الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الجزائر.. حكومة الرئيس تبون بين الترحيب والتخوُّف والانتقاد

39 وزيرًا أغلبهم بشهادات عُليا.. وبعضهم من نظام بوتفليقة.. وعدم الإشارة إلى منصب وزير الدفاع يطرح أكثر من سؤال

علي ياحي – الجزائر

بين مرحب ومتخوف و”ناقم” تمحورت نظرة الجزائريين إلى أول حكومة بعد 10 أشهر من الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير الماضي، وأول حكومة بعد انتخاب خليفة الرئيس “المقال” عبدالعزيز بوتفليقة. ورغم أنها جاءت بشخصيات أغلبها جديدة وذات مستوى أكاديمي عالٍ؛ فإن غياب التجربة وعودة وجوه من النظام السابق أجَّلا التفاؤل إلى حين.

بعد حالات ترقُّب وسط ترحيب بإطلاق سراح معتقلي الحراك؛ وعلى رأسهم قيادات ثورية مثل لخضر بورقعة، ورجال أعمال ممثلون في الملياردير الإفريقي يسعد ربراب، وسياسيون كالجنرال المتقاعد حسين بن حديد، والإطار السابق بحزب جبهة القوى الاشتراكية المعارض كريم طابو، كشفت الرئاسة الجزائرية عن تشكيلة أول حكومة للرئيس الجديد عبدالمجيد تبون الفائز بانتخابات 12 ديسمبر الماضي، والمكونة من 39 وزيرًا؛ بينهم 7 كتاب دولة و5 نساء، يقودهم الوزير الأول عبدالعزيز جراد.

ووصف الناطق باسم الرئاسة محمد السعيد، الحكومة المعلن عنها بأنها “حكومة كفاءات، وتعبر عن الانطلاق الفعلي للتغيير في المجال الاقتصادي الذي انطلق فعلًا”، مضيفًا أن الحكومة ستجتمع الأحد القادم، مع رئيس الجمهورية؛ لوضع مخطط عملها لعرضه أمام البرلمان لنيل الثقة.

وعرفت الحكومة مزيجًا بين وجوه قديمة وأخرى جديدة، بعيدًا عن التمثيل الحزبي والأيديولوجي، مع استحداث وزارات جديدة؛ ما جعل الشارع يطلق عليها حكومة شعبوية جاءت لاسترضاء الحراك. كما تم تسجيل عدم الإشارة إلى منصب وزير الدفاع وكذا نائب وزير الدفاع كما جرت عليه العادة في بيان إعلان التشكيلة، رغم أن المادة 91 من الدستور تنص على أن “رئيس الجمهورية يضطلع بالإضافة إلى السلطات المخولة له صراحةً في أحكام دستورية أخرى، ھو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتولى مھمة الدفاع الوطني”، وهو ما طرح عديدًا من التساؤلات والتخوفات في نفس الوقت، على اعتبار أن مثل هذه الأمور لا يتم تجاهلها أو تجاوزها أو السهو عنها لولا وجود “حسابات أو خلفيات”.

اقرأ أيضًا: وفاة مفاجئة لقائد الأركان الذي تخندق مع الشعب ضد نظام بوتفليقة.. ما مصير حراك الجزائر؟

ويعتبر الفريق الراحل أحمد قايد صالح، الوحید الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع، وتم تعيينه بمرسوم رئاسي خاص في سبتمبر 2013، بعد إلغاء منصب وزير منتدب لدى وزير الدفاع؛ حيث أتاح للراحل قايد صالح ممارسة صلاحيات سياسية وعسكرية واسعة، كونه يحوز على عضوية الحكومة، كما أنه جرى تفويضه لشغل جزء كبير من صلاحيات وزير الدفاع؛ مثل حق تمثيل الوزارة في اجتماعات الحكومة، وفي اللقاءات المتعلقة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية حول الأسلحة، والاتصالات السلكية واللا سلكية والفضاء والأجهزة الحساسة، وكذا اقتراح مخططات التحويل والترقية والتعيين.

أستاذ القانون الدولي المحلل السياسي إسماعيل حفظ الله

يرى أستاذ القانون الدولي المحلل السياسي إسماعيل حفظ الله، خلال تعليقه لـ”كيوبوست”، أنه لا يمكن إصدار أحكام على التشكيلة الحكومية سواء بالسلب أو الإيجاب حتى تبدأ في العمل الميداني، “ولكن إذا تحدثنا عن الوزراء الذين احتفظوا بعضويتهم؛ مثل وزير العدل ووزير الشؤون الدينية؛ فإنه بإمكانهم تقديم أشياء إيجابية على الميدان”، موضحًا أن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية مرهونة بمستوى الكفاءة والتنسيق والتكامل بين الوزارات، ومشددًا على أن الواقع يفرض منطقًا واحدًا، وهو ضرورة النجاح في النهوض بالمؤسسات والقطاعات المختلفة عبر إيجاد الحلول الحقيقية واللازمة لكل المشكلات المطروحة، سواء ما تعلق بالجانب الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو الدبلوماسي؛ لكسب ثقة المواطن.

ويشير حفظ الله إلى أن الرئيس تبون اعتمد في اختيار تشكيلة حكومة الوزير الأول عبدالعزيز جراد، على الكفاءة والقدرة على تسيير هذه المرحلة الصعبة، “فلا مجاملات ولا موازنات سياسية وأيديولوجية وجهوية، وقال إنه لم يتم الأخذ بالمعيار الحزبي الأيديولوجي؛ لأن الطبقة السياسية مسَّها الفساد المالي والسياسي، وكانت محل رفض داخل مكونات الحراك، “ربما من هنا كان التركيز على حكومة تكنوقراطية أكثر منها سياسية حزبية”.

اقرأ أيضًا: الجزائر.. ما مصير الحراك الشعبي بعد انتخاب خليفة بوتفليقة؟

كما تم استحداث وزارات جديدة وإعادة بعث أخرى تمت إزاحتها خلال النظام السابق، غير أن ارتفاع عددها إلى 39 وزارة أثار الاستياء؛ بسبب الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد في ظل تراجع أسعار النفط وتدهور قيمة الدينار (العملة المحلية) وتدهور القدرة الشرائية وإفلاس آلاف الشركات، كما “أقلق” وجود وزراء من الجيل السابق في الطاقم الحكومي؛ مثل وزير الخارجية صبري بوقادوم، ووزير الطاقة محمد عرقاب، ووزير الداخلية كمال بلجود، ووزير المجاهدين (قدامى المحاربين) الطيب زيتوني، ووزير الصيد البحري سيد علي فروخي، ووزير الأشغال العمومية فاروق شيالي، ووزير السياحة حسان مرموري، ووزير المالية عبدالرحمن راوية.

ويعبر الكاتب والإعلامي المهتم بالشأن السياسي محمد دلومي، عن استيائه من العدد الكبير للوزارات، قائلًا في تعليق لـ”كيوبوست”: “إن الإعلان عن 39 وزيرًا ووزيرة يعني أن الحكومة المشكلة لإرضاء الخصوم وليس للقيام بمهام وطنية”، مشيرًا إلى أنه كان بالإمكان الاعتماد على مستشارين لدى الوزارات، موضحًا أن وجود بعض الوجوه المحسوبة على الرئيس السابق بوتفليقة كوزير المجاهدين الطيب زيتوني، المنتمي إلى حزب التجمع الوطني الديمقراطي، مخيب للآمال، مضيفًا أن عدم ذكر وزير الدفاع أو نائب وزير الدفاع يطرح أكثر من سؤال.

الكاتب والإعلامي المهتم بالشأن السياسي محمد دلومي

ويعتقد دلومي أنها حكومة تصريف أعمال رغم أن تعيينها كان في ظروف عادية؛ وهي حكومة ترضية أطراف أكثر منها حكومة لمواجهة التحديات.. “لكن هذا لا ينفي أن بعض الوزارات سيكون في مستوى التحديات؛ مثل وزارة العدل الذي أثبت وزيرها الذي بقي في منصبه كفاءته، وأيضًا وزير الصناعة الجديد المعروف عنه الكفاءة وتقديم كثير من الحلول، وأيضًا وزير الاستشراف”، مختتمًا بأن “الوزراء أصحاب شهادات عُليا ستثبت الأيام قدرتهم على تسيير قطاعاتهم”.

اقرأ أيضًا: رفع الراية الأمازيغية وتصاعد خطاب الكراهية.. هل تعاني الجزائر أزمة هوية؟

ويراهن كثير من الجزائريين على قدرة الحكومة الجديدة على إخراج البلاد من عنق الزجاجة وإحداث التغيير؛ خصوصًا في ظل إسناد خمس حقائب وزارية إلى العنصر النسوي من ذوات التعليم العالي، بالإضافة إلى منح الفرصة للشباب الأكاديمي بتعيين وزير منتدب للمؤسسات الناشئة، يبلغ من العمر 26 سنة؛ ليكون بذلك أصغر عضو في الحكومة، وكذا اعتماد قاعدة “الرجل المناسب في المكان المناسب”، عكس ما كان عليه الوضع سابقًا، حين سيطرت “الشرعية الثورية” و”الولاءات” على المناصب العليا ودواليب السلطة.

مسعود فلاح الأمين العام لمنظمة أرباب العمل والمقاولين

وفي السياق ذاته، ذكر مسعود فلاح، الأمين العام لمنظمة أرباب العمل والمقاولين، لـ”كيوبوست”، أنه من الصعب على وزراء الحكومة الجديدة تأدية مهامهم في الظروف الصعبة المحيطة بالجزائر، على جميع الجبهات الداخلية والخارجية؛ بسبب فقدانهم الحنكة والتجربة، موضحًا أن الحوار والتشاور بين الخبراء والمنظمات النقابية والعمالية والوزارات المعنية أهم السبل التي من شأنها إخراج البلاد من أزماتها.

وتابع فلاح بأن أهم الحلول الاقتصادية والاجتماعية يتمثل في تغيير العملة المحلية، والاعتماد على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومحاربة الاحتكار والسوق السوداء والموازية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتكوين اليد العاملة المؤهلة، مع الاهتمام بالفلاحة والسياحة والخدمات والاقتصاد الصحراوي.

وبالعودة إلى الحملة الانتخابية للرئيس عبدالمجيد تبون، وخطابه عقب إعلان فوزه بالرئاسة، وما طرحه من مخطط عمل وأهدافه ونظرته إلى المستقبل، فإن الحكومة الجديدة ستشرف على تسيير البلاد للوصول إلى تعديل الدستور وتنظيم انتخابات برلمانية مسبقة؛ ما سيؤدي منطقيًّا إلى تغيير حكومي يتناسب مع نتائج الانتخابات، وعليه فإن حكومة عبدالعزيز جراد مكلفة بتسيير “المرحلة الانتقالية” فقط.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة