الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الجانب المظلم لحمى تعدين الكوبالت في الكونغو!

جوع وبغاء وشعوذة واستغلال الأطفال لمصلحة شركات كبرى

كيوبوست- ترجمات

نيكولا نياركوس♦

في يونيو 2014، وفي إحدى ضواحي كولويزي، وهي مدينة تقع في جنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدأ رجل بالحفر في الأرض الحمراء الناعمة بالفناء الخلفي لمنزله. وكما أخبر الرجل جيرانه لاحقاً، فقد كان ينوي عمل حفرة لمرحاض جديد؛ لكن على عمق نحو 8 أقدام، اصطدمت مجرفته بقطعةٍ من الصخور الرمادية كانت مخططة باللون الأسود، ويتخللها ما يشبه نقاط من العفن الفيروزي اللامع.

اقرأ أيضاً: بينها عربية.. 10 دول تتربع على أضخم ثروة طبيعية في العالم

حيث اصطدم بحجر أسود غير متجانس، وهو خام يمكن صقله إلى كوبالت، والذي يشكل أحد العناصر المستخدمة في بطاريات الليثيومأيون. ويحتوي جنوب الكونغو على ما يُقدر بنحو 3.4 مليون طن من الكوبالت؛ وهو ما يقرب من نصف المعروض العالمي المعروف. وفي العقود الأخيرة، انتقل مئات الآلاف من الكونغوليين إلى المنطقة التي كانت نائية في السابق؛ حيث يعيش الآن في كولويزي أكثر من نصف مليون نسمة. وقد عمل العديد منهم في مناجم المنطقة؛ بينما تحول آخرون إلى “حفارين حرفيين”.

ثم قام الرجل بأخذ بعض العينات إلى أحد تجار المعادن الذين تمركزوا حول كولويزي. وفي ذلك الوقت، كانت الطريق المؤدية إلى المدينة مليئة بأكواخ الصفيح، المعروفة باسم “كومبتوير”؛ وتعني الوكالات التجارية، حيث كان التجار يشترون الكوبالت أو النحاس الذي يوجد أيضاً في المنطقة بوفرة. (ففي موسم الأمطار، تتحول الأرض أحياناً إلى اللون الأخضر؛ نتيجة لأكسيد النحاس الموجود أسفلها). وقد كان معظم التجار من المغتربين الصينيين واللبنانيين والهنود، بيد أن عدداً قليلاً من الكونغوليين استخدموا أرباح التعدين الخاصة بهم لإنشاء وكالات تجارية.

عمال المناجم في كولويزي يسحبون كيساً من الكوبالت حيث كان زميلهم يحفر تحت الأرض- مجلة “فورشن”

وقد أخبرني موراي هيتسمان، وهو عالم سابق في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، والذي أمضى أكثر من عقد من الزمن في السفر إلى جنوب الكونغو للتشاور حول مشروعات التعدين هناك، أن السكان كانوا “يحتشدون طوال الوقت”، على أمل الحصول على أخبار عن اكتشافاتٍ جديدة.

ويشرح هيتسمان، الذي يُدرِّس في كلية دبلن الجامعية، أن الرواسب الغنية من الكوبالت والنحاس في المنطقة بدأت الحياة منذ نحو 800 مليون عام، على قاع بحرٍ قديم ضحل. وبمرور الوقت، دُفنت الصخور الرسوبية تحت التلال المتموجة، وتسربت السوائل المالحة التي تحتوي على المعادن إلى الأرض؛ مما أدى إلى تمعدن الصخور.

اقرأ أيضاً: كيف ننقذ الديمقراطية من التكنولوجيا؟

توقف الرجل عن الحفر في فناء منزله. وبدلاً من ذلك، قام بالحفر تحت أرضية المنزل، الذي كان يستأجره، ووصل إلى عمق نحو ثلاثين قدماً، واستخرج الخام ليلاً. وقد قال زانغا موتيبا، وهو خباز كان يعيش في كاسولو: “كلنا، في ذلك الوقت، لم نكن نعرف شيئاً”؛ لكن في إحدى الأمسيات سمع هو وبعض الجيران أصوات صفارات قادمة من منزل الرجل. واستناداً إلى كمية الخام التي استخرجها، فمن المحتمل أنه قد حقق أكثر من عشرة آلاف دولار؛ وهو ما يمثل ثروة صغيرة في الكونغو.

ووفقاً لتقرير البنك الدولي لعام 2018، كان ثلاثة أرباع سكان البلاد يعيشون على أقل من دولارَين في اليوم. وفي الكونغو، يعمل أكثر من 85% من السكان بشكل غير رسمي في وظائف غير مستقرة لا تدرُّ سوى القليل من الدخل، وتكاليف المعيشة مرتفعة بشكل ملحوظ لأن البنية التحتية للبلاد قد دمرتها عقود من الديكتاتورية والحرب الأهلية والفساد. كما لا يوجد سوى القليل من الرقعة الزراعية، وغالباً ما يتم استيراد الغذاء والسلع الأساسية الأخرى. وبالنسبة إلى العديد من سكان كاسولو، فقد كانت احتمالية وجود منجم شخصي للكوبالت تستحق أية مخاطرة.

باتريك عامل منجم كونغولي يبلغ من العمر 26 عاماً يستخدم أدوات يدوية للتنقيب عن الكوبالت- مجلة “تايم”

وبعد نحو شهر من اختفاء الرجل الذي اكتشف الكوبالت، حظرت البلدية المحلية رسمياً التنقيب عن المعادن في كاسولو. ووفقًا لموتيبا، فقد ناشد السكان رئيس البلدية قائلين: “لقد اعتدنا على التنقيب في الأدغال داخل الغابة. وقد أوقفتنا، ومنحت المدينة بأكملها للشركات الصناعية الكبرى. والآن اكتشفنا المعادن في أراضينا الخاصة التي تعود إلى أجدادنا، وتريد إيقافنا الآن؟ لا، فهذا لن يحدث”. ويتذكر موتيبا قائلاً: “بدأ الناس في إلقاء الحجارة على رئيس البلدية حتى فرّ هارباً. وعندما فرّ رئيس البلدية، بدأ التنقيب حقاً”.

اقرأ أيضاً: هل يمكن للرأسمالية أن تكون في خدمة الديمقراطية؟

انضم كاجومبا إلى اقتصاد التعدين في وقتٍ متأخر نسبياً من حياته. ففي كولويزي، يتعلم الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم السنوات الثلاث انتقاء أنقى خام من الألواح الصخرية. وبعد فترة وجيزة، يقومون بحمل الخام الذي يستخرجه المنقبون الكبار. وغالبًا ما يعمل الفتيان في سن المراهقة في نوباتٍ محفوفة بالمخاطر؛ حيث يتنقلون بين ممرات متهالكة. وبالقرب من المناجم الكبيرة، ينتشر بغاء النساء والفتيات الصغيرات.

وتقوم نساء أخريات بغسل مواد التعدين الخام، والتي غالباً ما تكون مليئة بالمعادن السامة، وفي بعض الحالات، تكون مشعة بدرجةٍ معتدلة. فإذا كانت المرأة الحامل تعمل باستخدام معادن ثقيلة مثل الكوبالت، فقد يزيد ذلك من فرص ولادة جنين ميت أو طفل مصاب بعيوب خلقية. ووفقاً لدراسة حديثة نشرتها مجلة “ذا لانسيت”، فإن النساء في جنوب الكونغو “لديهن تركيزات معدنية من أعلى المعدلات التي تم الإبلاغ عنها على الإطلاق بين النساء الحوامل”.

تعمل نساء القرى الكونغولية في غسل وتنقية حبيبات الكوبلت في ظروف خطرة ودون أدوات وقائية- “سي إن إن”

كما خلصت الدراسة أيضاً إلى وجود صلة قوية بين الآباء الذين يعملون مع المواد الكيميائية التعدينية والتشوهات الجنينية لدى أطفالهم، مشيرةً إلى أن “تعرض الأبوين للتعدين بشكل مهني كان العامل الأكثر ارتباطاً بالعيوب الخلقية”.

وفي هذا العام، قفزت أسعار الكوبالت بنحو 40%، لتتجاوز 20 دولاراً للرطل. حيث تشكل جاذبية الثروات المعدنية في بلد فقير مثل الكونغو إغراءً لا يقاوم للسياسيين والمسؤولين للسرقة والغش. ومن المعروف أن الجنود الذين تم نشرهم في كولويزي خلال فترات الاضطرابات، كانوا يلقون بنادق الكلاشينكوف ليلاً ويدخلون إلى المناجم. وفي اجتماع للمستثمرين عام 2019، استخدم سيمون توما واكو، رئيس غرفة المناجم في الكونغو آنذاك، لغة “حمى الذهب” حين قال: “الكوبالت.. يجعلك تحلم”.

اقرأ أيضاً: إحصائيات حول العبودية الحديثة!

وبعد فرار رئيس بلدية كاسولو، بدأ العديد من السكان في تمزيق الأرض أسفلهم. واستأجر بعض السكان المحليين الأكثر ثراءً منقبين للحفر تحت منازلهم، مع اتفاق لتقسيم الأرباح؛ حيث يعمل فريقان من المنقبين في مناوبات، مدة كل منها 12 ساعة، ويقومون بتقطيع الصخور بالمطارق والأزاميل. كما بدأ قِس وجماعته في الحفر تحت كنيستهم، ولم يكونوا يتوقفون إلا لأداء قداس الأحد.

وبحلول نهاية عام 2014، كان هناك ألفا عامل تنقيب يعملون في الحي، مع القليل من القواعد التنظيمية. وسرعان ما انضم كاجومبا ومعاونوه إلى البحث عن المعادن. ويتذكر يانيك مبوتو، أحد أعضاء فريق كاجومبا، هذه الفترة باعتبارها “الأوقات الجيدة”. حيث قال لي: “كان هناك الكثير من الأموال، وكان الجميع قادراً على جني البعض منها”.

تعمل تيمبو 12 ساعة يومياً في غسل صخور الكوبالت مقابل 7 دولارات- “سي إن إن”

لكن سرعان ما أصبحت الأوضاع خطيرة؛ فبعد فترةٍ وجيزة من حظر رئيس البلدية رسمياً التنقيب عن المعادن، انهار منجم، مما أسفر عن مقتل 5 أفراد من عمال المناجم. ومع ذلك، استمر الناس في الحفر، وبحلول الوقت الذي زار فيه باحثو منظمة العفو الدولية المنطقة، أي بعد أقل من عام من اكتشاف الكوبالت في كاسولو، كان عمق بعض الحفر التي أحدثها المنقبون يصل إلى 100 قدم.

فبمجرد أن يصل الحفارون إلى طبقاتٍ من الخام، كانوا يقومون بتتبع المعدن عبر التربة، وغالباً دون بناء دعامات لأنفاقهم. وكما أشار موراي هيتسمان، العالم السابق في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إلى أن الأحجار غير المتجانسة التي تكون أقرب إلى السطح غالباً ما تحتوي على أقل كمية من الكوبالت، وذلك بسبب العوامل الجوية؛ فقد كان المنقبون يخاطرون بحياتهم للحصول على بعضٍ من أسوأ أنواع الخام.

اقرأ أيضاً: 40 مليوناً يعيشون في عبودية حديثة.. وقد تكون أنت أحد ممولي ذلك!

وكان تعاطي المخدرات والكحول متفشياً بين المنقبين. وقال كاجومبا إنه على الرغم من أن العديد من الأشخاص الذين يعرفهم في كاسولو قد أهدروا كل أرباحهم على المخدرات؛ فإنه تجنب مثل هذه الإغراءات. وغالباً ما يتعاطى الأطفال الذين يعملون في المناجم المخدرات للتغلب على الجوع. وقالت الراهبة كاثرين موتيندي، مؤسسة جمعية الراعي الصالح كولويزي؛ وهي مؤسسة خيرية كاثوليكية تحاول وقف عمالة الأطفال: “إذا لم يكسب الأطفال ما يكفي من المال، فلن يكون لديهم طعام طوال اليوم؛ فبعض الأطفال الذين قابلناهم لم يتذكروا آخر مرة تناولوا فيها وجبة طعام”.

عامل مناجم يبلغ من العمر 11 عاماً يُدعى دانيال يحمل كيساً من الكوبالت من موقع حفر إلى مستودع لبيعه- موقع “بوليتزر سينتر”

ويقدر الباحثون أن آلاف الأطفال يعملون في التعدين في كولويزي وحدها. وقد أمضى مارك كانافيرا؛ عضو هيئة التدريس في جامعة كولومبيا الذي يركز على رعاية الطفل، بعض الوقت في كولويزي، وقال: “لا أعتقد أن الحكومة لديها أية قدرة على مراقبة تورط الأطفال في هذا الأمر. وحتى لو فعلوا ذلك، فليس لديهم أي إطار لما هو عمالة أطفال، وما هو ليس كذلك”؛ ففي مثل هذه المنطقة الفقيرة، غالباً ما يتوقع الآباء من أطفالهم أن يكملوا دخل الأسرة، حتى لو كان العمل خطيراً.

وبدأ استخراج النحاس في الكونغو منذ القرن الرابع على الأقل، وكان المخزون معروفاً لتجار الرقيق البرتغاليين من القرن الخامس عشر فصاعداً؛ حيث إن الكوبالت منتج ثانوي لإنتاج النحاس. وفي عام 1885، زعم ملك بلجيكا ليوبولد الثاني، أن البلاد ملكية خاصة له، واستغلها بوحشية للحصول على المطاط؛ ووفقاً لـكتاب «شبح الملك ليوبولد»، الذي صدر عام 1998 للمؤلف آدم هوتشيلد، فقد قتل ما يصل إلى عشرة ملايين كونغولي.

اقرأ أيضاً:وعود كاذبة“.. الاتجار بالجنس يتوسع في إفريقيا وحالات الاستغلال تتفشى

ولكن بسبب المقاومة المحلية وصعوبة الوصول إلى المنطقة، لم يبدأ التعدين التجاري على نطاقٍ واسع في الجنوب حتى القرن العشرين. وقد تأسست كولويزي عام 1937 من قِبل اتحاد تعدين هوت كاتانغا، وهو احتكار للتعدين تم إنشاؤه بموجب مرسوم ملكي بلجيكي. وربما لم يضاهِ هؤلاء المستعمرون الفظائع التي ارتكبها الملك ليوبولد؛ لكنهم ظلوا ينظرون إلى البلاد من منظور استغلالي صارخ. وأدركوا أن أفضل طريقة لاستخراج ثروة الكونغو المعدنية بسرعة هي إنشاء البنية التحتية. وبعد الاستقلال، كانت قوى الحرب الباردة تنظر إلى مقاطعة كاتانغا الواقعة في أقصى الجنوب، باعتبارها جائزة.

لافتات عند بوابة منجم كاسولو كُتب عليها بالفرنسية أنه لا يُسمح للحوامل والأطفال دون 18 عاماً بالدخول- موقع “بوليتزر سينتر”

وفي الستينيات، حاولت كاتانغا الانفصال دون جدوى؛ بسبب الدعم من بلجيكا واتحاد التعدين. ثم في عام 1978، استولى المتمردون المسلحون من السوفييت والمدربون من كوبا على كولويزي، وقُتل عدة مئات من المدنيين. وقبل التمرد، بدا أن الاتحاد السوفييتي كان يخزن الكوبالت. ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، فقد أدى الهجوم إلى إطلاق “موجة من الشراء والتكديس بدافع الذعر في الغرب المتقدم”. وأعلن التقرير أن الكوبالت “هو أحد أهم المعادن الصناعية”.

اقرأ أيضاً: العبودية اليوم.. مئات المعاهدات وعشرات ملايين المستعبدين

ففي ذلك الوقت، وكما هي الحال الآن، كان المعدن يُستخدم في صناعة السبائك المقاومة للتآكل لمحركات الطائرات والتوربينات الغازية. وكان الحل الذي توصل إليه الغرب لعدم استقرار السوق يتلخص في دعم ديكتاتور البلاد، موبوتو سيسي سيكو، الذي ترأس نظاماً كليبتوقراطياً هزلياً. وكانت النخبة في البلاد تعتمد جزئياً على الأرباح المتأتية من المناجم؛ حيث كانت تدير شركة “جيكامينز”، وهي شركة تعدين تسيطر عليها الدولة، احتكاراً شبه كامل لحزام النحاس والكوبالت في كاتانغا.

وبحلول أوائل التسعينيات، بدا أن موبوتو ورفاقه سرقوا كل ما بوسعهم، وكانت الكونغو تنهار. ومع انجراف البلاد نحو الحرب الأهلية، نهب الجيش شركة “جيكامينز”، وقام العمال السابقون ببيع المعادن وأجزاء الآلات؛ من أجل إطعام أسرهم. وفي عام 1997، ذهب موبوتو إلى المنفى. وقد أدى تفكك شركة “جيكامينز” إلى تحول مشهد التعدين في الكونغو. وبدأ المنقبون في الحفر في مواقع الشركة المهجورة على نطاقٍ واسع، وبيع الخام للتجار الأجانب الذين ظلوا بعد عزل موبوتو.

يقوم شو بن ليو مشتري الكوبالت الصيني باختبارات نقاء الصخور في سوق كولويزي.. الكونغو- موقع “بوليتزر سينتر”

وأصبحت الكونغو غارقة في سلسلةٍ من الحروب التي قُتل فيها عدد من الناس أكبر من أي صراع آخر منذ الحرب العالمية الثانية. وفي عام 2001، اغتيل الزعيم التالي للبلاد، لوران ديزيريه كابيلا، وتولى ابنه جوزيف السلطة. وقد قام كابيلا وابنه، بتمويل جهودهما الحربية من خلال بيع مواقع شركة “جيكامينز” للأجانب. وبحلول الوقت الذي وصل فيه هيتسمان، في منتصف العقد الأول من الألفينات، كانت شركة “جيكامينز” قد تحولت إلى حطام.

وقد قال هيتسمان: “كان بعض أفضل الجيولوجيين الذين قابلتهم في حياتي لا يزالون يعملون لدى جيكامينز، ولم يكونوا قد تقاضوا رواتبهم منذ 3 سنوات”. وفي يونيو 2019، قُتل أكثر من أربعين من عمال التنقيب في انهيار أرضي بعد اقتحام منجم مملوك لشركة “جلينكور” في كولويزي. وكان كاجومبا وأصدقاؤه أيضاً في الموقع في تلك الليلة؛ لكنهم كانوا يعملون على خط تماس مختلف. وقال كاجومبا: “أسوأ شيء رأيته كعامل منجم هو العدد الهائل من الجثث عندما يحدث انهيار مدمر”.

ومن بين الخرافات السائدة في المنطقة الاعتقاد بأن ممارسة الجنس مع عذراء من شأنه أن يعزز حظ المرء في المناجم. وأثناء وجودي في كولويزي، أرتني موتيندي، من جمعية الراعي الصالح، صوراً لجثمان طفلة عمرها ثماني سنوات كانت قد اختطفت واغتصبت على يد أحد المنقبين في الأسبوع السابق. (أُلقي القبض على عامل المنجم لاحقاً) وكثيراً ما يموت الأطفال أثناء تعرضهم إلى الاغتصاب.

عامل منجم يسحق الكوبالت الذي سيتم اختباره من حيث النقاء في مستودع منجم كاسولو- موقع “بوليتزر سينتر”

وفي عام 2015، أصبحت كولويزي العاصمة الجديدة لمنطقة تسمى لولابا. وقد روَّج أول حاكم لوالابا، ريتشارد مويج مانجيز مانز، لنفسه باعتباره “الحل لبابا”، في إشارة إلى اسم المنطقة. وتم طلاء العديد من المقاعد في محطات الحافلات باسمه المستعار. وفي مقابلةٍ مع مجلة “مينييج آند بزنس”، تحدث مويج منتقداً عدوىالكوبالت في كاسولو، وقال: “هناك حاجة إلى خطة لتجنب التحركات المتسرعة التي يمكن أن تتحول إلى مأساة إنسانية”.

إن الصين والكونغو لديهما تاريخ طويل؛ فخلال عهد ليوبولد تم شحن العمال الصينيين إلى الكونغو، للمساعدة في بناء السكك الحديدية الوطنية. وفي السبعينيات، لجأ موبوتو إلى نظام ماو للتعاون التقني في مشروعات البنية التحتية. وبحلول التسعينيات، أصبح الصينيون هم مَن يتولون زمام الأمور: فقد بدأت حكومة بكين وعدد لا يحصى من الشركات الصينية في القيام باستثماراتٍ ضخمة في إفريقيا؛ خصوصاً في البلدان الغنية بالموارد، والتي تفتقر إلى القواعد التنظيمية، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: دخول التنين.. نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

وقد قال بيتر زو، وهو ممول صيني المولد، عمل في عدد من صفقات التعدين في الكونغو، إنه في مثل هذه الدول “هناك فساد، وهناك نقص في سيادة القانون؛ مما يمنحك مزيداً من الاستقلالية لريادة الأعمال”. وفي عام 2007، أبرم جوزيف كابيلا صفقة بِنية تحتية بقيمة ستة مليارات دولار مع الصين تضمنت بنداً يسمح للصينيين باستخراج ستمئة ألف طن من الكوبالت. وفي الوقت الراهن، يأتي معظم الكوبالت في جنوب الكونغو من مناجم صناعية مملوكة إلى حدٍّ كبير لشركات صينية.

يقوم المستثمرون الصينيون بعقد مزادات لشراء الكوبالت حسب درجة نقائه- “سي إن إن”

ففي عام 2016، دفعت شركة “تشاينا موليبدنوم” لشركة “فريبورت ماكموران” الأمريكية 2.65 مليار دولار، مقابل حصة سيطرة في “تينكي فونغوروم”، وهو منجم عملاق للنحاس والكوبالت يقع على بعد ساعتَين شرق كولويزي. وبعد 3 سنوات، استحوذت “تشاينا موليبدنوم” على حصة أخرى مقابل 1.14 مليار دولار، وقالت إنه في البداية، كان على الشركات أن تتحمل مخاطر مالية كبيرة؛ “لأن هناك نقصاً في البنية التحتية، حيث ترتفع قاعدة التكلفة لنقل جميع المواد”. وكان عليهم أيضاً أن يدفعوا رشاوى للمسؤولين الحكوميين والمسؤولين التنفيذيين في شركة “جيكامينز”.

اقرأ أيضاً: القارة الإفريقية ووباء كورونا.. السيناريو الأسوأ عالميًّا لم يبدأ بعد

وخلال هذه المرحلة، تم تحفيز الشركات الصينية لكسب المال بأية وسيلة ممكنة. وقد قال لي زو: “إذا كنت تدير عملك من دون عائد لائق؛ فلن تتمكن من تبرير المخاطرة”. وفي تلك الفترة، أعلن جوزيف كابيلا أنه بعد 18 عاماً في المنصب، لن يترشح للانتخابات. وفي يناير 2019، أصبح فيليكس تشيسيكيدي رئيساً. وفي الربيع التالي، التقيتُ الحاكمَ مويج في مجمعه المحصن بوسط كولويزي.

ومع انتشار جائحة كورونا، عانى جنوب الكونغو سلسلةً من عمليات الإغلاق. وقال كاجومبا إن المنقِّبين مثله “يواصلون العمل؛ لكن الوضع صعب”. وقد قامت الشركات بإعطاء إجازات للعمال، مما زاد من إحباطهم. وقبل عدة أشهر أرسل إليَّ صديق كونغولي شريط فيديو لعمال المناجم وهم يتظاهرون طلباً للرواتب المتأخرة في منجم تديره الصين في كولويزي. ومع استمرار القيود المفروضة بسبب انتشار الجائحة، أرسل إليَّ صديقي لقطات لمتظاهرين يحرقون الإطارات في الشوارع.

عمال كونغوليون يقومون بتحميل شاحنة بأكياس من الكوبالت في سوق موسومبو- وكالة “كوربس نيوز”

فإذا توقفت الشركات الصينية عن تصدير البطاريات، فإن ذلك يمكن أن يعرقل قدرة الشركات غير الصينية على إنتاج السيارات الكهربائية. وفي الشهر الماضي، استحوذت شركة “أمبريكس تكنولوجي”، وهي شركة صينية تقوم بتطوير وتصنيع بطاريات الليثيوم- أيون، على حصة تبلغ قيمتها 37 مليون دولار في منجم كيسانفو. وتعمل “تسلا” مع الشركة لتصنيع بطاريات سياراتها، كما تقوم شركة “أمبريكس تكنولوجي” بتزويد شركة “أبل” بالبطاريات.

وفي بعض المواقع، تُذكِّرنا معاملة الكونغوليين من قِبَل رؤسائهم الصينيين بفترة الاستعمار؛ ففي مقطع فيديو شاركته معي موتيندي، من جمعية الراعي الصالح، قام حارس كونغولي يحمل بندقية كلاشينكوف متدلية على ظهره، بضرب رجل يرقد شبه عارٍ في الوحل ويداه مقيدتان. وخلف الكاميرا، يبدأ رجل يتحدث بلغة الماندرين الصينية بالصراخ “بيجا!”؛ وهي كلمة باللغة السواحيلية تعني “اضرب”. وفي الخلفية توجد 7 شاحنات تستخدمها شركة “كونغو دونغ فانغ” الصينية، لنقل خام الكوبالت.

وعند وصولي إلى المنجم، كنت قد تلقيتُ شرحاً مطولاً لبروتوكولات السلامة؛ لكن عندما اقتربت من عمال التنقيب، كان من الواضح أنهم لا يملكون سوى معدات بدائية، وكانوا يستخدمون التنكات البلاستيكية المقطوعة إلى نصفين والمربوطة بالحبال لسحب الخام. وكان العديد من المنقبين بلا أحذية، ولم أرَ أياً منهم يرتدي خوذات أو نظارات واقية، على الرغم من حقيقة أن التدقيق السري لعام 2018، من قِبل مجموعة “إل جي كيميكال” الكورية، قد انتقد الموقع بسبب نقص معدات السلامة المناسبة.

تم رفع دعوى قضائية ضد شركات “أبل” و”جوجل” و”ديل” و”مايكروسوفت” و”تسلا” لتورطها في إصابات أو وفيات بين عمال المناجم الأطفال عام 2019- “فرانس برس”

والواقع أن الشركات التي تستخدم بطاريات الليثيوم-أيون تستجيب بشكلٍ دوري للضغوط العامة بشأن الأوضاع في مناجم الكوبالت من خلال الوعد بتنظيف سلاسل التوريد الخاصة بها، وابتكار طريقةٍ للخروج من المشكلة. وهناك أيضاً حافز مالي للقيام بذلك؛ فالكوبالت يُعَد واحداً من أغلى عناصر البطارية ثمناً.

وفي العام الماضي، تعهدت “تسلا” باستخدام بطاريات فوسفات حديد-الليثيوم، والتي لا تحتوي على الكوبالت، في بعض سياراتها الكهربائية؛ مما أدى إلى انخفاض أسهم شركة “هوايو”. ومع ذلك، أشارت وكالة “رويترز” إلى أنه “لم يكن من الواضح إلى أي مدى تعتزم “تسلا” استخدام بطاريات فوسفات حديد-الليثيوم”، وأن الشركة “ليست لديها خطط للتوقف” عن استخدام البطاريات التي تحتوي على الكوبالت.

اقرأ أيضاً: كيف تستغل الدول المانحة حاجات الفقراء اقتصادياً وسياسياً؟

وبعد أن نشرت منظمة العفو الدولية تقريراً عن تعدين الكوبالت غير الأخلاقي عام 2016، أصدرت شركة “أبل” بياناً قالت فيه: “نحن نعتقد أن كل عامل في سلسلة التوريد لدينا له الحق في ظروف عملٍ آمنة وأخلاقية”، وأنه “لن يتم التسامح أبداً مع العمل دون السن القانونية“.

وفي العام التالي، بعد أن أظهر تقرير لشبكة “سكاي نيوز” أن الكوبالت الذي يستخرجه الأطفال لا يزال يستخدم في أجهزة الشركة، علقت “أبل” شراء الكوبالت المستخرج يدوياً؛ ولكن بمجرد أن تلاشى اهتمام وسائط الإعلام، استمرت هذه الممارسة.

وفي ديسمبر 2019، رفع محامون من منظمة الدفاع عن الحقوق الدولية؛ وهي شركة محاماة في واشنطن، دعوى قضائية ضد شركات أبل وجوجل وديل ومايكروسوفت وتسلا” لتورطها في إصابات أو وفيات بين عمال المناجم الأطفال. وتزعم الشكوى أن “هؤلاء الصبية يعملون في ظلِّ ظروف العصر الحجري مقابل أجور زهيدة، ويتعرضون إلى مخاطر شخصية هائلة لتوفير الكوبالت”، وأن “مئات المليارات من الدولارات التي يجنيها المدَّعى عليهم كل عام لن تكون ممكنة دون تعدين الكوبالت في الكونغو”.

منجم كاسولو الذي تملكه حكومة الكونغو وتديره شركة “الكونغو دونغ فانغ” للتعدين ومقرها الصين- موقع “بوليتزر سينتر”

ورداً على ذلك، قالت “أبل” إنها تعمل على تحسين المعايير منذ عام 2014، وأكدت “إننا نعمل باستمرار على رفع مستوى المعايير لأنفسنا وللصناعة”. وقالت أيضاً إنها حققت ابتكارات في مجال إعادة تدوير الكوبالت. وقد دفع الاحتجاج الشديد على ظروف العمل اللاعبين الأساسيين في الصناعة إلى تأسيس تحالف الكوبالت العادل؛ وهو منظمة تدعم، من بين أمورٍ أخرى، التعدين على نطاق صغير باستخدام معدات السلامة والمياه النظيفة.

وطوال سنوات، كان القرويون يزرعون الأدغال المحيطة بهم، ويجنون كمياتٍ كبيرة من محاصيل الكاسافا؛ ولكن قبل نحو عقد من الزمن تلوثت الأرض بعدما فتح بعض رجال الأعمال الأجانب مصنعاً لمعالجة الكوبالت في مكانٍ قريب. ولم يترك ذلك أي مصدر لتوظيف القرويين، باستثناء العمالة اليومية ذات الأجور المنخفضة. وفي عام 2018، بدأ سكان كاسولو الذين نزحوا بسبب منجم كونغو دونغ فانغ في الوصول.

اقرأ أيضاً: المؤسسات الصينية الخاصة ولعبة الترهيب

وفي نهاية زيارتي الأولى إلى ساموكيندا، لاحظتُ أن مخلفات التعدين تنتشر على طول الطريق. وتساءلت عما إذا كانت المخلفات تحتوي على أي كوبالت، وأخبرني شاب قروي أنها تحتوي على الأرجح؛ فبعد كل شيء كانت المنطقة بأكملها ترتكز على الرواسب المعدنية. ثم سألته عما إذا كان سكان ساموكيندا قد فكروا في الحفر أسفل القرية؛ فاستهجن الشاب الأمر، وقال إن الناس في قريته لا يريدون أن يلقوا المصير نفسه الذي لقيه سكان كاسولو، ثم أضاف: “لكنهم في نهاية المطاف، سوف يأتون ويطردوننا من هنا”.

♦ساهم نيكولا نياركوس في صحيفة “النيويوركر”منذ عام 2014، وهو يعمل حالياً على كتاب عن صناعة الكوبالت العالمية.

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات