الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةشؤون عربيةمقالات

الحاخام إفرايم ميرفس في أبوظبي.. رسالة تقارب تتجاوز حاجز التاريخ

كيوبوست

زكي كوبر♦

قد يكون مصطلح “تاريخي” يتم استخدامه بشكلٍ مُفرط. إلا أن الزيارة التي قام بها الحاخام الأكبر لبريطانيا والكومنولث، إفرايم ميرفيس، إلى الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي، تستحق بالتأكيد هذا الوصف.

فلم يقم أي حاخام أكبر بزيارةٍ رسمية لدولة عربية، لذا فإن زيارة الحاخام ميرفيس إلى الخليج كانت بالتأكيد ريادية. وكان ظهوره في منتدى أبوظبي للسلام هو أبرز محطات رحلته، حيث ظهر إلى جانب الشيخ عبد الله بن بيه، وهو أحد أكثر العلماء المسلمين احتراماً في العالم.

كما ألقى كلمته أمام جمهور من 1000 ضيف من 70 دولة بعبارة “السلام عليكم، شالوم عليشم”، مسلطاً الضوء على أوجه التشابه بين التحية العربية والعبرية. وقد فتحت دبلوماسية الحاخام ميرفيس البارعة للحوار بين الأديان آفاقاً لعلاقاتٍ وصداقاتٍ جديدة.

اقرأ أيضًا: بعد عامين على اتفاق السلام… أفق التعاون تتسع بين الخليج وإسرائيل

فمنذ أن أصبح الحاخامَ الأكبر في عام 2013، كرَّس الحاخام ميرفيس وقتاً لتنمية العلاقات مع قادة الديانات الأخرى. وكثيراً ما يسخر من أن شهر رمضان أصبح الآن شهراً مزدحما بشكلٍ خاص في دفتر يومياته، نظراً للتجمعات المتعددة الأديان التي يُدعى إليها. وحتى قبل توليه المنصب المرموق، كان حريصاً على إعطاء الأولوية للحوار بين الأديان، ليصبح أول حاخام يستضيف إماماً في كنيسه في لندن.

والآن بعد مرور عامين على توقيع اتفاقية أبراهام، بين الإمارات والبحرين وإسرائيل، يبرز القادة الدينيون إلى الواجهة. فقد مهد السياسيون الطريق من خلال التوصل إلى اتفاق. ولكن لكسب قلوب وعقول الناس، سيكون من المهم للقادة الدينيين دعم الترتيبات الدبلوماسية الجديدة.

مراسم توقيع اتفاقية السلام التاريخية بين الإمارات وإسرائيل – وكالات

وإذا كانت السياسة تدور حول القوة، فإن الدين يدور حول التأثير. ففي حين أن السلطة هي لعبة محصلتها صفر (كلما شاركتَ أكثر، قلَّ ما تمتلكه)، فإن التأثير هو لعبة محصلتها إيجابية (كلما شاركتَ أكثر، زاد ما تمتلكه). والحقيقة أنه لا يمكن المبالغة في التأكيد على تأثير القادة الدينيين في التعبير عن فوائد اتفاقيات أبراهام.

وفي أسبوع زيارة الحاخام ميرفيس، كان الجزء من الكتاب المقدس الذي تقرأه الجاليات اليهودية في جميع أنحاء العالم، يدور حول إبراهيم والعلاقة مع ابنيه، إسماعيل وإسحاق. حيث قيل إن كليهما سيأتي من نسله أممٌ عظيمة. ويتحدث جزء الأسبوع القادم عن موت إبراهيم في سن الشيخوخة الكبرى، وهو يبلغ 175 عاماً. وقد كتب الحاخام الأكبر السابق، جوناثان ساكس: “اليهود والمسلمون على حد سواء يتتبعون نسبهم من إبراهيم؛ اليهود من خلال إسحاق، والمسلمون من خلال إسماعيل”. 

وحقيقة أن كلا الابنين وقفا معاً في جنازة والدهما يخبرنا أنهما اتحدا أيضاً. نعم، كان هناك صراعٌ وانفصال. ولكن تلك كانت البداية، وليست النهاية. وبين اليهودية والإسلام يمكن أن تكون هناك صداقةٌ واحترام متبادل. فقد أحبَّ إبراهيم ابنيه كليهما، ودُفن في وجودهما. وهناك أمل للمستقبل في قصة الماضي هذه”.

اقرأ أيضاً: عامان على الاتفاقيات الإبراهيمية.. فما الذي تحقق؟

هناك بالتأكيد أسباب للتفاؤل عند تقييم مستقبل العلاقات الإسلامية اليهودية. وعلى الرغم من التصور العام بأن المسلمين واليهود تربطهم علاقة عدائية، فإن الوضع الفعلي أكثر تعقيداً. فعلى مدى 1000 عام، عاش اليهود والمسلمون في سلام جنباً إلى جنب.

الحاخام افرايم ميرفس مع الشيخ محمد بن عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي- وكالات

وقد أدرج النبي محمد اليهود كجزء من الأمة التي أعلنها في المدينة المنورة عام 622. وأعاد الخليفة الثاني، عمر، اليهود إلى القدس عام 636 بعد فترة طويلة من الطرد. وحدث “العصر الذهبي” للتعايش في القرون الوسطى في الأندلس في إسبانيا.

كما وصف موسى بن ميمون، أحد أعظم علماء اليهودية، (1135-1204)، الإسلام بأنه “توحيد خالص”. وعلى الرغم من أنه ولد في إسبانيا، فإنه عاش معظم حياته في مصر، وبالتالي كان معتاداً على المجتمعات الإسلامية. وطرح وجهة النظر القائلة بأن اليهود والمسلمين يمكنهم الصلاة معاً، وإذا لزم الأمر، يمكن لليهود القيام بذلك في المسجد.

الحاخام الأكبر لبريطانيا والكومنولث، إفرايم ميرفيس

إن الإسلام واليهودية لا يشتركان فقط في نظرتهم للطبيعة الإلهية، ولكن أيضاً في بعض عناصر الممارسة العقائدية. فعلى غرار اليهودية، نجد الإسلام دين له تاريخ ثري، ومجموعة من القوانين الدينية التفصيلية، أو الشريعة. وهناك قوانين غذائية صارمة في كلا الديانتين، والتزام بالصلاة عدة مرات في اليوم. وهناك أيضاً العديد من الأخلاق والتعاليم المتشابهة، مثل اللباس المحتشم للنساء، والالتزام بتقديم الصدقة للمحتاجين.

وفي بريطانيا، هناك بعض الأمثلة التاريخية الملهمة لعمل المسلمين واليهود معاً. فقد بني أول مسجد لهذا الغرض في المملكة المتحدة، والذي تم بناؤه في ووكينغ عام 1889، من قبل الدكتور غوتليب فيلهلم لايتنر، وهو يهودي ولد في المجر. وكان لديه رؤية لتشكيل مؤسسة تعليمية في أوروبا يمكن من خلالها دراسة الإسلام. وفي فترة مماثلة، أصبح اللورد ناثانيل روتشيلد (1840-1915)، الذي ينتمي لعائلة مصرفية يهودية شهيرة، وصياً على صندوق مسجد لندن حتى وفاته عام 1915.

وفي الوقت الحاضر، هناك العديد من الصداقات بين المجتمعات الإسلامية واليهودية، سواء بين قادة المجتمع والناشطين وكذلك الناس العاديين. وينبغي ألا يعمينا ذلك عن بعض التحديات الحقيقية للغاية. ووفقاً للاستطلاعات الرأي، لا تزال نسبة عالية إلى حد مقلق من المسلمين البريطانيين يعتنقون وجهات النظر المعادية للسامية، وهو أمر يحتاج إلى معالجة.

وقد جسدت زيارة الحاخام الأكبر ميرفيس الدفء الذي ولّدته اتفاقيات إبراهام. وفي حين أن السياسة جمعت بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، فإن الدين والقادة الدينيين هم الذين يمكنهم المساعدة في بناء التفاهم والصداقة بين المسلمين واليهود في الخليج، وفي جميع أنحاء العالم.

♦ناشط في مجال الحوار بين الأديان، وعمل سابقاً لدى الحاخام الأكبر اللورد جوناثان ساكس.

لقراءة النسخة الإنكليزية: مقال خاص

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات