الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الحرب الأهلية في إثيوبيا.. خطر وجودي يهدد أمن المنطقة

مراقبون لـ"كيوبوست": استثمارات ومساعدات خليجية مهمة لإثيوبيا ووساطة سعودية- إماراتية قد تنقذ الموقف

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

يبدو أن مساعي المبعوث الخاص الأمريكي إلى القرن الإفريقي، جيفري فيلتمان، لرأب الصدع بين الفرقاء الإثيوبيين، قد باءت بالفشل؛ فقد عاد الرجل أدراجه دون أن يتمكن من مقابلة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي، في الوقت الذي سمحت فيه الإدارة الأمريكية بالتئام مؤتمر غير مسبوق للمعارضة الإثيوبية في العاصمة واشنطن، الجمعة 5 نوفمبر الجاري، أسفر عن تشكيل تحالف مناوئ للحكومة الإثيوبية يتكون، بجانب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، من جيش تحرير أورومو وجبهة عفر الثورية الديمقراطية، وحركة أغاو الديمقراطية، والحركة الشعبية لتحرير بني شنقول، والجيش الشعبي لتحرير غامبيلا، وحركة الحق والعدالة لشعب قيمانت اليمينية، وحزب قيمانت الديمقراطي، والجبهة الوطنية لتحرير سيداما، وجبهة المقاومة للإقليم الصومالي؛ الأمر الذي يشي بأن الولايات المتحدة ربما قررت ترك رئيس الوزراء آبي أحمد، في مواجهة مصيره وحيداً، إن لم يستجب لدعوات الحوار والتفاوض وضرورة الجلوس إلى مناوئيه.

اقرأ أيضاً: وساطة إماراتية تزرع الأمل بين السودان وإثيوبيا

تأثيرات الحرب على الدول العربية

الملك سلمان وولي عهده نجحا في وضع حد للأزمة الإثيوبية- الإريترية.. ويظهر في الصورة الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي- وكالات

بالنسبة إلى الدول العربية؛ خصوصاً المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن تدهور الأوضاع في إثيوبيا إلى حالة الانهيار الكامل للدولة المركزية يُمثِّل تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية والأمنية؛ فمنطقة القرن الإفريقي تمثل ظهيراً استراتيجياً للأمن القومي لتلك الدول، وفقاً لعبدالقادر حكيم، الباحث في شؤون القرن الإفريقي؛ حيث اعتبر في إفادته لـ”كيوبوست”، انهيار الأوضاع في إثيوبيا وتفككها يعني شمول ذلك كل بلدان القرن الإفريقي، نسبة للتداخل السكاني الكبير؛ فقومية الأورومو التي تعتبر أكبر قومية في البلاد، تمتد إلى كينيا، بينما تمتد قوميتا التيغراي والعفر إلى إريتريا، كما تمتد الأخيرة إلى جيبوتي، وكذلك الحال بالنسبة إلى القوميات القاطنة في إقليمَي بني شنقول قمز وغامبيلا؛ إذ تمتد إلى السودان وجنوب السودان. ومعروف أن إقليم الصومال الإثيوبي يقطنه صوماليون، لهم عائلات ممتدة في الصومال وجيبوتي؛ لذلك فالحرب الأهلية في إثيوبيا لن تستثنى أية دولة مجاورة، وستكون حرباً شاملة، تهدد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن؛ حيث تعبر ناقلات النفط والبضائع.

عبدالقادر حكيم

يواصل حكيم حديثه إلى “كيوبوست”، مضيفاً: فضلاً عن ذلك، فإن الاستثمارات العربية الضخمة في إثيوبيا، مهددة بالضياع حال غياب الدولة وتحول الأمور إلى فوضى عارمة. ويُشار في هذا السياق إلى أن العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول مجلس التعاون الخليجي وإثيوبيا بدأت في التطور بعد وصول الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بقيادة رئيس الوزراء الراحل، مليس زيناوي، وحلفاؤها، إلى السلطة عام 1991؛ حيث شهدت قفزة نوعية وتطوراً ملحوظاً؛ لكنها عادت إلى الانحسار مع الحرب الإثيوبية- الإريترية، بين عامَي 1998و2000، قبل أن تنتعش مجدداً بداية من عام 2002.

اقرأ أيضاً: الأسباب والسيناريوهات المتوقعة للصراع الداخلي في إثيوبيا

التبادل التجاري

وبمرور الوقت، بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين السعودية وإثيوبيا، حسب مصادر عديدة، نحو 2.85 مليار دولار أمريكي، عام 2019، حيث استوردت إثيوبيا ما يقرب من 2.05 مليار دولار من البضائع السعودية، وصدَّرت إليها ما قيمته 807.22 مليون دولار من البضائع، أما حجم التبادل التجاري بين دولة الإمارات وإثيوبيا فقد شهد تحسناً كبيراً خلال الأعوام العشرة الأخيرة؛ حيث قفز بين عامَي 2015 و2019 إجمالي حجم التجارة بين إثيوبيا والإمارات من 460.99 مليون دولار إلى 580 مليون دولار، وقد استوردت إثيوبيا ما قيمته أكثر من 1.9 مليار دولار من البضائع من الإمارات خلال هذه الأعوام، بينما صدَّرت إليها سلعاً بقيمة 525.96 مليون دولار، وصنفت إثيوبيا الإمارات كواحدة من أفضل أربع وجهات تصدير لإثيوبيا في السنوات الخمس الأخيرة؛ حيث تصدر إليها المنتجات الزراعية وبعض السلع ، بينما تستورد منها البترول ومشتقاته والإلكترونيات والآلات والأسمدة والسلع الاستهلاكية الأخرى.

الاستثمارات الخليجية في القرن الإفريقي (2000-17)- المصدر: Clingendael

بالنسبة إلى الكويت، وفقاً لحكيم، فقد ظلت حتى عام 2018 واحدة من أهم الشركاء التجاريين لإثيوبيا، وتعد من الوجهات الثلاث الأولى لصادرات السلع الإثيوبية بمتوسط ​​11.3% من إجماليها. كما كانت إلى ذلك الوقت من بين أكبر ثلاثة شركاء لواردات البضائع إلى إثيوبيا بمتوسط ​​6.4% من إجمالي واردات البلاد. كما لإثيوبيا علاقات تجارية مميزة مع كل من قطر والبحرين وسلطنة عمان، وإن لم تتطور كما في حالتَي السعودية والإمارات.

مطلوب وساطة

أما بالنسبة إلى الاستثمارات العربية في إثيوبيا، فإن العلاقات في هذه الصدد شهدت تطوراً كبيراً وإن كان تدريجياً؛ إذ وقعت معظم دول الخليج اتفاقيات استثمارية مع أديس أبابا ابتداءً من عام 1996 إلى عام 2017؛ حيث تستثمر هذه الدول بشكل أساسي في القطاع الزراعي، من أجل ضمان أمنها الغذائي؛ خصوصاً عقب ارتفاع أسعار المواد الغذائية أواخر العقد الأول من القرن الحالي، وقد استأجرت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات أراضي زراعية شاسعة وخصبة في إثيوبيا؛ حيث تمتلك السعودية 233 مشروعاً استثمارياً في الزراعة والصناعة، تليها الإمارات بـ104 مشروعات؛ فالكويت بـ16 مشروعاً، وقطر بـ12.

جانب من زيارة ولي عهد أبوظبي إلى إثيوبيا- وكالات

وفي السياق نفسه، قال إبراهيم حالي، الصحفي المهتم بشؤون القرن الإفريقي، لـ”كيوبوست”: إن دول الخليج قدَّمت إلى إثيوبيا الكثير من المساعدات التي أسهمت في تطويرها وتحقيق المنافع المتبادلة للطرفَين.

دولة الإمارات التزمت عام 2020، بمبلغ 3 مليارات دولار أمريكي كوديعة بالبنك الوطني الإثيوبي، ومليارَي دولار استثماراً مباشراً من أجل دعم الإصلاحات السياسية والاقتصادية في إثيوبيا في ظل حكومة آبي أحمد علي، كما استثمرت “إيجل هيلز”، وهي شركة تطوير عقاري رائدة مقرها أبوظبي، نحو مليارَي دولار أمريكي لتطوير مشروعات عقارية بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، كما أسهمت الإمارات في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومشروعات الشباب والنساء في إثيوبيا؛ حيث ضخَّ 66 مستثمراً إماراتياً ما قيمته 335.7 مليون دولار أمريكي في مشروعات استثمارية مختلفة في هذا الصدد، كما عرضت المملكة العربية السعودية على إثيوبيا قرضاً قيمته 140 مليون دولار أمريكي لدعم الخطط الاقتصادية للحكومة الجديدة وتطوير البنية التحتية في عام 2019.

اقرأ أيضاً: من يقف خلف استهداف مصالح الإمارات في إثيوبيا؟

وعليه، ورغم أن هذا غيض من فيض، فإن كل هذه الاستثمارات والتبادلات التجارية معرضة إلى الخطر؛ بسبب الحرب الشاملة الوشيكة في إثيوبيا، والتي من شأنها أن تبدد مليارات الدولارات من الاستثمارات السعودية والخليجية هناك، وتضعها في مهب الريح.

إبراهيم حالي

يستطرد حالي: من وجهة نظري، فإن وساطة سعودية- إماراتية ربما تُسهم في خلق حالة من التوازن وتُعيد الفرقاء إلى طاولة الحوار، ليس لما لهما من نفوذ بفضل استثماراتهما الضخمة هناك، وإنما بفضل العلاقة الجيدة التي تربطهما بطرفَي الصراع؛ فالعلاقات الاقتصادية الكبيرة بين إثيوبيا ودول الخليج بدأت في ظل حكم التحالف الذي كانت تهيمن عليه الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فضلاً عن وجود مؤشرات دالة على أنها كانت ذاهبة إلى حالة غير مسبوقة من التطور بعد وصول رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد علي، إلى السلطة، عام 2018؛ حيث زار من فوره المملكة العربية السعودية والإمارات اللتين أسهمتا في وضع حد للنزاع الذي استمر 20 عاماً بين إثيوبيا وإريتريا، كما زار ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، أديس أبابا، عام 2018، كأول زيارة لمسؤول خليجي بهذا المستوى الرفيع إلى إثيوبيا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة