الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

مراقبون لـ"كيوبوست": "تاريخياً استفادت السلطة من هذا الصراع.. لكن عليها اليوم مسؤولية إيجاد الحلول لرأب الصدع بين مكونات المجتمع"

الجزائر – علي ياحي

عادت “معركة” الهوية في الجزائر إلى الواجهة بقوة منذ طرح رئاسة الجمهورية مسودة الدستور الجديد للنقاش. ورغم أن الصراع لم يخفت منذ ما قبل استقلال البلاد في 5 يوليو 1962؛ فإنه لم يبلغ درجة التخوين والشتم والطعن في الأصول، مثل ما تشهده هذه الأسابيع مختلف المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي.

وفي وقتٍ كان الجميع فيه ينتظر حراكاً سياسياً حول ما جاء في مسودة الدستور من مقترحات مست مختلف مناحي الحياة، دفعت فئة من المجتمع إلى صراع غير مبرر بعد اهتمامها بنصوص تعتبر في الجزائر “مواد صماء”؛ أي غير قابلة للتغيير أو التعديل؛ حيث أثارت مسألة اللغة الأمازيغية، واعتبارها رسمية بعد اللغة العربية، الكثيرَ من الجدل، وسيطرت على المشهد سجالات حول أصول الجزائريين، واحتلال العرب للأمازيغ، وتفضيل “الفرنسية” لغة المستعمر على “الإنجليزية” لغة العلم، وغيرها من النقاط التي حرفت النقاشات عما هو أساسي إلى الهوامش.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. اتهامات للنظام باستغلال أزمة “كورونا” لتصفية الحسابات

صراع هوية

يوضح أستاذ التاريخ المعاصر؛ رابح لونيسي، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الصراع الهوياتي ليس جديداً في الجزائر؛ بل ولد بشكل كبير مع بدايات الاستقلال، بسبب أن الذين أخذوا السلطة بالقوة تبنوا هوية لا تتماشى مع الواقع الجزائري، وذلك عبر إقصائهم للبعد الأمازيغي، والذي كان من المفروض أن يكون إلى جانب الإسلام والعربية، موضحاً أن “النظام قد حاول في السنوات الأخيرة تدارك الخطأ المرتكب وتصحيح الوضع بمنح مكانة للبعد الأمازيغي ليس فقط كلغة؛ بل أيضاً كثقافة وعمق تاريخي للجزائر، بعد أن خلق نوعاً من الشرخ في المجتمع بتوسع ثقافة العداء للبعد الأمازيغي”.

أستاذ التاريخ المعاصر رابح لونيسي

ويشير لونيسي إلى أن الصراع بات يُثار من وراء ستار عبر الفضاء الأزرق، على أساس أوهام عرقية؛ بهدف إشعال حرب أهلية، موضحاً أن “المخطط بدأ بإثارة حرب ذاكرة وتخوين منطقة القبائل وتشويه كل رموزها؛ فكان لأبناء المنطقة رد فعل معاكس يشعل معركة بين أبناء الوطن الواحد”.

نقرأ مثلاً على مواقع التواصل الاجتماعي: “إننا نريدها أمازيغية أصيلة، تشكل امتداداً تاريخياً لمسارات وبطولات طارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين، ومحمد بن تومرت، ومحمد بن آجروم، ومحمد البصيري، وعبدالحميد بن باديس، والفضيل الورتلاني، والعربي التبسي، والعربي بن مهيدي، والعقيد عميروش.. وغيرهم من الأمازيغ الأقحاح، الذين رفعوا لواء العربية والإسلام، معتزين بهويتهم ومنافحين عنها في وجه الأعداء، إلا إذا كان هؤلاء الرموز العظام خونة أو مستلبين في نظر الأمازيغ الجدد، ممن غسلت المخابر الكولونيالية عقولهم بالأباطيل المزيفة”، و”لسنا ناكرين للأمازيغية الباديسية الوطنية؛ بل هي قضيتنا جميعاً، نتبناها لغة وثقافة وتراثاً في كنف الهوية الموحدة؛ لأننا نرفض القوميات العرقية النتنة، ونحلم بدولة مواطنة، نعيش تحت سقفها الواحد كجزائريين عرباً وأمازيغ”، هي تعليقات صادمة تختفي على فترات، إلا أنها سرعان ما تعاود الظهور مع كل مناسبة بشكل ينمِّي “الحقد والكراهية” المتبادلَين بين أطراف المجتمع، في ظل غياب الحوار الهادئ الذي من شأنه تعزيز الهوية ضمن أبعادها التاريخية، وتكريس الوحدة السياسية والحضارية والثقافية.

اقرأ أيضاً: أي مستقبل للمعارضة في الجزائر؟

إرث استعماري

وانتقلت المعركة من حلبة التاريخ بين “العرب والأمازيغ” إلى اللغة بين “الفرنسية والعربية”، بعد أن دعت أطراف إلى تجريم استعمال اللغة الفرنسية داخل المؤسسات والوثائق الرسمية؛ ما اعتبر استهدافاً للنخبة الفرانكفونية، بينما ترى جهات أخرى أن الخطوة أعادت نقاش الهوية إلى حقيقته؛ لأن “الأمازيغية ليست ضرة العربية”، وقد بلغ الأمر حد وصف الرافضين للمقترح بـ”أبناء فرنسا” الذين يريدون الوقيعة بين “العربية” و”الأمازيغية”؛ من أجل تموقع “الفرنسية”.

الإعلامي المهتم بالشأن السياسي رشدي شياحي، يذكر في حديث إلى “كيوبوست”، أنه ليس من العدل أن يوصف النقاش الدائر في الجزائر حول الهوية بـ”صراع الهوية”، مضيفاً: “أعتقد أن التوصيف غير موفق، إلا إذا كان يراد به خلق صراع فعلي بين مختلف الانتماءات والثقافات الجزائرية. فبينما تشيد الدول بتنوعها الثقافي وغناها بألسنة متنوعة وتقاليد متعددة، يسعى البعض إلى تصدير النقاش الدائر بالجزائر على أنه صراع هوية وقضية حياة أو موت”.

الإعلامي المهتم بالشأن السياسي رشدي شياحي

ويتابع شياحي: “إن المتابع لوسائل التواصل الاجتماعية يلاحظ كمية الضغينة التي استطاع للأسف بعض الأطراف أن يبثها بين أبناء شعب حريٌّ به أن يفخر بما يزخر به وطنه من موروث ثقافي”، فهذا البلد المتربع على مساحة تفوق مليونَي كيلومتر مربع، تتعدد ثقافاته كتعدد مناخه، ولا يمكن أن ننكر أن بعض الأطراف تتعصب لأيديولوجياتها وتستميت في محاولة تمرير مشروعاتها على حساب أخرى، بينما ترى فئة أنها قد بُخست حقها في وطن يجب أن يسع الجميع.

فكل طرف، حسب شياحي، يقرأ تاريخ البلاد وفقاً “لمواقفه الأيديولوجية وأهوائه السياسية”، وتبقى للسلطة قراءتها التي كثيراً ما وضعتها في موقف صدام لا تحسد عليه، وجعلها غير مؤتمنة الجانب، “فبعض التنازلات التي يقدمها الساسة تخفي وراءها محاولات استرضاء لجهة على حساب أخرى؛ لتحقيق مكاسب وليس من أجل طرح مشروع ينهي نقاشاً طال أمده”.

اقرأ أيضا: الجزائر.. حكومة الرئيس تبون بين الترحيب والتخوُّف والانتقاد

ويختم شياحي بالقول: “آن الأوان أن نستثمر في هويتنا كعامل بناء لا عامل تفرقة وهدم، فالخلل الموجود جوهره سياسي وظاهره هوياتي، وحاشا أن يكون الانتماء أو الهوية يوماً ما سبباً في تعثر التقدم والتطور”، وعلى السلطة الحالية، إن كانت لها نية لرأب الصدع الموروث عن سابقتها، أن تفتح ورَشاً ونقاشات حقيقية؛ لتجاوز هذا الفصل وحقن الضغينة التي انتشرت بشكل كبير بين أبناء وطن واحد.

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة