الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الجيش الرواندي.. علامة إفريقية جديدة في مكافحة الإرهاب

تشعر دول الساحل الإفريقي بقلق متزايد بشأن انتشار وتمدد العمليات الإرهابية منذ انسحاب فرنسا

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

هنا في غرب إفريقيا، شرق توغو وغرب نيجيريا، جنوب النيجر وبوركينا فاسو، وشمال خليج بينين على الأطلسي، وبمساحة تبلغ نحو 113 ألف كيلومتر مربع، تقع جمهورية بينين التي نهضت على إرث وحضارة مملكة (داهومي) الضاربة في القِدم.

الآن وبعد 62 عاماً من استقلالها من مستعمرتها فرنسا، وامتلاكها قوات مسلحة قوامها 5 آلاف فرد، مكونة من ألوية برية وبحرية وجوية؛ يعاني الجيش البينيني ويُكافح التهديدات الإرهابية القادمة من الشمال عبر الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر، ويضطر إلى طلب المساعدة من الجيش الرواندي الذي يمتلك خبرة تراكمية كبيرة وناجحة في مكافحة الإرهاب على مستوى إفريقيا؛ حيث صرح وِلفريد ليندر أونغبديغي، المتحدث باسم حكومة بينين، الأسبوع الماضي، لوسائل إعلام محلية وأجنبية، بأن بلاده تجري محادثات مع رواندا بشأن تزويدها بدعم لوجيستي وتمليكها الخبرة الضرورية التي تؤهلها للتصدي للخطر الغرهاي المتزايد على حدودها الشمالية.

اقرأ أيضاً: بعد هزائم ساحقة.. “داعش الموزمبيقي يتقهقر أمام الجيش الرواندي”

وبينما آثر المتحدث باسم الجيش الرواندي، رونالد رويفانغا، عدم التعليق على تصريحات أونغبديغي، أشار فقط إلى وجود ما سماه بالتعاون الدفاعي بين البلدَين، بيد أن تقارير متطابقة كشفت عن مفاوضات سرية متقدمة تجري بين كوتونو وكيغالي؛ لنشر مئات من الجنود الروانديين شمالي بينين، إذ يبدو ذلك جلياً في الزيارة الأخيرة لرئيس أركان الجيش البينيني، الجنرال فركتو غباغويدي، إلى رواندا، يوليو الماضي؛ حيث أجرى مباحثات مع مسؤولين عسكريين كبار، بهدف تعميق العلاقات بين جيشَي البلدَين.

قلق وخشية

القوات الرواندية في حراسة رئيس إفريقيا الوسطي في تجمع انتخابي 2020- وكالات

ويأتي سعي كوتونو للحصول على خدمات الجيش الرواندي بناءً على تجربتَيه الناجحتَين في مكافحة الإرهاب في كل من جمهوريتَي إفريقيا الوسطى وموزمبيق؛ حيث يرجِّح مراقبون أن حكومة باتريس تالون، لجأت إلى هذا الخيار بعد أن نفد صبرها من عدم استجابة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لطلباتها المتكررة بدعمها بالمزيد من المعدات العسكرية؛ خصوصاً طائرات الدرونز التي أثبتت نجاعتها في هذا النوع من العمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تشعر دول الساحل الإفريقي، منذ أن سحبت فرنسا قوات برخان من جمهورية مالي هذا الصيف، بقلق متزايد بشأن انتشار وتمدد العمليات الإرهابية من “داعش” والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة، وقد تعرضت كل من بينين وتوغو وغانا وساحل العاج إلى هجمات مماثلة في الآونة الأخيرة؛ الأمر الذي وضع عبئاً ثقيلاً على كاهل جيوشها الضعيفة وغير المدربة جيداً، إذ وقع أول هجوم إرهابي تم الاعتراف به رسمياً في توغو في مطلع 2022، قبل أن تحث الجماعات الإرهابية خُطاها تجاه بينين؛ حيث قُتل 7 من مجندي الخدمة الوطنية وجندي واحد، وأُصيب 12 مدنياً في 8 فبراير 2022، عندما اصطدمت قافلتا سيارات مكونة من مركبات عسكرية ومدنية بعبوات ناسفة في منطقة الحدود الثلاثية، بينما قُتل شخصان على الأقل في هجوم بمنطقة بورغا الحدودية الشمالية بعد ذلك بقليل.

اقرأ أيضاً: “لا توجد كابول إفريقية”.. فهل ستُنقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟

واختطفت الجماعات الإرهابية أجانب ومسؤولين حكوميين ومدنيين في المنطقة؛ ففي 1 مايو 2019 تم اختطاف سائحين فرنسيين ومرشدهم البينيني من محمية بندغاري الوطنية، وفي 4 مايو 2019 أكدت السلطات المحلية العثور على المرشد ميتاً، بينما تم إنقاذ الرهائن في 11 مايو 2019 في جمهورية بوركينا فاسو.

 وتعاني بينين التي تُسهم بقوات ضمن قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات (MNJTF) لمكافحة بوكو حرام وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد؛ لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما)، وبالتالي تعتبرها الجماعات الإرهابية؛ بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWA)، وبوكو حرام والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، هدفاً مشروعاً.

مفرزة من القوات الرواندية المتوجهة من مطار كيغالي إلى مابوتو- “رويترز”

تجربة ناجحة

من جهته، قال الصحفي والباحث في الشؤون الإفريقية، سليمان مُختار، لـ(كيوبوست): إن طلب بينين الدعم من الجيش الرواندي جاء نتيجة أمرَين؛ أولهما تجربته الناجحة في هذا الصدد، فضلاً عن بطء استجابة الدول الغربية؛ خصوصاً فرنسا، لطلبات المساعدات العسكرية العاجلة من الجيوش الإفريقية.

أما بالنسبة إلى الجيش الرواندي، فقد تمكن خلال فترة وجيزة من عمله بموزمبيق، من تقليص عمليات “داعش” إلى الحد الأدنى إن لم يكن قضى عليها تماماً، فخلال خمس سنوات فقط تمكن “داعش” من قتل أكثر من 3700 شخص وتسبب في نزوح أكثر من 800 ألف، كما أجبر الشركات الأجنبية والوطنية العاملة في مجال التنقيب عن الغاز على تعليق مشروعات ضخمة تقدر بمليارات الدولارات، قبل أن تُبدي القوات الرواندية العاملة في شمال موزمبيق والبالغ عددها نحو ألف جندي، فعالية غير مسبوقة في طرد الجماعات الإرهابية وتدريب الجيش الوطني الموزمبيقي على هذا النوع من العمليات العسكرية الخاص بالتصدي للجماعات الإرهابية.

سليمان مختار

يستطرد مختار: تمكَّنت القوات الرواندية، خلال أغسطس 2021، من طرد الجهاديين الذين كانوا يحتلون مدينة موكيمبوا دا برايا الساحلية الاستراتيجية، والميناء الرئيسي في شمال البلاد الغني بالغاز، وانطلاقاً منها تمت السيطرة على مدن بأكملها عام 2020، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الحكومة الموزمبيقية عاجزة ومغلولة اليد ومشلولة الحركة، بدت طلائع الجيش الرواندي التي حلت بالبلاد وكأنها منقذ هبط من السماء؛ حيث حقق لواء مكون من جنود من الجيش والشرطة الروانديَّين، قوامه ألف فرد، خلال أسابيع ما لم يتمكن الجيش الموزمبيقي وقوات أخرى من تحقيقه خلال سنوات، ولم تتوقف الجهود الرواندية عند استعادة الأمن والهدوء فحسب -بل تخطت ذلك إلى إعادة العائلات التي فرت من الإرهاب إلى ديارها- وتساعد الآن في إحياء عمليات التنقيب عن الغاز في الحقول البحرية الذي يُقدر بمليارات الدولارات.

ضابط شرطة إفريقيا

كاغامي يتفقد وحدات من جيشه رفقة القائد العام للقوات الرواندية 2020- وكالات

10% فقط من القوام العددي للجيش المكون من 30 ألف جندي، تم تخصيصها للاضطلاع بمهام عسكرية خارج البلاد، وهذا يعكس مدى حرفية ومهنية هذا الجيش وقائده الرئيس كاغامي، قائد المتمردين السابق الذي أنهت قواته أسوأ إبادة جماعية عام 1994؛ قُتل خلالها 800 ألف من جماعات التوتسي والهوتو. كما أن ترجيحه كفة الحكومة الموزمبيقية في صراعها مع المتمردين الإسلاميين جعل من الجيش الرواندي (ضابط شرطة) مرغوب فيه إفريقياً ودولياً في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب والنزاعات الإقليمية في القارة.

قبل تجربته في موزمبيق، خاض “الرواندي” تجربة مماثلة في جمهورية إفريقيا الوسطى، فحين ثبتت الجماعات الإرهابية أقدامها في تلك الدولة الفاشلة وسط القارة؛ وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية الموالي لـ”داعش” في ولاية إفريقيا الوسطى (ISCAP)، المكون من ألفَي عنصر، قبل أن يُضطر إلى التقهقهر مع وصول المفارز الأولى للرواندي عام 2014 كجزء من بعثة الأمم المتحدة المتكاملة ومتعددة الأبعاد؛ لتحقيق الاستقرار في جمهورية إفريقيا الوسطى (مينوسكا)؛ حيث أظهر فعالية عالية على الأرض وقدرة على التنسيق مع الجهات النشطة، مثل مجموعة فاغنر الروسية، قبل أن يوقع بول كاغامي، نوفمبر 2020، اتفاقية ثنائية مع نظيره فوستين أرشانج، بنشر قوات جديدة في إفريقيا الوسطى؛ الأمر الذي غيَّر من قواعد اللعبة، حيث أصبحت القوات الرواندية في إفريقيا الوسطى تعمل خارج قواعد الاشتباك الخاصة بقوات الأمم المتحدة، بموجب هذا الترتيب الذي خوَّل لها نطاقاً أوسع وصلاحيات أكبر.

اقرأ أيضاً: “مذبحة تلاتايت”.. هل يكرر “داعش” مأساة الرقة في شمال مالي؟

صورة ذهنية مختلفة

مشهد من مقابر التطهير العرقي في رواندا 1994- وكالات

ولفهم الأساس المنطقي للنجاح الذي أحرزته القوات الرواندية في جمهورية إفريقيا الوسطى وموزمبيق؛ لفت الصحفي حسن بركية، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى ضرورة إدراك الأبعاد المترابطة للسياسة الرواندية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية؛ فعلى الصعيد الدولي تسعى رواندا لإضفاء شرعيتها على الساحة القارية، من أجل جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وتنويع الشركاء؛ إذ يعتقد كاغامي أنه من الضروري تغيير النظرة الخارجية لبلده. بعبارة أخرى، يضيف بركية: يكافح كاغامي من أجل بناء علامة تجارية جديدة لبلده على أنقاض الصورة الذهنية المرتبطة بمأساة الإبادة الجماعية.

حسن بركية

ويعتبر بناء جيش احترافي صغير وقوي ومؤهل ومسلح جيداً أحد العوامل التي تُسهم في تغيير تلك الصورة الذهنية وبناء علامة تجارية جديدة عوضاً عنها، وبالفعل تمكنت كيغالي من فعل ذلك نجاح؛ حيث حُظيت أنشطتها العسكرية لحفظ السلام ودحر الإرهاب باهتمام دولي كبير، خصوصاً من قِبل فرنسا التي تسعى بشكل متزايد إلى وضع وكلاء عسكريين محليين للحفاظ على مصالحها في إفريقيا، وفقاً لحسن بركية، الذي استطرد مضيفاً: اعتمدت باريس إلى حد كبير على الجيش التشادي في مكافحة الإرهاب في وسط إفريقيا ومنطقة الساحل، بينما يبدو الجيش الرواندي مناسباً للعمل وكيلاً لها في منطقة البحيرات العظمى وجنوب شرق القارة، وذلك بفضل تمتعه بمهارات قتالية عالية وتدريب جيد وتسليح فعَّال يؤهله للقيام ببعض المهام نيابةً عن باريس بتكاليف سياسية وعسكرية أقل.

إلى ذلك ورغم أن كاغامي لا يزال يعتقد أن باريس تقف وراء إسقاط طائرة الرئيس السابق جوفينال هابياريمانا، عام 1994، وما تلاها من إبادة جماعية في رواندا؛ حيث قرر بناء على ذلك، بعد توليه السلطة مباشرةً، الانسحاب من رابطة الدول الناطقة بالفرنسية والمنظمة الدولية للفرانكوفونية (OIF)، وإعطاء الأولوية للغة الإنجليزية في المدارس؛ لكن المصالح دائماً ما تتغلب على العداوات، فها هي فرنسا تعود الآن لتفكر في الاعتماد على قوات الدفاع الرواندية؛ للحافظ على مصالحها في منطقة البحيرات وجنوب شرق القارة، وربما تتلقى كيغالي الكثير من المساعدات العسكرية من باريس في السنوات المقبلة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة