الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

الجماعات الإرهابية والأطفال الأفارقة.. “جرائم فظيعة وانتهاكات جسيمة”

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

تتزايد المخاوف بشأن انتشار ظاهرة تجنيد الأطفال في الحركات الإرهابية والجماعات المسلحة المتمردة في أجزاء من غرب ووسط إفريقيا، وعادة ما يتم ذلك قسراً؛ إما عن طريق الاختطاف وإما التجنيد الإجباري وإما الإكراه وإما عن طريق الولادة داخل الجماعة المسلحة. ومع ذلك، لا يزال هناك أطفال ينضمون إلى الجماعات المسلحة بسبب الفقر المدقع أو الجهل المتفشي.

 

بعد ذروة العنف المرتبط بجماعة بوكو حرام بين عامَي 2014 و2015، تراجع عدد الأطفال المختطفين من قِبل الجماعة؛ بسبب قوة دفع الجيش النيجيري، بمساعدة من جيوش عدة دول مجاورة؛ مثل بنين والكاميرون وتشاد والنيجر، ما أجبر الجماعة على الخروج من عدة مقاطعات في شمال شرق نيجيريا، مركز ثقلها وحاضنتها الاجتماعية، إلا أنها ظلت محتفظة بالسيطرة على بعض القرى والجيوب، تنطلق منها لشن هجمات انتحارية مميتة وتنظيم حملات لاختطاف المدنيين؛ خصوصاً الأطفال والنساء، لكن هذه الحملات العنيفة ما لبثت أن عادت مُجدداً إلى الواجهة مطلع 2018، بينما هدأت نسبياً في العام التالي، لتبرز مجدداً إلى السطح تزامناً مع جائحة كورونا.

اقرأ أيضاً: هل يصنع “طباخ بوتين” من ثروات إفريقيا طبقاً روسياً شهياً؟

وفي الخامس من يوليو الماضي، اختطفت الجماعة نحو 150 طالباً من مدرسة في ولاية كادونا النيجيرية. وفقاً لتقارير صحفية وأممية، تبعتها سلسلة من حوادث اختطاف مماثلة من قِبل المنظمات الإرهابية؛ على رأسها “بوكو حرام” و”داعش”، بجانب الجماعات المسلحة المناوئة للحكومات أو أطراف النزاع الأخرى، استهدفت بشكل رئيسي طلاب وطالبات المدارس في أجزاء من غرب ووسط إفريقيا؛ خصوصاً نيجيريا وإفريقيا الوسطي وبوركينا فاسو والكاميرون والكونغو الديمقراطية والنيجر.

ووفقاً لمنظمة اليونيسف فإن إفريقيا تضم أكثر من 75% من إجمالي عدد الأطفال الذين يعيشون في مناطق النزاعات حول العالم، وإن عدد الأطفال المجندين قسراً في غرب إفريقيا تضاعف ما بين عامَي 2010 و2019، لأكثر من ثلاث مرات، بينما استخدمت جماعة بوكو حرام وحدها نحو 135 طفلاً؛ لتنفيذ عمليات إرهابية وانتحارية في نيجيريا.

ناقوس الخطر

طلاب مدارس دينية تابعة لـ”بوكو حرام” يتلقون تدريبات عسكرية- وكالات

الباحثة السياسية والصحفية ريتا مدني، تقول لـ”كيوبوست”: إن أول مَن دق ناقوس الخطر بصوت مسموع، كان رئيس النيجر محمد بازوم؛ فبعد أن تراجع الاهتمام الدولي بجرائم اختطاف وتجنيد الأطفال في غرب ووسط إفريقيا، أطلق بازوم صرخته، أثناء حديثه عن تداعيات وباء “كورونا”، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قائلاً: “إن الأطفال هم أول ضحايا الأزمات الإنسانية والأمنية”، ودعا المجتمع الدولي إلى معالجة النزاعات التي تهدد حماية الطفل، مستشهداً بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بأن 26 ألف طفل في 21 دولة حول العالم تعرضوا إلى انتهاكات جسيمة خلال عام 2021، مؤكداً أن هذا النوع من الانتهاكات متفشٍّ بشكل خاص في منطقة الساحل الإفريقي؛ حيث ازدادت الهجمات الإرهابية على المدارس 6 أضعاف منذ عام 2017، مشيراً إلى أن الفتيات، على وجه الخصوص، هن الأكثر عرضة إلى الخطر، مشدداً على ضرورة تطوير أنظمة لدعم هؤلاء الأطفال. وأضاف أن عمليات إعادة الإعمار وبناء السلام ينبغي أن تركز على أولئك الأكثر عرضة إلى الخطر، والذين تصنفهم الجماعات الإرهابية كأهداف سهلة.

اقرأ أيضاً: إفريقيا مسرحاً أمريكياً جديداً للحرب على الإرهاب

تضيف مدني: على الرغم من العمل الدؤوب والجيد للأمم المتحدة وشركائها لمعالجة هذه القضية؛ فإن الوضع يزداد سوءاً في العديد من البلدان، حيث نشأ جيل كامل من الأطفال في منطقة الساحل والصحراء بإفريقيا لا يعرفون سوى الحرب، وقد فاقم من الأمر استغلال الجماعات الإرهابية جائحة كورونا لتعزيز أنشطتها في مناطق ظلت إلى وقت قريب بعيدة عن مناطق نفوذها؛ مثل منطقة البحيرات العظمى، فقد ارتفع عدد الهجمات الإرهابية بنسبة 18% خلال النصف الأول من عام 2020، مقارنةً بنفس الفترة من العام السابق.

عودة عمليات الاختطاف

ريتا مدني

ووفقاً لمدني، فإن العام الجاري شهد الكثير من حوادث اختطاف الأطفال من الجنسَين؛ بغرض تجنيد الذكور واستخدام الفتيات في الأعمال الجنسية والخدمة المنزلية، وقد هاجمت مجموعة ذات صلة بـ”داعش”، في 6 يونيو الماضي، مركزاً دينياً في بلدة مامفي بالكاميرون، وقتلت صبياً يبلغ من العمر 12 عاماً، وجرحت آخر، بينما تم اختطاف الكثير من أطفال المدارس والمعلمين في شمال غرب وجنوب غرب الكاميرون؛ حتى إن الأمم المتحدة قدرت أن نحو مليون طفل في الكاميرون بحاجة إلى الحماية من العنف. كما شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2021، زيادة هائلة في انتهاكات حقوق الأطفال في جمهورية إفريقيا الوسطى؛ فقد زادت حالات العنف الجنسي المسجلة ضد الفتيات خمسة أضعاف مقارنةً بالعام السابق، بينما تضاعف عدد الحالات الموثقة للأطفال الذين تم تسجيلهم على أنهم قتلوا أو تعرضوا إلى التشويه بأكثر من 7 مرات مقارنة بالعام السابق.

اقرأ أيضاً: الصحراء تغدر بـ”الصحراوي”.. زعيم “داعش” في الصحراء الكبرى يتبدد في سرابها

وفي النيجر، قتلت الجماعات الإرهابية خلال هذا العام، ما يقرب من 300 شخص؛ بينهم 45 طفلًا، في هجمات منسقة على قرى في منطقتَي تيلابري وتاهوا، وأن 80% من الأطفال الذين يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية يتعرضون إلى العنف والاختطاف والتجنيد القسري ويُستخدمون في أعمال السخرة، تضيف مدني، وتستطرد: في الوقت نفسه قدَّرت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 950 طالباً نيجيرياً اختطفوا من مدارسهم على أيدي رجال مسلحين منذ ديسمبر الماضي، فضلاً عن اختطاف ما يقرب من 500 طفل في 4 حوادث منفصلة في أنحاء وسط وشمال غرب البلاد خلال العام الماضي. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد شهدت في الربع الأول من عام 2021 وحده، أكثر من 3400 انتهاك ضد الأطفال؛ مثل التجنيد في الجماعات المسلحة والاختطاف والقتل، بما يعادل 64% من إجمالي عدد الانتهاكات التي تم التحقق منها خلال عام 2020 بأكمله.

آليات وتكتيكات الخطف

طفلات من شمال نيجيريا مذعورات خشية اختطافهن- وكالات

بالنسبة إلى الباحث في الشؤون الإفريقية محمد عبدالباقي فضل السيد، فإن جماعتَي بوكو حرام وداعش وبعض الحركات المتمردة على الحكومات، تعتبر الأكثر انتهاكاً لحقوق الأطفال والنساء في القارة، حيث تعتمد تكتيكات متنوعة في الإيقاع بهم؛ بعضها ناعم مثل حضّهم على التعليم الديني واستدراجهم إلى المدارس الخاصة بهذه الجماعات، حيث يتوفر الغذاء والكِساء، وهذا أمر حيوي ومهم في مجتمعات تعاني الفقر والفاقة والبطالة، وفي هذه المدارس تتم عمليات غسيل أدمغة واسعة؛ بحيث يتحول هؤلاء الأطفال إلى متشددين يكفرون المجتمع ويعتنقون الفكر الجهادي المتطرف، فيرتبطون بهذه الجماعات التي مدَّتهم بالمال والتعليم والنفوذ الاجتماعي ارتباطاً مادياً وروحياً. في المقابل، فإن نفس الجماعات تستخدم آلية الاختطاف حال فشل التكتيك الأول؛ حيث توصلت دراسة حديثة صادرة في فبراير 2021 عن منظمة “بلان إنترناشيونال”، إلى أن 37% من الجماعات الإرهابية والمسلحة تفضل اللجوء إلى اختطاف الفتيات؛ بحيث يتم توظفيهن في تقديم الخدمات الجنسية وأعمال الطهي ورعاية الأطفال والترجمة والأعمال الكتابية، وتشجيعهن على حمل السلاح وتنفيذ العمليات الانتحارية؛ وأنه خلال الفترة ما بين 2014 و2016، استخدمت الجماعات الإرهابية الفتيات المختطفات في تنفيذ 75% من الهجمات الانتحارية في نيجيريا وحوض بحيرة تشاد.

خدمات جنسية لإنتاج جيل جديد من الإرهابيين

محمد فضل السيد

بالنسبة إلى فضل السيد، فإن الهدف الأساسي من خطف الفتيات هو مد التنظيمات الإرهابية بأجيال جديدة من المقاتلين عبر تزويجهن قسراً بقادتها ومقاتليها، عبر استغلالهن جنسياً، وإن كل الجماعات الإرهابية النشطة في أجزاء متفرقة من إفريقيا؛ خصوصاً غربها ووسطها، ترتكب مثل هذه الاعتداءات بحق الفتيات المخطوفات، وهذا ما كشف جزء منه تقرير صادر عن “اليونيسف”، أشار إلى أن 29% من الفتيات اللاتي أُفرج عنهن من قِبل هذه الجماعات خلال الأعوام بين 2018 و2020 في جمهورية الكونغو، تعرضن إلى الاغتصاب أو العبودية الجنسية أو الزواج القسري.

يعتبر فضل السيد المجتمع الدولي متقاعساً عن القيام بدوره إلى حد كبير، لأن الإدانة وحدها لا تكفي إزاء تفاقم هذه الجرائم البشعة؛ فعندما يتعرض ملايين الأطفال الإفريقيين إلى انتهاكات جسيمة وفادحة ويتم دفعهم إلى الموت قسراً، وتعجز حكوماتهم عن حمايتهم؛ فإن على الأمم المتحدة القيام بخطوات قوية للحيلولة دون وصول هذه الجماعات إليهم، بجانب العمل على توفير سبل العيش الكريم وتأمين أنشطتهم اليومية المتمثلة في الذهاب إلى المدارس والعودة منها، أو جلب المياه، حيث غالباً ما يتعرضون إلى الخطف في مثل هذه الظروف.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة