الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

الجزائر.. بسبب “كورونا” مداخيل الزراعة تتفوق على النفط لأول مرة

الجزائر تتجه إلى تصدير المنتجات الزراعية بعد أن حقق قطاع الزراعة إنتاجاً يفوق 25 مليار دولار.. متفوقاً -لأول مرة- على مداخيل النفط.. والرهان على الزراعة الصحراوية

الجزائر- علي ياحي

تروج الجزائر لقدرتها على الانتقال من اقتصاد الريع المبني على مداخيل النفط إلى اقتصادٍ منتج عماده الزراعة؛ حيث أشار الرئيس عبدالمجيد تبون، إلى أن الاقتصاد الجزائري الذي ظل أسيراً للمحروقات منذ أكثر من 30 سنة، “يمتلك حالياً قدرات كبيرة تجعلنا متفائلين”، وأشار إلى أن قطاع الزراعة تمكن من إنتاج ما يفوق 25 مليار دولار، متفوقاً -لأول مرة- على مداخيل النفط.

ولا تزال تصريحات الرئيس تبون بخصوص قدرة القطاع الزراعي على قيادة قاطرة الاقتصاد الجزائري، والذي يعاني ارتباطه بالمحروقات بشكلٍ جعله اقتصاداً ريعياً يقوم على الأسعار أكثر منه على الإنتاج والصناعة التحويلية البترولية، تصنع الحدثَ وتسيطر على نقاشات الخبراء والمسؤولين، وهو نفسه الذي أكد أن الجزائر تملك من الإمكانات المادية والبشرية ما يمكنها من تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تمر بها، وتحقيق نسب نمو عالية في غضون عامَين.

ندوة الإنعاش الاقتصادي التي أشرف عليها الرئيس تبون- وكالات

ودعم تبون المستثمرين الراغبين في إنجاز مشروعات تعتمد على مواد أولية محلية بقروض بنكية تصل إلى 90 في المئة من قيمة المشروع، مشيراً إلى دور الزراعة الصحراوية في تقليص فاتورة الواردات بشكل كبير؛ حيث يجري العمل على توسيع زراعة الحبوب في المناطق الجنوبية بقصد تقليص واردات البلاد من هذه المادة بـ20 إلى 30 في المئة، و”هو ما سنصل إليه فعلاً بنهاية 2020″، حسب تبون.

اقرأ أيضاً: زواج المتعة “العرفي” ينتشر في الجزائر.. فما الأسباب؟

تصريح تبون زرع الارتياح في النفوس؛ لقدرة الجزائر على تجاوز اقتصاد الريع والانتقال إلى الاقتصاد المنتج، لكنه أثار الجدل من جهةٍ أخرى؛ لدرجة دفعت بالبعض إلى وصف حديث الرئيس بـ”المغلوط”، بعد أن استغرب البعض رقم 25 مليار دولار، وشددوا على أنه كان من الأجدر توضيح المعلومة بأن الأمر يتعلق بقيمة الإنتاج الزراعي وليس مداخيل تصديره.

ثورة زراعية

الأمين العام لاتحاد المستثمرين الشباب عبدالنور فلاح، يعتبر، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن تصريح الرئيس تبون لم يأتِ عبثاً، وعلى العكس جاء تعبيراً عن الثورة التي أعلنها الفلاحون والمزارعون والمنتجون بمختلف أشكالهم خلال جائحة “كورونا”، مضيفاً أن الجزائر من أكبر بلدان العالم في مجال الأرضيات الخصبة المولدة للإنتاج الفلاحي والزراعي، حسب إحصائيات كبرى الجامعات ومعاهد البحوث الدولية، بمساحة 32 مليون هكتار، قائلاً: “إن ما صرح به الرئيس سيتضاعف بكثير على المدى القريب والمتوسط؛ نظراً للتسهيلات والامتيازات الجديدة التي أعلنتها الحكومة، وتصبح الزراعة بديلاً حقيقياً للنفط”.

عبدالنور فلاح

وتابع فلاح بأنه بلغة الأرقام “يمكننا الحديث عن 70 إلى 80 مليار دولار، في حال توجيه بوصلة التنمية نحو اقتصادٍ زراعي يعتمد على تبسيط ظروف الإنتاج بالاعتماد على العلم والتكنولوجيات الحديثة والإمكانات اللوجستية، وتشجيع الصناعات التحويلية الغذائية”، مشيراً إلى أهمية اقتحام مجال الزراعة الصحراوية بعد النتائج الباهرة التي قدمتها أولى التجارب.

اقرأ أيضاً: مخاوف من تنامي العنف ضد النساء والأطفال في الجزائر بسبب الحجر

في المقابل، يرى الناشط السياسي وليد كبير، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أنه من المفروض تقديم الرقم بالدينار؛ لأن هذه المنتجات لم يتم تصديرها حتى تتم مقارنتها بمداخيل النفط، قائلاً إنه “استغرب حديث الرئيس”، وكان عليه القول إن الإنتاج الزراعي حقق رقم أعمال يقدر بكذا دينار جزائري، مؤكداً أن الإنتاج الزراعي تطور بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة؛ لكن لا يمكن وضعه في مَصَف يتفوق فيه على مداخيل النفط، “لأن هذه مغالطة غير مقبولة”.

وأشار كبير إلى أن المنتجات الزراعية التي تم تصديرها لا تتجاوز 60 مليون دولار، واستناداً إلى ذلك فتصريح تبون يبدو موجهاً إلى الجبهة الداخلية؛ لكنها مغالطة كان عليه تفاديها حتى لا يقع في الحرج مستقبلاً، مختتماً بأن الجزائر تمتلك إمكاناتٍ زراعية هائلة؛ لكنها تحتاج إلى توظيف سليم.

وليد كبير

اقتصاد بديل

وتولِي السلطات الجديدة في الجزائر اهتماماً بالغاً باقتصادٍ بديل للمحروقات؛ حيث أعطى الرئيس تبون توجيهات من أجل تكاتف الجهود بين جميع الفاعلين، سواء حكومة أو رجال أعمال، للعمل على التخلي بصفة تدريجية عن الاعتماد الكلي على مداخيل النفط خلال العشرية المقبلة؛ حيث سيتم تقليص المداخيل من العملة الصعبة خلال السنتين المقبلتَين من 98 في المئة إلى 80 في المئة، ورفع حجم الصادرات خارج المحروقات إلى 5 مليارات دولار.

وتعهد تبون بتذليل كل العراقيل التي تواجه المصدرين الجزائريين، مع منحهم امتيازات ضريبية وجزءاً من الأموال الصعبة التي يجنونها، قائلاً إن الدولة مستعدة لمرافقة المستثمرين من أجل تحقيق الإقلاع الاقتصادي الحقيقي في ظرف وجيز، من خلال دعم الصادرات خارج نطاق المحروقات، والترخيص بإنشاء مؤسسات خاصة في مجالات النقل الجوي والبحري وتأسيس البنوك الخاصة، مضيفاً أن الدولة عازمة على منح الفرص بشكل متساوٍ لفائدة كل المستثمرين الجزائريين دون تمييز؛ من أجل بناء اقتصاد جديد.

الأراضي الصحراوية التي تراهن عليها الحكومة لإحداث قفزة نوعية في قطاع الفلاحة

وفي السياق ذاته، أبرز وزير الفلاحة والتنمية الريفية عبدالحميد حمداني، أهمية القطاع الزراعي في اقتصاد البلاد، وقد بلغت مساهمته 12,5 في المئة من الناتج المحلي الخام في 2019، مع تشغيل 2,6 مليون عامل بصفة دائمة؛ وهو ما يمثل ربع اليد العاملة النشطة في البلاد، كما بلغت نسبة نمو القطاع 4 في المئة، بقيمة إنتاج إجمالية تقدر بأكثر من 25 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

وحسب الإعلامي المهتم بالشأن الاقتصادي محمد وليد مدكور، فإن القطاع الرزاعي هو القطاع الوحيد الذي يحقق الإجماع حول دوره في تحقيق الاكتفاء الذاتي بانتظار وضع حد للاستيراد المفرط للحبوب والحليب واللحوم؛ “لكن هذا لا يحجب مشكلات القطاع”.

وقال مدكور، في حديثٍ إلى “كيوبوست”: “إن الزراعة في الجزائر تعتمد على الفلاح الصغير الذي يواجه عديداً من العراقيل، ومسألة رفع مداخيل التصدير إلى 5 مليارات دولار في سنتين صعبة التحقيق إذا لم تتوفر الشروط”؛ خصوصاً مع غياب التنسيق بين الوزارات المعنية، ناهيك بانعدام خارطة تضبط إمكانات الجزائر الزراعية، مضيفاً أن الجزائر تملك إمكانات هائلة، غير أن هناك أياديَ خفية تعمل على بقائها بلداً مستورداً بالدرجة الأولى.

محمد وليد مدكور

وأوضح مدكور أن أول خطوة لا بد للجزائر من مراجعتها هي اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ثم تحديد قائمة المنتجات الزراعية والتحويلية كخطوة أولى؛ “لأنه لا يعقل الاستمرار في رمي فائض الإنتاج من الخضر والفواكه في الوديان؛ بسبب ضعف الصناعة التحويلية وقلة غرف التبريد ومستودعات التخزين”، بالإضافة إلى حصر قائمة المواد المسموح باستيرادها، مشيراً إلى ضرورة تذليل عقبات التصدير، وحماية العقار الزراعي الذي بات عرضة للمشروعات السكنية، موضحاً أن الجزائر خلال الاحتلال الفرنسي كانت مصدر غذاء كامل لأوروبا، وبسبب جودة أراضيها قام “المستعمر الفرنسي” بنقل تربة بعض مناطق الجزائر لتحسين جودة الأراضي الفرنسية في مدن “ستراسبورغ” و”ماتز” مثلاً.

وختم مدكور بأن كل هذا لن يتحقق إلا بتوفر إرادة سياسية حقيقية، مع الابتعاد عن ديماغوجية الخطابات، ومنح الكفاءات الشابة فرصة التسيير.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة