الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الجماعات الجهادية تغري شباب تنزانيا.. وحالات اختفاء بالعشرات

مراقبون يرصدون ظاهرة انتشار التشدد بين شباب جزيرة زنجبار التنزانية وظهورهم في صفوف تنظيمات متطرفة

المغرب- حسن الأشرف

ماذا يحدث في جزر زنجبار التابعة لدولة تنزانيا في إفريقيا؟ هل يمكن تفسير حالات اختفاء عدد من شباب ورجال المنطقة بالتحاقهم بالجماعات الجهادية “احتجاجاً” على “الانفتاح السياحي” المعروف في الجزر؟ أسئلة بات يطرحها العديد من العائلات في هذه المنطقة، وتردد صداها في وسائل إعلام دولية، وتلقفها محللون وخبراء للنبش في خلفيات هذه القضية.

وتتحدث مصادر إعلامية دولية عن “اختفاء” أكثر من 20 شاباً في جزيرة زنجبار منذ شهر أغسطس الماضي، لتظهر مؤشرات على أنهم التحقوا بالجماعات المتطرفة في إفريقيا وباقي بؤر التوتر في العالم، بينما يبدي مراقبون قلقهم من هذا الوضع الجديد بالنظر إلى أن المنطقة معروفة بوضعها الأمني المستقر وتعايشها السلمي، بخلاف المناطق الإفريقية المجاورة الملتهبة.

 اقرأ أيضاً: عوائق التنفيذ الناجع لبرامج مكافحة التطرف العنيف في إفريقيا

موجة اختفاءات

صحيفة “الغارديان” البريطانية، فتحت مؤخراً ملف اختفاء في أوساط شباب زنجبار، واقتفت أثر الشباب المختفين من خلال تصريحات عائلاتهم وأقربائهم ومؤشرات أخرى تدل على التحاقهم بتنظيمات جهادية متطرفة؛ هروباً من واقع الانفتاح في هذا الأرخبيل الذي لم يقبلوا التعايش معه.

ووَفق تحقيق الصحيفة البريطانية، فإن حالات الاختفاء تتكاثر في زنجبار، غير أن “ثقافة التستر حول الإرهاب تدفع العائلات إلى عدم البوح بما يقع، فتركن إلى الصمت”، مستدلةً بحالة تعود إلى 16 أغسطس الماضي، عندما تلقت الشرطة في زنجبار بلاغاً عن شخص مفقود ترك منزله في الجزيرة متوجهاً إلى “وجهة غير معروفة”، فكان هذا هو الأول من بين سبعة تقارير تلقتها الشرطة في ذلك الشهر عن شباب تتراوح أعمارهم بين 19 و36 عاماً اختفوا في ظروف غامضة من الأرخبيل التنزاني.

ماذا يحدث في جزر زنجبار التابعة لدولة تنزانيا في إفريقيا؟

مظاهر تشدد

ووفق المصدر ذاته، فإن هناك مؤشرات متطابقة تجمع هؤلاء المختفين من زنجبار؛ على رأسها أنهم صاروا أكثر ميلاً للعزلة والانفرادية، وأكثر تشدداً في معتقداتهم الدينية، كما أنهم عبروا أكثر من مرة عن رفضهم ما سموه “ارتفاع الفواحش” في الجزيرة، في إشارة إلى الانفتاح السياحي هناك، علاوة على أنهم باتوا حريصين على اتباع خطب وتوجيهات “عبود روغو محمد”، الداعية الراحل والمثير للجدل المتهم بالارتباط بمتمردي حركة الشباب الصومالية.

وتعتقد عائلات عدد من المختفين أن هؤلاء غادروا الجزيرة إلى حيث الجماعات الجهادية؛ إذ عثرت إحدى العائلات على رسالة تركها ابنها البالغ من العمر 19 عاماً، يقول فيها إنه ذاهب “للقتال من أجل الإيمان”، ونفس الوضع ترويه صابرينا خميس، 32 عاماً، فنانة حناء من ميتشنزاني في زنجبار، قالت إن زوجها سلطان موسى صادق، 36 عاماً، اختفى عندما كانت حاملاً في شهرها السادس.

صابرينا خميس- (صورة: الغارديان)

وتقول خميس لـ”الغارديان”: إن سلوك زوجها بدأ يتغير في أبريل خلال شهر رمضان؛ حيث إنه بات حريصاً على اتباع تعاليم روغو، وكان في ما قبل سعيداً لمشاهدة أطفاله الرسوم المتحركة على التليفزيون؛ لكنه تغيَّر ليفرض على أسرته الاستماع بشكل حصري إلى خطب روغو.

وتحت ضغط العائلات للتحقيق في حالات الاختفاء، صرَّح مفوض شرطة زنجبار، حمد خميس حمد: “لا أريد أن أستبعد تماماً احتمال أن يكون البعض قد ذهب للانضمام إلى الجماعات الإرهابية”، بينما وجَّهت الرئيسة سامية صولحو حسن، قوات الشرطة، إلى زيادة الجهود الأمنية في زنجبار، قائلةً إنها “ضعيفة”، والجزيرة “غير آمنة” وحدودها “مليئة بالثغرات”.

تمدد التطرف

إدريس لكريني

ويعلق الدكتور إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية ومدير مختبر تحليل الأزمات والسياسات، على الموضوع بالقول: إن تنامي هذه الاختفاءات وسط الشباب داخل هذه الجزيرة المعروفة بهدوئها وتعايشها يطرح أكثر من سؤال؛ خصوصاً أن هذه الجزيرة تابعة للدولة التنزانية المعروفة كذلك بتدبيرها البنَّاء للتنوع الاجتماعي واستقرارها مقارنةً مع مجموعة من الدول الإفريقية.

وأوضح لكريني، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن الأسئلة التي تطرحها ظاهرة اختفاء الشباب داخل هذه الجزيرة تتعلق بموضوع ما زال يتسم بنوع من التكتم داخل الأوساط الرسمية في البلد، كما أن تنزانيا وسلطات زنجبار على وجه الخصوص تفضلان ربما عدم التهويل من الموضوع، بالنظر إلى تبعاته السياسية والأمنية وتداعياته على قطاع السياحة.

اقرأ أيضاً: كيف أسهم المغرب في مكافحة التطرف في إفريقيا؟

واستطرد المحلل ذاته بأن “تنامي ظاهرة التطرف داخل هذا البلد يحيل إلى أن التطرف والإرهاب لم يستثنيا أي بلد ولا يزالان في تزايد مستمر؛ الشيء الذي يحتم استحضار العوامل التي تغذي هذا النوع من الفكر والأيديولوجيا؛ خصوصاً في المناطق المعروفة بتنوعها وانفتاحها”.

ولفت لكريني إلى أن هناك عوامل كثيرة تُسهم في تنامي هذه الظاهرة المرتبطة بالتحاق الشباب ببؤر التوتر في الجوار أو في مناطق إفريقية أخرى أو حتى خارج القارة السمراء، مورداً أننا أمام ظاهرة عابرة للحدود أصبح فيها الإرهاب يتمدد بشكل غير مسبوق، مستخدماً في ذلك التحولات الرقمية ومستغلاً أيضاً الهشاشة الاجتماعية والتربوية والنفسية، التي تستغلها هذه الجماعات الإرهابية رغم ما تعرضت إليه من ضربات وضغوطات أفضت إلى مقتل العديد من زعماء “القاعدة” و”داعش”.

عناصر متطرفة- أرشيف

وإلى جانب السلطات التنزانية، يضيف لكريني، “هذا الواقع يسائل مختلف البلدان الإفريقية والمجموعة الدولية والأمم المتحدة؛ في سبيل الحد من تفاقم هذه الظاهرة التي ما زالت في بدايتها، كما يتعين الاشتغال بقدر كبير من المسؤولية والكفاءة للحيلولة دون تنامي التطرف داخل عدد من البلدان الإفريقية المعروفة بتسامحها وتدبيرها للتنوع والتعايش بشكل سليم وبناء”.

خطر “الإسلام السياسي”

أحمد عصيد

من جانبه، يتناول الكاتب والباحث المغربي أحمد عصيد، الموضوعَ من زاوية أخرى؛ إذ يقول: “إن معاناة الدول الآسيوية والإفريقية من التطرف السلفي العنيف والتطرف الإخواني، تعود إلى أكثر من ثلاثين سنة؛ إذ ظهرت ملامح تأثير هذه الأيديولوجيا المتشددة في كل من الصومال وكينيا وموزمبيق، وكذا في بلدان الشرق الأقصى؛ مثل ماليزيا وإندونيسيا وما جاورهما، حيث ظهر تغير كبير على طباع الناس وأسلوب حياتهم ومعاملتهم مع غيرهم”.

وذكر عصيد، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، أن هذه البلدان؛ سواء الإفريقية أو الآسيوية، تمتلك ثقافات تقليدية متسامحة للغاية، وتقوم أساساً على احترام الآخر وتقديره ومعاملته بلطف زائد؛ لكن اقتحام الإسلام السياسي هذه البلدان أدى إلى شيوع العنف واللا تسامح بشكل كبير، وهذا ما يفسر ما يحدث في “زنجبار” المتاخمة لهذه البلدان في شرق إفريقيا، والتي لم تنجُ من تأثير الأيديولوجيا الدينية الإسلامية المتطرفة.

 اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

واستطرد عصيد: “مع التطورات الجديدة في موضوع الإرهاب وما حدث في العراق وسوريا من ظهور تنظيم داعش الإرهابي، تزايد تأثير التنظيمات المتشددة في إفريقيا، إلى درجة أن بلداً مثل أنغولا Angola  أعلن الإسلام ديانة محظورة على أراضيه، كما قام بتخريب وهدم جميع المساجد وتحويلها إلى مساحات خضراء”.

أما في زنجبار وكينيا والصومال، يكمل عصيد؛ فقد كان لأيديولوجيا الإسلام السياسي المتشدد أفدح الأثر من خلال الدعوة الدينية التي انتهجها قبل سنوات بعض الدعاة المتطرفين، أمثال رجل الدين الكيني عبود روغو محمد؛ مما أفضى إلى الأعمال الإرهابية والتهديدات التي أصبحت تطول المراكز السياحية والشخصيات السياسية والفنية والمثقفين، وجعل بعض الخبراء يدقون ناقوس الخطر معلنين أن وحدة هذه البلدان أصبحت في خطر؛ إذ يهدد الإسلام السياسي بخطر التمزق والحرب الأهلية، وشيوع اللا أمن والفوضى.

احتجاجات سابقة في كينيا بعد مقتل الشيخ عبود روغو محمد

واسترسل: “هذا ما جعل حكومات المنطقة تضع خطة شاملة لمواجهة (الإرهاب الإسلاموي)، وتتضمن قوانين زجرية كثيرة، كما شرع بعضها في المواجهة العسكرية الفعلية للتنظيمات المسلحة”، مضيفاً أنه “يعزى لهذا التشدد الديني اختفاء العديد من الشباب الذين تصطادهم أحابيل التطرف ويقعون لقمة سائغة بين أيدي التنظيمات الداعشية؛ وهو ما يفسر اختفاءهم بين الفينة والأخرى، حيث ينضمون إلى جماعات تهدف إلى تنظيم العمل المسلح عبر تأطير وتدريب هؤلاء المختفين”.

وخلص المحلل ذاته إلى أن “مكافحة الإرهاب سواء كفكر أو عمل مسلح وحده غير كاف؛ إذ إن هذه البلدان تشكو أساساً من نسبة عالية من الفقر والهشاشة والجوع أحياناً وكذلك الجفاف، مما يجعل الباب المؤدي إلى القضاء على الإرهاب هو التنمية الحقيقية وضمان أبسط الحقوق للفئات الشعبية العريضة”، على حد تعبير عصيد.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة