الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“الجنازة” والناجي الأخير من مذبحة “الحواشيش”

كيوبوست- خالد بن سليمان العضاض

وصلت مجموعة صغيرة من الرجال والنساء، وهي في غاية الخوف والهلع والترقُّب من أن يعود جيش ابن رشيد أدراجه، وهي تتفقد ما يزيد على أربعين جثةً من ذويها ملقاة على أرض روضة مهنا[1].

روضة مهنا ملاصقة للصريف.

 كانت الرؤوس مفصولةً عن الأجساد بطريقة بشعة؛ جثث بعضها فوق بعض.. لم يفرق السيف بين رجل عجوز أو مرأة أو طفل؛ كلهم قُتلوا على الطريقة ذاتها. صرخ أحدهم أن ثمة قلبًا لم يزل ينبض. تجمَّع القوم، فوجدوا رجلًا لم يحز سيف ابن رشيد رقبته كما ينبغي، فسقط مغشيًّا عليه من هول الموقف وهول الضربة التي لم تقتله، وظل الموت ينازع الحياة فيه؛ حتى أسعفه أهله في الرمق الأخير، إذ قام الأهل بوضع الملح في خرقة مع غمسه بالدهن المغلي ولسع موضع ضربة السيف؛ ليلتئم الجرح ويجتمع بعضه إلى بعض، وظلوا على هذه الحال حتى شُفي “ابن فضل”، الناجي الأخير في مذبحة “الحواشيش”.

اقرأ أيضًا: في عيد ميلادها الـ89.. السعودية وتحالفاتها الإسلامية

والحكاية من البدايات الأولى وما قبلها، حينما رفض الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي آل سعود، أن يظل في الرياض بعد سقوطها سنة 1891م (1309هـ) في يد محمد العبد الله الرشيد، ورفض عرض ابن رشيد أن يبقى حاكمًا باسمه على الرياض، وفضَّل الانسحاب بعائلته إلى الصحراء؛ حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وبهذا بسط محمد العبد الله الرشيد نفوذه على كامل نجد.

الإمام عبد الرحمن الفيصل آل سعود

لم تبلغ قوة حكم حكام حائل الرشيد ما بلغته في زمن محمد هذا الذي توفي بذات الجنب في 1889م (1315هـ)؛ إذ أصبح بعد جهاد طويل حاكمًا على نجد بأكملها، وامتدت سلطته إلى تدمر وجبال حوران. وبعد موته وُرِّث هذا الحكم لابن أخيه عبد العزيز المتعب العبد الله الرشيد، الذي ناهز الأربعين سنة حينها.

“الجنازة”، هكذا كان يلقبه أهل حائل، فهو موتٌ متحرك بينهم، لا يهاب المنايا، ولا يعرف الخوف طريقًا له، غليظ الطبع، قاسي القلب، منزوع المشاعر، تُروى عنه قصص وحكايات في هذا الصدد، أشبه بالأساطير، كان يلبس ثوبًا أسود في المعارك، ويقول “هذا كفني”، فأُطلق عليه لقب “الجنازة”، وهذا وَفق أشهر الروايات العديدة حول اللقب والتسمية.

عبد العزيز المتعب العبد الله الرشيد

فرَّط عبد العزيز المتعب في إرث عمِّه محمد العبد الله، وازداد ضعفه؛ بسبب حروبه وملاحقته لإغراءات العثمانيين، طمعًا في نفوذ أكبر وسلطة أعلى، وكلما قربت ساعة منيته ازداد ضعفًا وشراسة أيضًا وطغيانًا كعادة ذوي النفوس المتمردة القلقة الطاغية مع ضعف الحال وقلة الحيلة.

كانت نقطة الضعف التي مُني بها حكم عبد العزيز المتعب هي مجافاته للسياسة التي تتطلب المهادنة والكر مع الفر، واعتمد على القوة وحدها، وتوهَّم أنها سبيلٌ لمد النفوذ والسيطرة، وكان لا يدخل “حائلًا” إلا لمامًا طيلة سنوات حكمه الثماني؛ بسبب انشغاله بحروبه الصغيرة مع ابن صباح، ومنافسته، حينما أقامته الدولة العثمانية حاميًا لمشروع السكة الحديد وخط التلغراف من الشام إلى المدينة، وجعلته غصةً في حلق الشيخ مبارك الصباح، الذي فضَّل الإنجليز كحليف على العثمانيين.

حدود الحكم الذي ورثه عبد العزيز المتعب من عمه محمد العبد الله

اقرأ أيضًا: مقالات: جهيمان ومأساة المهدي عبر التاريخ

غير أن القدر السيئ والحظ العاثر ساقا عبد العزيز المتعب الرشيد إلى الوقوف أمام عظمة الحلم السعودي، واسترداد ملك آل سعود؛ فكانت نهايته المأساوية التي تنسبها عجائزنا في نجد إلى ظلمه لـ”الحواشيش” وقتلهم صبرًا، في روضة مهنا قرب مدينة بريدة.

المؤرخ الشيخ إبراهيم بن عبيد، في تاريخه “تذكرة أولي النهى والعرفان”، جزم بأن فعلة عبد العزيز المتعب بـ”الحواشيش” ظلت تطارده في أحلامه، كما طارد سعيد بن جبير الحجاج في أحلامه، فلم يكن ابن رشيد يَهنأ بنوم؛ بسبب الكوابيس، حتى لقي مصرعه بعد هذه الحادثة بشهرَين فقط.

كان من عادات أهل نجد، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، خروج الفقراء إلى الفيافي المعشبة، يحتطبون ويجمعون الحشائش؛ ليعودوا بها إلى بلداتهم، فيبيعون بعضها ويستفيدون من الدرهيمات القليلة، والبعض يضعونه علفًا للماشية الهزيلة التي تدر بعض الحليب، وكانت لا تتجاوز البقرة الواحدة ومجموعة صغيرة من الماعز ربما بلغت ثلاثًا في أمتن الأحوال. في ذلك اليوم الغابر الذي لم تغب شمسه على خمس وأربعين فردًا ما بين رجل فتي وشيخ طاعن في السن، ومجموعة نسوة مع أطفالهن، غالبهم ،كما تقول الروايات، من أهل بريدة، وقليل من البلدات المجاورة لروضة مهنا.. خرج هؤلاء النفر إلى الروضة المزهرة التي ملأ الربيع جنباتها، يبتغون بعضًا من الكلأ والعشب والحطب لسوقهم؛ استرزاقًا من ورائها، وبقايا منها لماشيتهم التي تشاركهم المسكن في بعض البيوت.

صورة أخرى لروضة مهنا- “العربية.نت”

كان جيش عبد العزيز المتعب، الذي ما زال يتجرَّع مرارة هزيمته النكراء في معركتَي البكيرية 1904م (ربيع الثاني 1322هـ) والشنانة 1904م (رجب 1322هـ)، يجوب نجد كالرجل الضليل، ويتذكر بحرقة كيف أبلى أهل القصيم في المعركتَين الأخيرتَين تحت راية عبد العزيز بن سعود؛ ما زاد من حقده وحنقه عليهم. كان “الجنازة” بعد الهزائم المتلاحقة التي مُني بها من قِبَل عبد العزيز بن سعود، قد أقسم على أن لا يمس النساء، ولا يدخل “حائلًا” حتى ينتقم لنفسه، وتأخَّرت عليه كل فرص الانتقام والبر بقسمه؛ مما زاد شراسته وحقده سوءًا إلى سوء، وفي ركضه الدائم خلف انتقامه في أرجاء القصيم، وافق ذات صباح في عام 1906م (أواخر 1323هـ)، في روضة مهنا، المجموعة التي كانت تقوم بجمع الحشائش النابتة بفعل المطر، في جو ربيعي بديع، لم ترق له مشاعر ابن رشيد أو قلبه؛ فأمر جنوده بجمع الخمسة وأربعين رجلًا وامرأة وطفلًا في حبل واحد مقيدةً أيديهم خلف ظهورهم، وأمر سيافه بجز الرؤوس، فتنادى به بعض أصحابه بأنهم قوم ضعاف لا حيلة لهم ولا قوة؛ فخطابهم بكل الجبروت والطغيان الذي نزل على الأرض تلك اللحظة، بأنهم لن يتوانوا عن نصرة ابن سعود والحرب معه تحت رايته.

اقرأ أيضًا: رأس المال الديني.. وتجلياته في الحالة السعودية

بدأ ابن رشيد المجزرة، حتى جاء الدور على رجل طاعن في السن معه طفل صغير لم يتجاوز العاشرة؛ فقال الشيخ العجوز: “دع هذا الطفل، فورائي بنات أيامى لا حول لهن من بعدي ولا قوة”، ففتر فم العابس عن ابتسامة استخفاف؛ فأمر الجلاد أن يجز رأس الطفل أمام والده أولًا، ثم يثني بالشيخ الهرم.

مضى ابن رشيد، مخلفًا وراءه خمسًا أربعين جثة، وقد دقّ بفعلته تلك آخر المسامير في نعش جنازته الحارة.

ظلَّت صورة الشيخ العجوز تلاحق ابن رشيد في منامه وأحلامه؛ فكانت عينه تجافي النوم كل ليلة، حتى يوم مصرعه، وكان كما يُروى، يردد في سره وجهره: “وش لي والشايب وولده”.

الملك عبد العزيز آل سعود

بعد شهرَين في 1906م (صفر 1324هـ) وفي المكان ذاته، روضة مهنا، تقابل جيشا عبد العزيز بن سعود وعبد العزيز المتعب، وفي ليلة ثارت عواصفها واختلط حابلها بالنابل، فزع ابن رشيد من أمام ناره وقهوته، وانطلق يجاري قلقه وخوفه من سطوة السعوديين، فركب فرسه البهيم الأسود كقلبه؛ لتفقُّد قواته، فجال حتى وصل إلى الصفوف الأمامية لقومه الذين انتقلوا عنه دون علمه، ورأى في بصيص ضوء خافت راية تلوح، فنادى على صاحب الراية ظنًّا منه أنه حامل رايته الملقب بـ”الفريخ”، غير أنه لم يكن إلا “ابن مطرف” حامل الراية السعودية؛ وكان ابن مطرف يعرف ابن رشيد وصوته، فنادى بصوته الجهوري “ابن رشيد يا طلابته”، فانهمر الرصاص عليه، فكان مصرعه وخاتمته السوء. بعدها نُصب رأسه في وسط سوق بريدة، في مكان ما زال يُعرف بين الناس إلى يومنا هذا بـ”قبة رشيد”، نسبة لأمير بريدة رشيد بن سليمان الحجيلاني آل أبوعليان (1253هـ)، وما زال الناس يطلقون على تلك السنة “سنة ذبحة ابن رشيد” أو “سنة ذبحة الحواشيش”.

صورة قديمة لموقع قبة رشيد-المصدر صحيفة الرياض
رسالة من الملك عبدالعزيز لجيران الروضة بعد عشر سنوات على حادثة الحواشيش يبلغهم بردع الغزاة ووضع أول ثكنة عسكرية-المصدر صحيفة الرياض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] روضة مهنا: تقع شرق منطقة القصيم، يحدها من الشرق نفود الثويرات، ومن الشمال العفجة، وتبعد روضة مهنا عن بريدة 35 كم، وعن الربيعية 15 كم، وعن النبقية 9 كم.

مراجع:

1.تاريخ المملكة العربية السعودية في ماضيها وحاضرها، صلاح الدين المختار، بيروت، دار مكتبة الحياة.

2.تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان، إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، الطبعة الأولى، 2007، الرياض، مكتبة الرشد- ناشرون.

3.شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، خير الدين الزركلي، الطبعة الثالثة، 1985، بيروت، دار العلم للملايين.

4.قلب جزيرة العرب، فؤاد حمزة، 1933، المطبعة السلفية ومكتبتها.

 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات