الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

الجذور المشرقية للماسونية.. كيف أثرت الفرق الباطنية في الإسلام واليهودية على عقيدة البنائين الأحرار؟

كيوبوست

ينظر الكثير من المؤمنين بنظرية المؤامرة بريبة حيال الماسونية، ويعود السبب في ذلك، وفقاً لفيكتور بيلافسكي؛ نائب الأستاذ الأعظم للمحفل الماسوني الروسي الأعظم، إلى أن المذاهب الباطنية أو الغيبية التي تنسب إليها الأخوية الماسونية، هي جمعيات مغلقة، وكان الرأي السائد أن هذه المعارف لا يجب الحديث عنها مع غير المطلعين، تفادياً لما قد يطرحونه من أسئلة، ويبدأون في نقله من أفكار بناءً على فهمهم الشخصي. وبناءً على هذه الحيطة يتولد المجهول الذي يقود إلى الشك ثم العداء والكراهية من قِبل الناس.

والماسونية أو البناؤون الأحرار؛ هي منظمة أخوية عالمية يجتمع أعضاؤها على نفس العقائد والأفكار المتعلقة بالأخلاق والميتافيزيقيا وتفسير الكون والحياة والإيمان، وتتسم بالسرية والغموض؛ خصوصاً في شعائرها، وإن كان يحق لكل منتسب إليها الاحتفاظ بإيمانه؛ سواء أكان مسيحياً أم يهودياً أم مسلماً أم لا دينياً.

تأثير متبادل

خلال استضافته في برنامج “رحلة في الذاكرة” الذي يقدِّمه الإعلامي خالد الرشد، على تليفزيون “روسيا اليوم”، أشار بيلافسكي إلى أن أخويات السلف الماسونية تأثرت بتيارات الشرق والصوفية والحركات الباطنية التي ترعرعت في الشرق الإسلامي، والعكس صحيح؛ فإن كتاب “المثلث العظمة” للحكيم اليوناني “شبه الأسطوري” هرمس، الذي أُطلق اسمه على تعاليم سرية “الهرمسية”، أعاد سردها علماء وفلاسفة باطنيون في العصر الإغريقي المتأخر، وفي هذه الحقبة جرى التواصل بين الثقافات وتبادل المصادر والطرائق الغنوصية؛ وهي أفكار من الديانات القديمة المنبثقة من المجتمعات اليهودية في القرنَين الأول والثاني الميلاديَّين.. وإن كان هناك من ينسب جذور هذه العقائد إلى أفغانستان والهند وإيران.

فيكتور بيلافسكي نائب الأستاذ الأعظم للمحفل الماسوني الروسي الأعظم

كما شهد ذلك العصر ولادة المسيحية؛ فكان العالم حينها أشبه بمرجل يغلي بأفكار وديانات ومقاربات جديدة للديانات القديمة، وكانت هناك محاولات لتحديد العلاقة بين الرب والإنسان والعلم والدين، وتضاعف عدد الروايات عن بنية الكون ونظامه، وتبيَّن أن بعض الأفكار الصعبة جرى تقبلها، فترسَّخت سواء بالاتجاهات الإسلامية أو المسيحية، ولم يتوقف الأمر هنا؛ بل تكرر التأثير في أعقاب السيطرة العربية على إسبانيا والحملات الصليبية للشرق الأوسط، هذا كله أتاح مجدداً لثقافتَين مختلفتَين أن تتشربا أفكار بعضهما، وأن تدرجاها في الديانتَين؛ التشابه لم يكن عرضياً بل يبدو أن المصدر واحد.

بين التقليد اليهودي والإسلامي

ارتبط بالماسونية المتأخرة، هيكل سليمان بشكل أسطوري، وبهذا السياق يقول بيلافسكي إنه وفي أنظمة الماسونية المدرجة في الميثاق الأسكتلندي القديم والمؤلف من 33 درجة، وهي مستويات الاطلاع على الأسرار، يوجد في إحدى الدرجات قدر معين من الأسطورة، يتلخَّص مغزاها في أن بعض أسرار هيكل سليمان كانت برعاية حراس استمروا في حفظها وتناقلها على مدى قرون، وكانوا مقيمين في الهلال الخصيب والشام، ينقلون معارفهم إلى أخلافهم ومَن كانوا بجانبهم، والذين نالوا هذه الثقة فقد اتخذوا اسم “البناؤون- ماسون”.

درجات الماسونية- History

تعود بداية هذه الأسطورة إلى زمن سليمان، وتشمل مرحلة السيادة الإسلامية في الشرق؛ لأن الحراس بقوا في مكانهم وواصلوا حفظ الأسرار، لحين مجيء الصليبيين، وكان مستحيلاً لهؤلاء الحراس عدم التأثر بالأفكار الإسلامية (التي كانت مبثوثة في عقائد الحركات السرية الباطنية كإخوان الصفا)، لذلك بقيت تلك الأساطير في أخويات السلف الماسونية؛ في تلك التنظيمات التي تبنت أيضاً أسطورة فرسان الهيكل، الذين لم يكونوا من المحاربين فقط؛ بل كان بينهم رهبان وكهنة.. وجلبوا تلك المعارف من الشرق ومن العراق والشام وفلسطين؛ حيث بقوا لنحو 200 عام.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الماسونية؟ وكيف تنتشر في العالم؟

وفي إحدى درجات الماسونية ثمة شرح يفيد أن بناء الهيكل هو كناية عن البناء الداخلي للإنسان؛ فصفة المهندس الكامل أو الأمثل، لا تطلق على مَن يتقن هذه الأداة الهندسية أو تلك؛ بل على مَن استطاع بناء هيكل كامل داخل نفسه، أي تطلق تلك الصفة على الشخص الكامل روحياً، عندئذٍ يكون مهندساً مثالياً كاملاً، حسب بيلافسكي.

لبنة الماسونية

أسهم ظهور أفكار وعوامل جديدة في وضع لبنة الأساس للماسونية؛ فمنذ القرن الثامن تقريباً بدأت المواجهة بين سلطة الإمبراطورية الدنيوية العلمانية وسلطة بابا روما الدينية، وكانت كل واحدة تطالب بتوسيع سلطتها؛ ما أتاح لأولئك الذين لم يدعمهم بابا روما، أن يجدوا عوناً لهم. بينما قرَّب البابا إليه مَن وقفوا ضد سلطة الإمبراطور. هذان المركزان في الصراع مكَّنا أفكاراً جديدة أن تتطور في خضم النزاع؛ لكن الوحدة بينهما (مركزَي الصراع) في روسيا والشرق لم تسمح للأفكار الجديدة بأن تتطور.

وفي بدايات القرن الـ16، شهدت أوروبا انتشار “الإصلاح المضاد”؛ أي الحركة الجوابية للكنيسة الكاثوليكية ضد الإصلاح، الذي كان يشتد عوده؛ ما أجبر خصوم الكنيسة الكاثوليكية على الوقوف ضد الظواهر السلبية لها، كجور الرهبان وجباية المال من أجل صكوك الغفران؛ حتى إن الإصلاح راح يدعو ضد أمور أكثر جدية كانت على ارتباط بالمغزى الروحي للمعرفة؛ حيث أدرك بعض العلماء أنهم لن يستطيعوا تطوير علمهم في إطار الكاثوليكية المحافظة، فبحثوا عن طرق جديدة لتطوير العلوم التي لم تكن الكنيسة ترحِّب بها.

اقرأ أيضاً: الشهداء المسيحيون في إسبانيا الإسلامية قضية مسيَّسة

عامل آخر أسهم في بناء أساس الماسونية، كان هو الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت؛ فجماعة الصليب الوردي مثلاً، ومؤسسها كريستيان روسنكروز، وهي سلف ماسوني ذات أصول صوفية، ظهروا لأنهم لم يطيقوا صراع الأديان “القذر”، حسب بيلافسكي؛ أي أن كل ما حدث في أوروبا دفع تلك الجماعة لإيجاد الفرصة لممارسة أفكارها في مكان هادئ، لذلك هاجر بعضهم إلى إنجلترا والسويد، وفيهما بدأ التطور اللاحق للأفكار عن العالم الجديد، بعد ذلك فإن فكرة العلمية، وسِعة العلم والاطلاع، التي أتاحت فكرة إعادة تشكيل العالم، تجسَّدت في صيغتَين؛ الأولى مغلقة وهي منظمة ماسونية، والثانية رسمية ومفتوحة وهي جمعية لندن الملكية لتطوير المعارف الطبيعية.

الماسونية اليوم

يرى بيلافسكي أنه يجب الاعتراف بأن البعض تخلى عن مضمون الماسونية واتبع الشكليات؛ إذ يقول: “الماسونية في تطورها التدرجي أهملت أكثر فأكثر جذورها الفكرية”، مضيفاً: “وصارت تجتذب أناساً مأسورين بظاهرة السرية لا أكثر وبالتسميات والألقاب الرنانة”، مدللاً على ذلك بإشارة إلى أن المنظمة في البداية كان لها ثلاث درجات لتكريس العضو، ثم بدأت بإضافة المزيد من الدرجات التي توحي بالهيبة، وكثيرون أخذوا يركضون وراء الشكليات ويهتمون بالألقاب، دون إمعان النظر في المضامين الروحانية، مع العلم أن بعضهم ظلوا -كما في السابق- أناساً يمارسون العلوم الباطنية المستترة؛ لكنهم إما كانوا في الظل وإما كانوا في درجات أرفع.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات