الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

“الجمر المدفون”.. وثائقي يسلط الضوء على التغلغل التركي- القطري في الصومال

كيوبوست

في يونيو 2020، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عملية سمَّتها أنقرة “مخلب النمر”؛ للهجوم على حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، متذرعاً بضرب “الإرهاب”، ومثلها قبل سنوات كانت العمليات الحربية الحدودية العلنية ضد الأكراد في شمال سوريا بتسمياتٍ مختلفة؛ بحجة الأخطار الحدودية، لكن مخالب أردوغان التي تضرب منذ زمن في بلدٍ بعيد جغرافياً كالصومال، تتغلغل بلا أية تسميات تحت غطاء إنساني في الظاهر، وفي الخفاء هنالك أهداف أخرى.

يروي وثائقي بثته قناة “سكاي نيوز عربية” بعنوان “الجمر المدفون”، كيف التقتِ المصالح التركية والقطرية في هذا البلد الذي يعاني ويلات الفقر والمجاعة؛ لإحكام السيطرة على البلد ومقدراته.

تعود بدايات الأطماع التركية في إيجاد موطئ قدم في إفريقيا، إلى مطلع القرن الحادي والعشرين، وكانت الأنظار تتجه نحو الدول ذات الأغلبية المسلمة، وبالمثل في عام 2008 استغلت قطر الصراعات في القرن الإفريقي؛ لبسط النفوذ بتجنيد التنظيمات المتطرفة إلى جانبها.

يقول علي هندي، خبير الشؤون الإفريقية في المركز المتقدم للسياسات، إن قطر وجِدت من الناحية الأمنية عبر قوات حفظ سلام في بادئ الأمر، ثم استفادت من وجود الحركات الإرهابية، وبدأت تمهد للدخول إلى الصومال من هذه البوابة.

علي هندي

استقطبت قطر كوادر صومالية نافذة في الجهاز الأمني، وبدأت توجد في مناطق مهمة في الصومال.

في عام 2011 كانت أولى الخطوات التركية العملية عندما حطت طائرة رئيس وزراء تركيا أردوغان في مقديشو؛ بهدف معلن هو مساعدة الصومال الذي كان يعاني جفافاً ومجاعة مجدداً؛ لكن بحلوله في مقديشو رفع الستار عن مخطط تركي للتوغل في القرن الإفريقي.

عمل أردوغان على تنظيم اجتماعات دولية لمصلحة الصومال، وقدم المساعدات، وأشار بانطلاق رجال الأعمال الأتراك نحو مقديشو.

يقول ليفينت كينيز، الخبير في الشؤون التركية: “في البداية كانت السياسة التركية تجاه إفريقيا تتجه نحو عالم التجارة والأعمال؛ ولكن عندما استأثر أردوغان بالسلطة تحولت السياسات تجاه هذه الدول، ومنها الصومال، من تجارية إلى عقائدية”.

وتنطلق مشروعات أردوغان من خلفية حزبية؛ فالمصالح التركية في الصومال تديرها شركة قريبة من حزب العدالة والتنمية، ومن خلفية أخرى عقائدية ينجح أردوغان في تمريرها على العالم الإسلامي.

اقرأ أيضاً: أردوغان لن يتنازل عن الصومال واهتمامه منصب على ثرواته

حسب الخبير في الشأن التركي كينيز، فإن الطبقة المحيطة بأردوغان، والمقربين منه، يحبون إظهاره كمخلص للعالم الإسلامي ومنقذ للمسلمين، حتى إن كان عدد المضطهدين في تركيا يفوق ما هو في المنطقة.

وفي المقابل، شكَّل الشعب الصومالي أرضاً خصبة لتلقي المساعدات وقبول مشروعات أردوغان التي دشنها في البلاد، رغم أن تركيا التي تقول إن خدماتها للصومال تشمل تقديم منح لطلاب صوماليين، وهو أمر له وقع إيجابي في مقديشو، هي في الواقع تخدع الصوماليين؛ فقياساً لعدد الطلبة الأجانب في تركيا لا يشمل الصوماليين منهم نسبة تذكر، بواقع 0,05% فقط. وبينما تفتخر تركيا بأنها وجهة سياحية، وتسمح لمواطني عديد من الدول بدخولها دون تأشيرة، فإنها تستثني الصوماليين والفلسطينيين، على سبيل المثال.

معالم السيطرة

بسطت تركيا سيطرتها على مطار مقديشو الذي باتت تديره شركة تركية، وكذلك الحال بالنسبة إلى ميناء مقديشو الذي يعتبر عجلة مهمة في الاقتصاد الصومالي، في معادلة غير متكافئة بين قوة إقليمية وبلد منهك مغيب عن الساحة الدولية.

اقرأ أيضًا: لعبةُ قطر “الخطيرة” في الصومال

تقول فارشا كوجوفايور، من مركز الدفاع عن الديمقراطيات: إن الناظر إلى العلاقة يدرك أنها علاقة يهيمن عليها طرف واحد؛ فالخطوط الجوية التركية هي الناقل الجوي الوحيد الذي يطير إلى الصومال، ومؤخراً تم توقيع مذكرة تفاهم تسمح لتركيا بالتنقيب عن النفط وتكريره وإنتاجه في الصومال.

شكَّل النفط أحد أكبر دوافع أردوغان للوجود في الصومال، وقد لقي ذلك ترحيبًا من حكومة الصومال.

جانب من الوثائقي

يقول كينيز: إن أحد أحلام أردوغان هو الحصول على النفط من دول إفريقيا بتكلفة أقل؛ لإنقاذ الاقتصاد التركي المتدهور.

واستمراراً لعملية السيطرة، أنشأت أنقرة قاعدة عسكرية في مقديشو، أعلنت أنها تهدف إلى تخريج جنود وضباط صوماليين؛ لكن ما يطفو على السطح لا يشير إلى حقيقة ما يجري، فالجنود الصوماليون يتلون القَسم باللغة التركية في القاعدة التركية.

يقول خبراء: إن هذه القواعد العسكرية لم تمنع من أن يكون الصومال عرضة للانفجارات؛ فالجهاز الأمني الصومالي الذي بدأ يتدرب على يد تركيا بمساعدة قطرية، لم يكن حصناً أميناً، وبدأت عناصره التابعة لقطر وتركيا تستغل وجودها؛ من أجل تنفيذ أجندات وليس من أجل حماية أمن الصومال.

زيارة أردوغان إلى الصومال 2016- أرشيف

التحالف القطري- التركي

لم يعد مستغرباً أن أكبر سفارة تركية في العالم تقع في مقديشو؛ للأهمية التي يوليها أردوغان لهذا البلد. وبينما انهمكت تركيا في نشاطها العملي في الصومال، انكبت قطر على العمل من وراء الكواليس. لم تخصص الدوحة ميزانياتها الضخمة لبناء القواعد فحسب، بل ركزت على العمل في الخفاء؛ لتكوين منظومة سرية تخدم مصالحها.

اقرأ أيضاً: الخطط التركية لتعزيز نفوذها الاقتصادي في الصومال

يقول الخبير علي هندي علي: إن النظام القطري وجد في المشروع التركي سنداً كبيراً؛ فهو يعرف تماماً أن إمكاناته لا تسمح، فاستفاد من الخبرة العسكرية التركية، وبالتالي يريد أن يضع لنفسه موضع قدم في هذه المنطقة يستطيع من خلالها محاصرة مخاوفه الدائمة بأن هناك تكتلات خليجية ضده.

ويضيف علي أن قطر استغلت معرفتها ببعض التفاصيل الدقيقة التي مكنتها منها العناصر الصومالية في معرفة أسرار كثيرة، وتعيين رجال في الأمن الصومالي تابعين لها بشكل مباشر، وقد وجِّهت اتهامات مباشرة إلى هذه العناصر بمساعدة حركة الشباب الإرهابية.

وفي هذا الصدد، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنوة، فيديريكو دونيللي: إن قطر راهنت على هذه التنظيمات الإسلامية التي يعتبرها كثير من المراقبين والمؤسسات الدولية جماعات إرهابية.

عناصر تابعة لحركة الشباب الصومالية الإرهابية – أرشيف

يعود ذلك التوجه إلى الاضطرابات التي شهدها العالم العربي عام 2011؛ حيث استغلت قطر الأوضاع وقررت أن تعزز من انتشار هذه الجماعات، وشجعت نشأة جماعات كهذه على خلق نظام سياسي جديد، والنموذج الأهم هو تنظيم الإخوان في مصر، وفقاً للخبير دونيللي.

وتقول فارشا كوجوفايور، من مركز الدفاع عن الديمقراطيات، إن هناك ادعاءات متزايدة بأن قطر موَّلت حركة الشباب الإرهابية، وإن هناك شبهات تحوم حول نشاطات جمعيات خيرية قطرية في مناطق نفوذ الشباب.

عمليات إرهابية أثارت الشكوك

يعرض الوثائقي حادثة وقعت عام 2019، اغتيل فيها مدير مرفأ بوساسو، الذي تديره شركة “dpworld” العالمية المتخصصة في إدارة المرافئ، ومقرها دبي، وأعقب ذلك تفجير إرهابي في المدينة الصومالية.

جاءت الصدمة بعد تلك الحادثة بوقت من صحيفة “نيويورك تايمز” التي أعلنت أن لديها تسجيلاً صوتياً يثبت مسؤولية قطر عن الأعمال الإرهابية.

اقرأ أيضًا: قطر في شرق إفريقيا: تنافس جيوسياسي يهدد استقرار المنطقة

في التسجيل تحدث خليفة كايد المهندي، وهو رجل أعمال قطري، إلى سفير قطر في الصومال، قائلاً: “كما تعرف، الجهة التي كانت خلف أحداث الميناء نحن نعرفها، ومرتبون معها ترتيباً مسبقاً، نحن نقصد أحداث عنف”.

لم تنفِ الدوحة التسجيل؛ بل نفت بشكل قاطع أن يكون للمهندي علاقة بالحكومة والنظام القطري؛ لكن المهندي كان في الوفد المرافق لأمير قطر أثناء زيارة قام بها إلى إندونيسيا، وفقاً لما كشف عنه الإعلام الإندونيسي الذي طلب منه عدم تغطية الزيارة؛ لكن أسماء الوفد المشارك سُربت للإعلام.

وإن كانت هذه الحادثة لا تشير بشكل قاطع نحو تورط قطر، فإن دلائل أخرى تتكشف عبر تدريب الأخيرة ضباط الاستخبارات في الصومال، وامتلاك علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات الصومالي من بوابة فهد ياسين، الصحفي الذي عمل سابقاً في قطر، ثم مديراً لمكتب الرئيس الصومالي؛ وهو الآن يتزعم الاستخبارات الصومالية.

يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة جنوة فيديريكو دونيللي: إن فهد ياسين أحد أهم الشخصيات التي أسست العلاقات بين التنظيمات الإسلامية الصومالية وقطر، وهكذا تمكن من توسيع نفوذه في الصومال وحكومتها.

ويعرض الوثائقي ترجمة لمقال كتبه مدير الاستخبارات الصومالي السابق عبدالله محمد علي، تحت عنوان “على الصومال أن ينقذ نفسه من قطر”، يقول فيه: إن ويلات الصومال تنبع من التحالف الآثم مع قطر، ومن النفوذ الخبيث الذي تمارسه الدوحة على السياسة الصومالية.

مدير الاستخبارات الصومالي السابق عبدالله محمد علي – أرشيف

ويضيف أن رئيس الصومال انصاع لقطر وخفَّض العلاقات الاستراتيجية العميقة التي تربط الصومال بدول الخليج ومصر، لافتاً إلى أن فهد ياسين “فكك أهم عناصر جهاز الاستخبارات وطرد أصحاب الخبرة، وعيَّن مكانهم متملقين هواة؛ ليخدم سياسات قطر”.

اقرأ أيضًا: قطر تستغل هشاشة الوضع الأمني في الصومال لتعزيز علاقاتها مع الميليشيات المتطرفة

وعبر هذه العلاقة المتشابكة، تم فك أسرار إطلاق سراح الرهينة الإيطالية سيلفيا رومانو، في مايو من عام 2020، من قِبل حركة الشباب الإرهابية بعد احتجازها لنحو عامين. إذ تعاونت أجهزة الاستخبارات التركية والإيطالية مع الجهاز الصومالي الذي يديره رجل قطر ذو الخبرة في التنظيمات الإرهابية. ووفقاً لخبراء، فإن قطر أدت دور الوسيط بين تركيا وحركة الشباب.

رغم التحالف بين القوتين؛ القوة المالية المتمثلة في قطر، والقوة الإقليمية المتمثلة في تركيا؛ فإن الصومال الذي لديه كمية كبيرة من البترول والغاز والمعادن لا يزال يرزح تحت المجاعة والفقر، وفي حين وضعت تركيا عينها على هذه الثروات الطبيعية غير المستغلة، فإنها لم تستطع توفير عون حقيقي للبلد الفقير.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة