الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الحرب الباردة الجديدة

الولايات المتحدة والصين وصدى التاريخ

كيوبوست- ترجمات

بينيديتو كريستوفاني

هل سيشهد العالم حرباً باردة جديدة؟ جوابي هو نعم ولا. هكذا افتتح هال براندز، مقاله الذي نشره موقع “فورين أفيرز”، والذي يبحث فيه آفاق المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين. ويفسر براندز قوله بأن الجواب سيكون “نعم”، إذا كنا نعني تنافساً دولياً طويل الأمد؛ فالحروب الباردة قديمة قدم التاريخ، وبعضها أصبح ساخناً وبعضها الآخر لم يفعل. وسيكون الجواب “لا”، إذا كنا نعني الصراع الذي نشأ في وقت معين وبين خصوم معينين (الولايات المتحدة وحلفائها والاتحاد السوفييتي وحلفائه)، وحول قضايا محددة (موازين القوى بعد الحرب، والخلافات الأيديولوجية وسباق التسلح)؛ ولا توجد أي من هذه القضايا في الوقت الراهن بالحجم الذي يثير القلق.

لم يعد موضع جدل أن الولايات المتحدة والصين تدخلان الآن في حربهما الباردة بعد أن أعلن الرئيس الصيني شي، التحدي وقبله إجماع نادر بين الحزبَين في الولايات المتحدة. فما الذي تخبئه منافسات القرن الواحد والعشرين؟

اقرأ أيضاً: كيف تستغل استراتيجية الصين الكبرى قوة الولايات المتحدة لخدمة أهدافها؟

العامل الأول الواضح هو الجغرافيا؛ فالصين دولة برية تحاصرها متاعب إقليمية، وإذا ما حاولت توسيع نفوذها فمن المحتمل أنها تلقى مقاومة من جيرانها القلقين. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من جغرافيتها التي أعطتها هيمنة هجينة، السيطرة على قارة بأكملها، والوصول غير المقيد إلى محيطَين كبيرَين تربط بينهما خطوط حديدية وطرق مواصلات عابرة للقارات، سمحت للبلاد بتطوير قدرات عسكرية واقتصادية هائلة.

وعندما بدأت روسيا ببناء سكة حديدية عابرة لسيبيريا، شعر الأمريكيون بالخطر. والآن تثير مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس شي مخاوف مشابهة؛ فالحزام هو شبكة من السكك الحديدية والطرق البرية عبر أوراسيا، والطريق هو ممرات بحرية وموانئ عبر المحيطَين الهندي والهادئ.

هل سيشهد العالم حرباً باردة جديدة؟

وهنا يخلص كاتب المقال إلى أن الصين تسعى إلى هيمنة هجينة على نطاق غير مسبوق. ويقول هذا ما يقودنا إلى التساؤل حول ما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة إلى أوراسيا وبقية العالم؟

بعد أن درسوا النموذج السوفييتي، سعى قادة الصين في فترة ما بعد الحرب الباردة إلى تجنب الخطأ الكبير الذي ارتكبه ميخائيل غورباتشوف؛ وهو السماح بالديمقراطية دول تحقيق الازدهار. وعملوا على تحويل الماركسية إلى رأسمالية استهلاكية دون السماح بالديمقراطية. وعززت إصلاحات الرئيس الصيني دينغ شياو بينغ، من مكانة الصين وجعلتها نموذجاً يحتذى به في كثير من دول العالم. وكان من الطبيعي والمتوقع أن يتابع شي عند توليه السلطة السير على هذا الطريق.

ولكنه لم يفعل. وبدلاً من ذلك أثار المتاعب مع العالم لخارجي وتحدى القواعد القانونية الدولية وشجع دبلوماسية “الذئب المحارب” ومارسَ القمع في الداخل. وربما كان ما دفعه إلى ذلك هو خشيته من مخاطر تقاعده ومن أن خصومه ومنافسيه الدوليين لن يسمحوا له بأن يأخذ الوقت الكافي لتحقيق أهدافه، أو ربما يكون شي يتصور نظاماً عالمياً استبدادياً تكون الصين في مركزه، أو أن الصين لن تنفر أصدقاءها الأجانب أبداً. ولكن إذا كان شي يؤمن بكل ذلك، فإنه يغفل حقاً أنه إذا تجاهل هذه التشققات -كما فعل أسلاف غورباتشوف- فإنها ستزداد سوءاً؛ ولكنه في المقابل إذا اعترف بها -كما فعل غورباتشوف- فهي ستقوض ادعاءه العصمة التي تقوم عليها الشرعية في الأنظمة الاستبدادية. ولهذا السبب دائماً ما تكون المخارج المشرفة متاحة للمستبدين.

اقرأ أيضاً: الصين.. منفق كبير أم مرابٍ كبير؟

وفي المقابل، يؤكد كاتب المقال أن الديمقراطية الأمريكية لها ثغراتها الخاصة أيضاً بين الوعود والأداء إلى درجة تجعلها تبدو أحياناً وكأنها تعاني الشلل؛ ولكنها مع ذلك تختلف عن الصين من ناحية أن عدم الثقة بالسلطة هو أمر مفروغ منه دستورياً، بينما يتغلغل احترام السلطة في ثقافة الصين؛ ولكن الاستقرار تتخلله اضطرابات طويلة الأمد عندما تفشل السلطة، وغالباً ما تقوم الأنظمة الاستبدادية على المدى القصير، ولكن الديمقراطيات هي مَن يصل إلى خط النهاية في السباق الطويل.

يتغلغل احترام السلطة في ثقافة الصين- أرشيف

وفي محاولة من الكاتب لتفسير بقاء الحرب الباردة باردةً، يشير إلى عدة عوامل؛ منها مرارة الحربَين العالميتَين الأولى والثانية، التي دفعت القادة إلى تجنب خوض حرب ثالثة، وكذلك اعتماد الولايات المتحدة سياسة احتواء الاتحاد السوفييتي من جهة، ورهان ستالين على أن يؤدي الوقت إلى إنتاج حروب رأسمالية بين الحلفاء، وعندما أدرك خلفاء ستالين مدى خطأ حساباته كان الوقت قد فات بالنسبة إلى السوفييت، وقضوا معظم فترة الحرب الباردة وهم يحاولون اللحاق بالركب. وأخيراً، يشير الكاتب إلى أن الأسلحة النووية شكلت عامل ردع منع وقوع الحرب. وعلى الرغم من التفاوت الكبير في القدرات النووية الأمريكية والصينية؛ فإن السلاح النووي الصيني يبقى حقيقة يُحسب لها ألف حساب.

اقرأ أيضاً: اللعبة الكبرى.. استراتيجية الصين الكبرى لإزاحة النظام الأمريكي

ولكن تبقى حتمية المفاجآت قائمة، والبشر عرضة للأخطاء وكذلك الذكاء الاصطناعي أيضاً. ويمكن أن تقع مفاجآت وجودية يمكن اشتقاقها من المفاجآت التي وقعت في الحرب الباردة الأمريكية- السوفييتية. وقد أخذ الرئيس ريغن هذا النوع من المفاجآت بعين الاعتبار عندما فاجأ غورباتشوف في أول لقاء بينهما بقوله إن غزواً من سكان المريخ سيجبر بلديهما على تسوية جميع خلافاتهما بين عشية وضحاها. ومع أن سكان المريخ لم يصلوا بعد، فنحن نواجه تهديدَين وجوديَّين جديدَين؛ هما التغيرات المناخية وتفشي جائحة “كوفيد-19”. وقد تنشأ المفاجآت أيضاً عن جهود يقوم بها لاعبون فرديون لإرباك أو ترويع خصومهم؛ مثل هجوم بيرل هاربر مثلاً، وأيضاً لا يمكن استبعاد الفشل الاستخباراتي.

رونالد ريغن وميخائيل غورباتشوف- أرشيف

وهنالك نوع آخر من المفاجآت قد ينشأ بسبب قوى صغرى تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة، كما حدث عندما خرج الانفراج الأمريكي- السوفييتي عن مساره في السبعينيات؛ بسبب دول مثل مصر، عندما هاجمت إسرائيل عام 1973، وتدخل كوبا في إفريقيا، واتصالات حفيظ الله أمين في أفغانستان مع الأمريكان التي أدت إلى غزو سوفييتي.

وفي ختام المقال، يبدي الكاتب رأيه في ما يجب على الولايات المتحدة عمله كي تنجح في منافستها مع الصين، وينبه إلى حقيقة أن سياسة الولايات المتحدة ليس هنالك سياسة خارجية بحتة؛ لأن الأمريكيين يعلنون مُثلهم العليا وقيمهم بشكل صريح، مما يجعل الخروج عنها واضحاً بشكل فاقع، وتظهر الإخفاقات المحلية؛ مثل غياب المساواة الاقتصادية والفصل العنصري والتمييز على أساس الجنس والتدهور البيئي والتجاوزات الدستورية، بشكل واضح للغاية ليراها العالم بأسره. وهذا سوف يسعد الأعداء الخارجيين.

ومن أجل الدفاع عن مصالحها الخارجية، تحتاج الولايات المتحدة إلى أن ترتقي إلى مستوى أفضل قيمها، وأن تثبت أنها تستحق البقاء في موقع الدولة العظمى. وهذا أمر يسهل قوله ولكن فعله ليس بالأمر السهل. وهنا يكمن الاختبار النهائي للولايات المتحدة في منافستها مع الصين: الإدارة الصبورة للتهديدات الداخلية لديمقراطيتنا، والتسامح مع التناقضات الأخلاقية والجيوسياسية التي يمكن من خلالها أن يكون الدفاع عن التنوع العالمي أكثر جدوى. إن دراسة التاريخ هي أفضل بوصلة لدينا في رحلتنا إلى المستقبل، حتى لو تبين لنا أنه ليس ما كنا نتوقعه وليس في معظم النواحي شبيهاً بما عشناه من قبل.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة