الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

الجانب المظلم للهجرات الحضرمية!

إن كان التاريخ قد سجل أمجاداً للحضارمة في دول الشتات.. فإن سقطات هذا التاريخ أجبرتهم على ترك كل شيء والعودة للبدء من نقطة الصفر

منير بن وبر

غالباً ما يحب الناس سماع قصص النجاح، وقد سُردت العديد من حكايات التفوق للمهاجرين الحضارمة في دول الشتات؛ لكن تلك الإنجازات، والتي يشبه بعضها الأساطير من عظمتها، لم تكن حليف الجميع؛ فالنجاح هو مزيج من الحظ والذكاء والمثابرة والعوامل الخارجية المواتية، ومن النادر أن يمتلك الجميع هذا المزيج، وهذا ما يجعل نجاح الآخرين ملهماً وقيِّماً. لم يكن الحضارمة في دول الشتات باستثناء من قواعد الحياة المعروفة هذه؛ لذلك كان بينهم مَن ابتسمت له الحياة، ومن كشَّرت في وجهه.

ظروف قاسية

لا شك أن ظروف العيش القاسية في حضرموت كانت من أهم أسباب هجرتهم، إضافة إلى النزاعات والحروب والاضطرابات السياسية والاقتصادية. أولئك الذين تركوا البلاد هم الأكثر جرأة؛ فهم الذين كانوا على استعداد للتخلِّي عما كانوا يخططون له في أحلام الصبا للحصول على حياة مجهولة تنتظرهم، لم تكن الرحلة مفروشة بالورود على أية حال؛ ومع ذلك، ربما كانوا يؤمنون أن فعل القليل في المهجر أكثر جدوى بكثير من فعل لا شيء في الوطن.

هاجر المغامرون الحضارمة بأعداد كبيرة إلى جنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا، والقرن الإفريقي، وشمال إفريقيا، كما انتشروا في الجزيرة العربية، فكانوا، ولا يزالون، مصدراً مهماً لتدفُّق الأموال لأهاليهم في الوطن. ولكن هذا المصدر كان عُرضة للتعثُّر حسب ظروف تلك البلاد، أو الظروف العالمية بشكل عام. ويمكن أن يصل الاضطراب إلى حد إحداث مجاعة في حضرموت؛ ففي عام 1943 مثلاً تسببت الحرب العالمية الثانية في تعطيل وصول أموال المهاجرين إلى حضرموت، ما أدَّى إلى أزمة تفاقمت إلى حد المجاعة؛ بسبب ما تزامن مع تلك الحقبة الزمنية من نقصٍ في الواردات الغذائية والجفاف وهلاك الزراعة وانتشار الأوبئة، وقد تسببت المجاعة حينها في مقتل أكثر من خمسة عشر ألفاً من سكان حضرموت.

اقرأ أيضاً: كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

المهاجرون الحضارمة في دول الشتات عاشوا أيضاً ظروفاً حالكة في بعض الأوقات؛ ففي الخمسينيات من القرن الماضي مثلاً، أدَّت السياسات الاقتصادية القومية في إندونيسيا؛ وهي أحد أهم مجتمعات الشتات الحضرمي، إلى تدهور الاقتصاد والإضرار بالاستثمارات، وبالتالي خسرت الكثير من الأُسر الحضرمية هناك جزءاً مهماً من ممتلكاتها.

وكما حدث في إندونيسيا، تسببت تجربة الدولة الاشتراكية في جنوب اليمن في تأثير مماثل لأملاك واستثمارات المهاجرين الحضارمة في حضرموت، وفي مناطق أخرى من جنوب اليمن، كعدن، طوال الفترة من نهاية الستينيات حتى قيام الوحدة اليمنية في عام 1990؛ حيث خسر العديد من المهاجرين أملاكهم وتأثَّرت استثماراتهم بتدخلات الدولة في الاقتصاد.

وفي عام 1990م تسبب اجتياح العراق للكويت في نزوح الآلاف من المهاجرين الحضارمة في الكويت إلى حضرموت، وأُطلق عليهم لقب “المنكوبين”؛ حيث تركوا أموالهم وممتلكاتهم للنجاة بأنفسهم. وعلى الرغم من أن بعض “المنكوبين” تمكَّنوا من العودة إلى الكويت بعد انتهاء الأزمة؛ فإن البعض الآخر بقي في حضرموت ليبدأ حياته من الصفر أو يواصل مشواراً كان قد تخلَّى عنه.

جانب من الاستعدادات العسكرية لتحرير الكويت في منطقة الخفجي السعودية- (أرشيف)

وإلى جانب الحضارمة النازحين من الكويت، استقبلت حضرموت موجات نزوح أخرى لحضارمة قدموا من الصومال؛ حيث تركتها العديد من الأُسر الحضرمية المهاجرة بسبب الحرب الأهلية الصومالية مطلع التسعينيات. كانت ظروف الانتقال من الصومال إلى حضرموت صعبة، وغالباً ما كانت محفوفة بالمخاطر براً وبحراً.

عندما وصل النازحون الحضارمة من الصومال إلى حضرموت، وجد الكثير منهم أنفسهم بلا عمل ولا مال، كما كان أبناء بعضهم لا يتقن “العربية”؛ لأنهم ولدوا وترعرعوا في الصومال، وهو ما جعل التأقلم مع البيئة واللغة والظروف المالية الشاقة أمراً بالغ الصعوبة.

اقرأ أيضًا: كيف تؤثر الاختلافات الثقافية على أمن واستقرار اليمن؟

تمييز عنصري

أدى تزاوج المهاجرين الحضارمة من نساء بلدان الشتات، والعكس، إلى إنجاب ما أُطلق عليهم “الموالدة”. و”المُوَلّد” هو الابن لأب حضرمي وأم غير حضرمية أو العكس. وبطبيعة الحال، حمل “الموالدة” صفات أمهاتهم، أو العكس. على سبيل المثال، “الموالدة” من أمهات إثيوبيات أو صوماليات جاؤوا ببشرةٍ سمراء، وقد جعلهم الخلط العِرقي هذا في بعض الأحيان عُرضة للتمييز، وأحياناً التنمُّر؛ بل والارتباك بشأن الهوية، سواء في حضرموت أو في دول الشتات. كما عانى “الموالدة” والمهاجرون الحضارمة بشكل عام استعلاء بعض أفراد المجتمع في الدول التي هاجروا إليها كما هي الحال مع الأقليات المهاجرة عموماً.

مسلحون صوماليون في عام 1993- (أرشيف)

اقرأ أيضاً: اكتشاف أدوات حجرية عمرها 8000 عام في جنوب اليمن

لقد كانت الهجرات الحضرمية مصدراً لسعادة الكثير وتعاسة آخرين، وهي في الواقع الجانب المظلم للهجرات؛ فكما يقول الشاعر المتنبي: “ما كل ما يتمناه المرء يُدركه… تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، ولربما كانت أفضل مواساة يُعزِّي بها المنكسرون من الهجرة أنفسَهم هي البيت الشعري القائل: “بلادي وإن جارت عليَّ عزيزةٌ… وأهلي وإن ضنوا عليَّ كرام”. وإن كان التاريخ قد سجَّل أمجاداً للحضارمة في دول الشتات أكثر مما عرفناه من النكسات عنهم، فذلك لأن أعظم مجد ليس في السقوط أبداً؛ بل في النهوض في كل مرة نسقط فيها كما يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس؛ لهذا ربما أخفت بعضُ المفاخر عدداً لا حصر له من حكايات البؤس.

لقراءة الحلقات السابقة:

الحلقة الأولى: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

الحلقة الثانية: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

الحلقة الثالثة: المهاجرون الحضارمة في قارة إفريقيا

الحلقة الرابعة: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

الحلقة الخامسة: تأثير الحضارمة في المملكة العربية السعودية

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة