصبحت الآن هي القوة الأولى فيه، وأخذت روسيا مكانها. وتحول مركز منافسة القوى العظمى إلى منطقة المحيطين الهندي والهادي.

اقرأ أيضاً: الجليد يتكدس بين بايدن وبوتين.. هل تعود الحرب الباردة مجدداً؟

ولكن في الواقع، فإن نقطة التحول كانت قبل ذلك بكثير. كانت في عام 1979 عندما قام الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بتطبيع علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، وبدأ قبول الحزب الشيوعي الصيني للتحرر الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى توسيع اقتصاد الصين وقوتها العالمية بشكلٍ كبير.

وقد دفع الاعتقادُ الخاطئ بأن الحرب الباردة قد انتهت، بانهيار الاتحاد السوفييتي، واشنطن إلى خيارات مصيرية خاطئة في سياساتها الخارجية، وابتعد صانعو السياسة والمفكرون الأمريكيون عن رؤية بلادهم على أنها حجر الأساس للغرب، وأن هذا ليس مجرد موقع جغرافي ثابت، بل مجموعة من المؤسسات والقيم التي لا تشمل أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية فحسب، بل تمتد إلى أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها.

وبدلاً من تبني مفهوم الغرب، ذهب الكثير من النخب الأمريكية إلى تبني “النظام الدولي الليبرالي” بقيادة الولايات المتحدة حيث يمكن نظرياً دمج العالم بأسره -بما في ذلك المجتمعات التي لا تتبنى القيم والمؤسسات الغربية- في نظام العولمة الواحد.

حرب باردة جديدة تدور في آسيا- التايمز اليابانية

ولكن هذه الأحلام الحمقاء بنظام عالمي ليبرالي حجبت الإصرار العنيد للجغرافيا السياسية، ولم تختف في ظله الحضارات الثلاثة القديمة في أوراسيا -الصين وإيران وروسيا- وبحلول التسعينيات أصبح واضحاً رفض هذه الدول للمشاركة في عالم واحد وفقاً للقيم الغربية.

فالصين استغلت اندماجها في الاقتصاد العالمي دون الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية أو تحرير نظامها السياسي، وإيران تسعى لتدمير جيرانها باسم أمنها القومي، وروسيا انزعجت من استيعاب الغرب للجمهوريات السوفييتية السابقة، وأعاد الكرملين بناء موارده المالية للرد.

ومنذ ما يقارب العقدين بدأت الصين وروسيا في تطوير شراكة معادية للغرب بشكلٍ علني. وقد أثارت هذه التطورات نقاشاً حول ما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي خوض حربٍ باردة جديدة، تضع واشنطن في المقام الأول في مواجهة بكين. ولكن في الواقع فإن هذه الحرب ليست جديدة.

اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة الأمريكية.. دروس أمس من الحرب الباردة مع روسيا ذخيرة لمعركة اليوم مع الصين

ورثتِ الصين الشيوعية إمبراطورية أسرة تشينغ المتعددة الأعرق، واحتلت الدولة الشيوعية التيبت، وقاموا بتوطين الملايين في مقاطعة شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة، بهدف رفع نسبة المواطنين من العرق الصيني الذين لم تكن نسبتهم تتجاوز 5% من سكان الإقليم.

ولكن التوترات العرقية ليست هي العائق الوحيد الذي واجه الصين الشيوعية، بعد أن نجحت في احتلال ما يعرف باسم “آسيا الداخلية”، فالجغرافيا بحد ذاتها كانت عائقاً، فالصين لا تمتلك ساحلاً ثانياً يشبه سواحل الولايات المتحدة على كلا المحيطين الأطلسي والهادي، الأمر الذي يوفر لها خندقاً أمنياً هائلاً وطريقاً تجارياً لا يقدر بثمن.

ولذلك تسعى الصين اليوم للحصول على شيء يشبه شواطئ كاليفورنيا، للوصول إلى المحيط الهندي عبر خليج البنغال وبحر العرب، من خلال توسيع البنية التحتية الصينية إلى باكستان وميانمار.

تنظر الولايات المتحدة إلى روسيا والصين باعتبارهما أعداء – وكالات

يلقي كثيرون باللوم على إدارة كلينتون التي شجعت بسذاجة انضمام الصين الشيوعية إلى منظمة التجارة العالمية دون شروط تفرض المعاملة بالمثل، ويشير البعض إلى إدارة الرئيس جيمي كارتر لإعادة الصين إلى وضعية “الدولة الأكثر تفضيلاً”، بينما تخضع لنظام حكم شمولي واقتصاد غير سوقي.

ولكن في الحقيقة، فقد بدأ سوء التقدير الأمريكي للخطر الصيني منذ زمن الرئيس فرانكلين روزفلت الذي وافق على حصول الصين على حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، وعلى أن تُمنح دور قوة عظمى، وقدَّم لها مساعدات مالية وعسكرية كبيرة في فترة ما بعد الحرب العالمية.

واليوم، ولأول مرة في التاريخ، تُعتبر الصين والولايات المتحدة قوتين عظميين في الوقت نفسه بعد قرار دينغ التاريخي بالتخلي عن السوفييت، وارتداء قبعة رعاة البقر خلال زيارته لتكساس عام 1979، وتوجه الاقتصاد الصيني نحو السوق الاستهلاكية الأمريكية. وفي التسعينيات استعاد الرئيس الصيني جيانغ زيمين العلاقة الحيوية مع روسيا الضعيفة للاستفادة من صناعتها العسكرية، مع الحفاظ على التوجه الاستراتيجي للصين تجاه الولايات المتحدة، لتحقق الصين مكاسب مزدوجة.

اقرأ أيضًا: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.. حرب باردة من نوع جديد

ولكن الأنظمة في أوراسيا لا تنفك تذكر الولايات المتحدة وحلفاءها بما يجب عليهم تذكره. فقد أدى غزو بوتين لأوكرانيا، وتواطؤ الرئيس شي الواضح معه، إلى هز تنبيه أوروبا من خطورة اعتمادها على الطاقة الروسية، وتهاونها التجاري مع الصين.

وأصبح الرأي السائد الآن أنه لا يمكن السماح لبوتين بالانتصار في أوكرانيا، ليس فقط من أجل أوكرانيا وأوروبا، بل من أجل الاستراتيجية الآسيوية التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وللمضي قدماً ليس هنالك ما هو أهم من الوحدة الغربية في مواجهة الصين وروسيا، وهذا هو المكان الذي اتخذت فيه إدارة بايدن خطوة مهمة.

ولا تزال الصين تعاني من بعضِ أوجه الضعف، فهي تمتلك ساحلاً واحداً محاصراً إلى حدٍّ كبير، ولا تزال بحاجة إلى الوصول إلى الأسواق الاستهلاكية في الولايات المتحدة وأوروبا، وبحاجة لنقل التكنولوجيا المتطورة والسيطرة على البحار والعملات الاحتياطية وتأمين إمدادات الطاقة والمعادن النادرة. والسعي لتأمين كل ذلك، ولإنشاء كتل مكتفية ذاتياً هو ما يكمن وراء الحروب العالمية وتداعياتها.

تشهد العلاقات الأمريكية الروسية توتراً كبيراً خلال الفترة الأخيرة – أرشيف

ويمكن القول إن الصين تنتهج اليوم استراتيجية مشابهة لتلك التي تبنتها ألمانيا النازية، واليابان الإمبراطورية، وإن كان ذلك بكل الوسائل عدا الحرب، كي تصبح مقاومة للعقوبات والحصار. والآن مع الحصار الذي يتعرض له بوتين فلا شك أن شي سيضاعف جهوده.

وتبقى النقطة المهمة هي أن معالم العالم الحديث التي رسمتها الحرب العالمية الثانية لا تزال قائمة، على الرغم من المنعطف الكبير لعام 1979 والمنعطف الأصغر لعام 1991. والإجابة عن ما إذا كان العلم قد وصل إلى منعطف ثالث اليوم، تتوقع على مسار الحرب في أوكرانيا، وعن ما إذا كان الغرب سيعيد اكتشاف نفسه، يعزِّز واقعه من خلال التجديد.

♦أستاذ التاريخ في كلية الشؤون الدولية في جامعة برينستون، وزميل أول في معهد هوفر بجامعة ستانفورد.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة