ثقافة ومعرفةمجتمعملفات مميزة

الجانب المظلم للإبداع: قلق واكتئاب ثم انتحار!

الخطورة تكمن في طبيعة الأمراض التصاعدية

كيو بوست – أنس أبو عريش

المبدعون أكثر عرضة للإصابة بالاضطرابات النفسية بـ4 أضعاف، هذا ما وجدته دراسة أجريت على قرابة 700 ألف مراهق سويدي عام 2010.

وركزت تلك الدراسة على أحد الاضطرابات التي تصيب الإنسان، التي يعاني فيها الأشخاص من تقلبات مزاجية مثيرة بين “الهوس” أو “السعادة الشديدة” أو “الاكتئاب الشديد”. ووجدت الدراسة أن نسبة كبيرة من المراهقين العباقرة، هم من أولئك الذين يعانون من هذا الاضطراب. ويمكن تعميم هذه النتائج على غير المراهقين، وفقًا لكثير من الدراسات العلمية التي حاولت فهم تلك العلاقة، على مختلف الفئات العمرية، ومختلف المجتمعات، خصوصًا تلك النسخة المطورة من البحث ذاته، التي أجريت عام 2012، لتشمل مليون مشارك.

إضافة إلى ذلك، كثيرًا ما نسمع عن حالات انتحار –بسبب الاكتئاب أو الهوس- من المبدعين والفنانين والرسامين، كما حدث مع الممثل الأمريكي الشهير روبن ويليامز، والأديب الأمريكي إيرنست هيمنغواي، والشاعر اللبناني خليل حاوي، والمغنية المصرية من أصل إيطالي داليدا. فما هي المسافة الفاصلة بين العبقرية والأمراض العقلية والنفسية؟

 

قطع أذنه، وقتل نفسه

يعتقد أن قصة حياة الفنان النرويجي الشهير إدوارد مونش هي من بين أكثر القصص إلهامًا في التاريخ، فيما يتعلق بوجود الأمراض العقلية في حياة المبدعين؛ إذ رسم الفنان أحد أروع الرسومات في التاريخ، بعنوان “الصرخة”، وكتب عنها في يومياته: “خوفي من الحياة مهم جدًا بالنسبة لي، تمامًا مثل مرضي، لا يمكن للإثنين أن يدمرا فني”.

وبالنسبة لكثير من الدارسين، تعتبر تلك الحالة من أكثر الحالات فهمًا لطبيعة إدراك المبدع لمرضه النفسي، وقيامه بالتعبير عنها، عبر الإبداع.

فان كوخ هو الآخر كانت قصته مميزة، إذ أقدم على ارتكاب فعل مجنون، هو قطع أذنه، قبل أن يقدم على الانتحار. وقد كتب رسالة لأخيه في فترة سابقة، ذكر فيها: “لست قادرًا على معرفة ما الذي يحصل لي، أتعرض بين الفترة والأخرى لنوبات من القلق، غالبًا بدون سبب، وأحيانًا أشعر بالفراغ والتعب، وأحيانًا أخرى بالندم الشديد”.

تشير حالتا مونش وكوخ إلى تلك الحالة النفسية التي يعيش فيها كثير من المبدعين في كثير من المجالات، بما يتضمن ظهور أعراض مرضية، وإصابات بأمراض نفسية، قد تدفع إلى الإقدام على الانتحار.

كما تثبت تلك الحالتين إحدى القواعد التي تصف هذه العلاقة، التي تنتشر على لسان كثير من الناس: “يكمن الجنون حيث يكون الإبداع”.

 

شيزوتيا

إحدى الدراسات تناولت الصلة المحتملة بين الإبداع وداء الفصام، عن طريق فحص نشاط الدماغ (باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي)، من أجل محاولة فهم الحالة الشيزوتية النسبية المنخفضة.

والشيزوتية هي مرض انفصام الشخصية، لكن بمستوى أقل حدة من الشيزرفرينيا. ويظهر المصابون بهذا المرض معتقدات أو تصرفات غريبة، لكن بدون أن ينفصلوا عن الواقع، كما يحدث في الشيزوفرينيا.

وكشفت النتائج التي توصلت إليها الدراسة وجود ارتباط بين عنصر الأصالة في الإبداع، وتقليل تنشيط مناطق الدماغ الجدارية، بما يعني أن الأشخاص الأكثر إبداعًا قد يتأثرون سلبًا من إبداعهم، بطريقة قد تصل إلى تعطيل كثير من المحفزات في عملياتهم العقلية أكثر مما يفعل الأشخاص الأقل إبداعًا.

كما كشفت النتائج أن المبدعين الذين لديهم مستويات عالية من القدرة على الابتكار، يتمتعون بقدرة أكبر على الحصول على مزيد من المعلومات، لكنهم لا يستطيعون تجاهل المعلومات التي تدخل إلى أدمغتهم، ما يعني أن دماغهم غير قادرة على تصفية تلك المعلومات.  

 

مرض تصاعدي

لا تكمن الخطورة المتعلقة بالأمراض النفسية بالمشاكل الصحية المرتبطة بها –رغم خطورة مضاعفاتها- لكن الخطر الأكبر يأتي من أن مثل هذه الأمراض، عادة ما تكون تصاعدية. ويعني ذلك، أن تأثير الأعراض يتزايد مع مرور الوقت، وهكذا يتحول القلق الخفيف إلى قلق مزمن، ويتحول الاكتئاب، إلى اكتئاب شديد، وربما إلى تعاطي الكحول أو المخدرات. وقد تصل بعض الحالات إلى الموت انتحارًا!

من الواضح أن بعض الناس يعانون من إبداعهم، ومن الواضح أن بعض الفن ينبع من المعاناة. ولكن سيكون من غير الصحيح أن نقول أن جميع المبدعين يتعرضون لمخاطر الأمراض العقلية، أو أن جميع الأمراض النفسية قد تقود إلى الانتحار.

 

المصادر: ميديكال ديلي + سي إن إن + إن سي بي آي + هاو ستاف ووركس

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة