الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الحالة الدينية في المغرب.. صعوبات تواجه الإسلاميين وتحديات تهدد التصوف

تقرير بحثي يرصد عدداً من المحطات المتعلقة بأبرز الفاعلين في المشهد الديني بالمملكة المغربية

المغرب- حسن الأشرف

رصد تقرير جديد بخصوص الحالة الدينية في المغرب، الذي اشتغل عليه 11 باحثاً وباحثة، وأصدره مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث، والخاص بحقبة 2018ــ 2020، عدداً من المحطات المتعلقة بأبرز الفاعلين في المشهد الديني بالمملكة؛ ومنها مؤسسة إمارة المؤمنين، والمؤسسات الدينية، والطرق الصوفية، وباقي الفاعلين.

وانطلق تقرير الحالة الدينية بالمغرب، الذي أعده الباحث منتصر حمادة، من منطلقَين اثنين؛ الأول هو خطاب الملك محمد السادس، في 29 يوليو 2019، باعتبار أن الملك في الدستور المغربي هو أمير المؤمنين كذلك، وبالتالي عندما يتحدث عن تواضع أداء النموذج التنموي في المغرب، فهو يقصد مُجمل المجالات المجتمعية؛ ومنها الحقل الديني.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف باحتضان علماء إفريقيا

والمنطلق الثاني لإصدار التقرير المذكور يتمثل في محدد السقف النقدي تجاه الفاعلين في المجال الديني المغربي؛ وفي مقدمتهم المؤسسات الدينية، بهدف تقويم الأداء وتطوير العمل المؤسساتي الديني.

مخاضات “ما بعد الإسلاموية”

تطرق تقرير الحالة الدينية للمركز البحثي المذكور إلى موضوع الإسلاميين في المغرب، راصداً القاسم المشترك في أداء هذه الحركات الإسلامية، وهو حالة تشبه المخاض النظري والتنظيمي بخصوص التعامل مع وقائع ميدانية، كانت غائبة عن الأدبيات المؤسسة لهذه الحركات والجماعات.

منتصر حمادة مدير مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث

وقال التقرير إن الأمر يتعلق بتيارات انتصرت لخطابها الأيديولوجي الذي ينهل من المقدس، أو ما تصطلح عليه أدبياتها بـ”المرجعية الإسلامية”، واعتقدت، في حقبة التأسيس الطوباوي المشروع، أن خطابها الأيديولوجي كفيل بإقامة حلم “الدولة الإسلامية”، قبل أن تكشف تلك الحركات أن عقل منظومة مجتمعية أيديولوجية، مختلف بالضرورة عن “عقل الدولة”، وهذه إحدى خلاصات كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للإصلاحي المصري علي عبدالرازق، ومؤلف “مفهوم الدولة” للمفكر المغربي عبدالله العروي.

التقرير يرى أن معالم المخاض تظهر أكثر مع التباين في مواقف حركة “التوحيد والإصلاح” وحزب “العدالة والتنمية” (الإخواني)؛ خصوصاً أنها مشاركة في التدبير الحكومي ومشاركة أيضاً في تدبير المجالس البلدية؛ بل إنها كانت في رئاسة تدبير المجالس الجماعية لأغلب المدن الكبرى بالبلاد.

اقرأ أيضاً: “العدالة والتنمية” و”حركة الإصلاح” .. “مجرة الإخوان” في المغرب

واستحضر الباحثون أحداث 20 فبراير 2011 (النسخة المغربية من احتجاجات ما يُسمى “الربيع العربي”)، والتي أسهمت (وفق التقرير) في تغذية مشروع الحركة والحزب، مع مزيد من التغلغل في مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني.

وتوقف التقرير عند تداعيات التضخم التنظيمي لإسلاميي “العدالة والتنمية” بمجيء انتخابات سنة 2016؛ أولها هيمنة نواة إسلامية حركية على حزب ليس إسلامياً كلياً، بما يُفسر استحواذ أعضاء الحركة على أهم المناصب في الحزب، وبالتالي تهميش أطر الحزب القادمين من خارج الحركة.

التقرير رصد تكالب الإسلاميين المغاربة على المناصب

وثاني التداعيات يتجسد في التكالب على المناصب والامتيازات على حساب أدبيات الحركة، وصاحب ذلك ظهور مآزق أخلاقية سلطت عليها بعض الأضواء الإعلامية، وحظيت بتأييد أعضاء المشروع، من باب “نُصرة التنظيم”.

والثالث تكريس ازدواجية نظرية وعملية مناقضة للخطاب الإسلامي الحركي في التفاعل مع عدة قضايا، من قبيل الدفاع عن ممارسة إسلامية حركية في التعامل مع قضية، والدفاع عن ممارسة سياسية علمانية في الدفاع عن قضية أخرى.

اقرأ أيضاً: تراكم أزمات المغرب في عهد الإخوان.. فهل من خطط لإنقاذ البلاد؟

زيارة بابا الفاتيكان والمؤسسات الدينية

التقرير عرج أيضاً إلى زيارة بابا الفاتيكان للمغرب في نهاية مارس 2019، معتبراً أنها أشرت على تواضع أداء المؤسسات الدينية في التفاعل البحثي والإعلامي والتواصلي، إلى درجة أن بعض القضايا التي أُثيرت على هامش الزيارة، بسبب توظيفات وقراءات اختزالية متوقعة، صادرة عن أتباع المشروع الإسلامي الحركي، قوبلت بغياب شبه كلي في الرد والنقد والنقض من طرف رموز المؤسسات الدينية.

وتوقف التقرير عند ما سمَّاه “تشويش” الخطاب الإسلامي الحركي، والإخواني والسلفي، على زيارة بابا الفاتيكان للمغرب لعدة اعتبارات أيديولوجية.

زيارة بابا الفاتيكان إلى المغرب

ووفق المصدر عينه، فإن هذه الزيارة كشفت عن حالة “أسلمة مخيال المغاربة” بسبب تأثير الخطاب الإسلامي الحركي على هذا المخيال خلال العقود الماضية، وهو التأثير القائم قبل الإعلان عن مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب في أبريل 2004، ولا يزال قائماً حتى بعد مرور عقد ونصف العقد على انطلاق المشروع؛ بسبب تواضع أداء بعض هذه المؤسسات الدينية في مقاومة تلك الأسلمة.

وفي الشق المتعلق بالمؤسسات الدينية، ذكر التقرير أن المجالس العلمية (مؤسسات دينية رسمية تضم علماء دين تابعين لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية) عددها 84 مجلساً علمياً محلياً، وتفتقر إلى الإنتاج البحثي، والتفاعل والحضور الرقمي؛ حيث لا نعاين صدور مجلات ناطقة باسم هذه المجالس، مع استثناءات خاصة.

اقرأ أيضاً: فيروسات التكفير والتطرف تنبعث في زمن “كورونا” بالمغرب

وفي السياق ذاته؛ سجل المصدر أنه رغم الفورة الرقمية التي تمر منها المنطقة، على غرار دول العالم، ورغم الوجود الرقمي الكبير للخطاب الإسلامي الحركي في الساحة، بما يُفسر بعض أسباب هجرة الشباب المغربي نحو الخطاب الديني المشرقي (السلفي الوهابي، الإخواني، القتالي.. إلخ)، فما زالت المجالس العلمية المحلية متواضعة في الأداء الرقمي.

وذهب الباحثون الذين أعدوا التقرير إلى أنه “من مؤشرات صيانة الأمن الروحي للمغاربة، أن يكون الفاعلون في هذه المؤسسات الدينية، من أشد المؤمنين بمميزات التدين المغربي، والواقع أنها تضم فاعلين كانوا في حقبة ما لا يؤمنون بمرجعية مؤسسة إمارة المؤمنين”.

الدكتور محمد يسف رئيس المجلس العلمي الأعلى (مؤسسة دينية عليا)

وتابع المصدر بأن «أداء تلك المؤسسات يفيد أن تطليق أو أخذ مسافة نظرية صريحة من الخطاب الديني الأيديولوجي، ليس صريحاً في خطاب وأداء العديد من المؤسسات المعنية، نظرياً، بتفعيل توصيات وتوجيهات مؤسسة إمارة المؤمنين؛ ومنها صيانة الأمن الروحي من خطاب تلك المشروعات الأيديولوجية”.

الطرق الصوفية

ووضع التقرير “التدين الصوفي” بالمغرب في سياقه الراهن؛ فبعد التأثير السابق لهذا النمط من التدين في التربية والسلوك والفن.. إلخ، بات مهدداً بمزيد من التآكل ويحتاج إلى صيانة مقارنة مع ما مضى من مبادرات رسمية وشعبية سعت إلى تغذية هذا الموروث.

اقرأ أيضاً: المغرب يحارب التطرف بالتصوف لمواجهة “الإسلام الراديكالي”

ورصد التقرير عدداً من التحديات التي تواجه صيانة التدين الصوفي بالمغرب؛ منها التعليم، إذ يكفي مقارنة وزن شُعب الدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية، مقارنةً مع وزن الشُّعب الجامعية التي تشتغل على الخطاب والعمل الصوفي، مع الأخذ بعين الاعتبار الأفق الديني الأيديولوجي لشعبة الدراسات الإسلامية في الساحة المغربية.

وفي التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، يضيف المصدر أنه “لا توجد أي نصوص صوفية في المقررات التعليمية، تسلط الضوء على خصوصيات هذه المرجعية الدينية المركبة، رغم أن المغرب بلد إمارة المؤمنين، كما أن النموذج المغربي في إفريقيا، مؤسَّس على التصوف، موازاة مع النهل من المرجعية السنية والأشعرية”.

الطرق الصوفية تواصل التآكل بالمغرب

وأما في المجال الإعلامي، فإن البرامج التليفزيونية والإذاعية التي تشتغل على التعريف بهذا الموروث الديني المغربي العريق، ما زالت متواضعة مقارنةً مع ما هو مطلوب في مجال ثقافي يتميز بأنه “بلد الأولياء”.

وبالوصول إلى العالم الرقمي، يورد التقرير أنه رغم كون حضور التصوف في المغرب أقدم وأكبر من الحضور الإسلامي الحركي؛ فإن الآية معاكسة في الحضور الرقمي للطرفين، شارحاً بأن “هناك حضوراً كبيراً للتدين الإسلامي الحركي، مقارنةً مع حضور متواضع للتدين الصوفي”.

وحمَّلَ باحثو التقرير المسؤولية للطرق الصوفية التي تحتاج إلى مزيد من الحضور الرقمي، من باب المساهمة في ملء الفراغ وتغذية الطالب على التدين في ما يُشبه “سوقاً دينية” مفتوحة على قاعدة العرض والطلب على الخطاب الديني؛ ثم إلى مؤسسات الدولة الدينية التي مطلوب منها أن تتحمل هذه الأمانة الملقاة على عاتقها من طرف مؤسسة إمارة المؤمنين، ومقتضى التدين المغربي الأصيل في تصوفه منذ قرون مضت.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة