الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الجويلي لـ”كيوبوست”: المجتمع التونسي تصدى لقيم “النهضة” على مدار عقود

تحدث أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة التونسية محمد الجويلي عن محاولات الإخوان فرض قيمهم على المجتمع

كيوبوست

محمد الجويلي

قال أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة التونسية الدكتور محمد الجويلي، إن حركة النهضة حاولت على مدار عقود فرض قيمها الاجتماعية على المجتمع التونسي؛ لكنها لم تنجح في ذلك حتى بعد الوصول إلى السلطة، مشيراً إلى أن فشلها في معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية دفع الشعب للتمرد عليها والمطالبة بإبعادها عن السلطة.

وتحدث الجويلي، في مقابلة مع “كيوبوست”، عن تاريخ الحركة في تونس وطريقة تعاملها مع الأنظمة المختلفة ومستقبلها بعد القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، مؤخراً.. وإلى نص الحوار.

* كيف عملت حركة النهضة على التغلغل الاجتماعي في المجتمع التونسي؟

– منذ منتصف السبعينيات، وفي الثمانينيات، حملت الحركة اسم الاتجاه الإسلامي، وحاولت من خلال ممارستها أن تفرض على المجتمع التونسي عاداتها القائمة على الفصل بين النساء والرجال في الفضاءات العامة، وارتداء النساء الحجاب، والاحتشام، والعمل على إدخال ممارسات اجتماعية عديدة مختلفة عما يعيشه التونسيون في تلك الفترة؛ منها منع الغناء والرقص والاحتفالات والأعراس المختلطة، وهي سلوكيات مبنية بالأساس على فكرة الأخونة والحلال والحرام، والتفرقة بين العائلات بناءً على تصرفاتها الاجتماعية وأن هناك عائلات تتبع الحلال، وأخرى تتبع الحرام، في خطوةٍ عززت من الزهد الاجتماعي؛ وهو نموذج يناقض النموذج الجمهوري السائد وقتها وقيم الحداثة التي أرساها الرئيس بورقيبة في وقتٍ مبكر، وعملت الحركة وقتها على بناء نموذجها المناهض والمتناقض تماماً مع نموذج الدولة الوطنية، مستخدمةً شعارات الإسلام السياسي، وأن الدين صالح لكل زمان ومكان، وتريد أن تحكم باسم الشريعة؛ وهذا التناقض دفع لمصادماتٍ مع نظام بورقيبة بشكلٍ واضح حتى رغم الهدنة النسبية التي حدثت لسنوات.

رفض شعبي تونسي للإرهاب وعودة الإرهابيين- وكالات

* وخلال فترة حكم زين العابدين بن علي؟

– في هذه المرحلة دخلت حركة النهضة في صدام حقيقي، وهذا الصدام بدأ مع انتخابات 1989، واستمر حتى رحيل ابن علي عن السلطة؛ صحيح أن الفترة من 2005 حتى 2010 شهدت انفراجة نسبياً، لكن الحركة الإسلامية خلال سنوات حكم ابن علي الأولى لم تستطع أن ترسي منظومتها الاجتماعية وقواعدها السلوكية التي عمل النظام على رفضها ومواجهتها مدعوماً من صد المجتمع التونسي للتطرف والبحث عن وسطيته وحداثته في قيمه، بجانب طبيعة الشعب التونسي المقبل على الحياة.

اقرأ أيضاً: الغضب الشعبي التونسي يحرق “النهضة”

* هل نجحت “النهضة” في إرساء هذه المنظومة بعد هروب ابن علي؟

– من 2011 عملت “النهضة” على إرساء منظومتها المجتمعية التي دُعِّمَت سياسياً بإتاحة الفرصة للوصول إلى السلطة وفرض قيمها على المجتمع؛ لكن المجتمع التونسي كانت لديه مناعة ليستطيع الدفاع عن نفسه، ورفض الممارسات التي تقوم بها الحركة، وهناك أدركت “النهضة” بشكل واضح أن عليها الوجود السياسي أولاً عبر الانتخابات قبل أن تحاول فرض منظومتها القيمية الاجتماعية لاحقاً، في وقتٍ كان فيه الحديث عن الفساد يدفع الشارع لانتخاب مَن يعتقد أنهم “يتقون الله”، واعتمدت “النهضة” في تلك الفترة على ادعاء المظلومية والنضال خلال حكم ابن علي، وجاء الانتصار الكبير لها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي وحصولها على الأغلبية، آنذاك؛ لكن ظلت قدرتهم على فرض منظومتهم القيمية محدودة جداً.

متظاهرون تونسيون يرفعون العلم الوطني وقفص الطيور خلال مسيرة ضد حزب النهضة والحكومة التونسية- شبكة “فوكس”

* كيف تحول الاتجاه الشعبي في تونس من تأييد “النهضة” في 2011 إلى نبذها في 2021 والخروج بتظاهرات لإسقاطها؟

– تراجعت أصوات “النهضة” من مليون ونصف مليون صوت تقريباً في 2011 إلى نحو 500 ألف فقط في انتخابات 2019، وتحولوا من منفردين بالحكم إلى شركاء مع آخرين؛ فعندما تولوا السلطة بعد رحيل ابن علي لم تكن لديهم رؤية سياسية أو حنكة في التعامل مع الملفات، واختاروا وزراءهم على أُسس الولاء وليس الكفاءة؛ فمنهم مَن كانوا سجناء، وآخرون كانوا مهجرين.. وغيرهم ممن كانوا لا يعرفون شيئاً عن دواليب العمل في تونس، فأخفقوا وانكشفوا سياسياً؛ فلم تكن لديهم إجابات عن الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي تراجع تأثيرهم. أضف إلى ذلك سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، والتدهور المستمر الذي أفقد الحركة تأثيرها في الشارع.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يرسم ملامح الجمهورية التونسية الثالثة

* لكن أيضاً الحصول على نحو 500 ألف صوت في 2019 أمر ليس سهلاً؟

– بالتأكيد؛ لكن دعنا ننظر إلى هذه الأصوات، فهناك أصوات جاءت بموجب التزام عقائدي بالتصويت للحركة، وهناك أصوات كثيرة جاءت نتيجة المال السياسي وترتيباته، بالإضافة إلى أن كون الحركة الأكثر تنظيماً يجعل هناك أفضلية لها في القدرة على الحشد؛ لذا عندما خرج المواطنون في الشارع لم تجد مَن يدعمها، فهناك فارق كبير بين أن تنتخب حركة أو حزباً ولديك نوع من التعاطف أو ربما مصلحة مستقبلية معه، وبين أن تنزل إلى الشارع للدفاع عنه وتقاتل من أجله.

استغلت النهضة الانتخابات لفرض سيطرتها – أرشيف

* هل تعتقد أن شعور الإخفاق والفشل في الإدارة السياسية وصل إلى مؤيدي “النهضة”؟

– هناك توافق في الأوساط التونسية على إخفاق “النهضة” وسياساتها، وهذا الأمر ليس فقط لدى معارضيها؛ ولكن حتى بداخلها، الأمر الذي دفع قيادات مثل سمير ديلو، لرفض وصف قرارات الرئيس بالانقلاب على الدستور؛ فهناك غضب حتى لدى الشباب وانقسامات بداخلها، وهو أمر سيؤثر على مستقبلها السياسي والاجتماعي وسيلقي بظلاله؛ خصوصاً أن نظرة الشباب إلى راشد الغنوشي اليوم بأنه تسبب في إسقاط الحركة، وهناك رغبة في تجديد الفكر وطريقة إدارة العلاقة مع باقي القوى السياسية والتيارات في المجتمع التونسي؛ وهو ما قد يدفع نحو ثورة كبيرة بداخل الحركة، وهو أمر سيؤثر على وجودهم في الانتخابات؛ فإذا أُجريت انتخابات قريباً فلا أعتقد أنهم سيكونون قادرين على المشاركة.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

كيو بوست

صحفي، عضو نقابة الصحفيين المصريين، ومعد تليفزيوني. خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، حاصل على دبلوم في الدراسات الإسرائيلية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ودبلوم في الدراسات الإفريقية من كلية الدراسات الإفريقية العليا. وباحث ماجستير في العلاقات الدولية. عمل في العديد من المواقع والصحف العربية؛ منها: (المصري اليوم)، (الشروق)، (إيلاف)، بالإضافة إلى قنوات تليفزيونية منها mbc، وcbc.

مقالات ذات صلة