الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

الجانب البصري في الغناء والموسيقى اليمنية

كيوبوست- منير بن وبر

يمتلك اليمن تنوعاً شديداً في الألوان الموسيقية والغنائية، وما قد يصاحبها، غالباً، من رقصات. وفي حين أن كل ذلك يُعد من الفنون الاستعراضية، إلا أنها ترتبط بشكل وثيق بالفنون البصرية التراثية والفنون بشكل عام؛ مثل الملابس والزخارف. إن اجتماع وتناغم الفنون الاستعراضية والبصرية في اليمن يعبران بشكل مدهش عن ثقافة غنية شديدة التنوع، تملؤها الألوان، وتحركها الإيقاعات، ويرسِّخ مكانتها الأداء المُتقن.

في اليمن، يستحيل تقريباً فصل الموسيقى عن الرقص، أو تجاهل الجانب البصري؛ وهكذا نرى أن المُنتج النهائي هو خليط من كل ذلك. يقول المؤلف الموسيقي، محمد القحوم، في لقاء خاص مع “كيوبوست”: “من مميزات الفنون اليمنية أنها تأتي مصحوبة بالألوان، أو صورة بصرية”، ويضيف أنه، (في رقصة “العِدة” مثلاً، نلاحظ لبس اللون الأحمر، وفي “الزربادي” اللون الأبيض، وفي “الهبيش” الأخضر). إن هذه الألوان التي تميز ملابس المؤدِّين في الرقصات والألوان الغنائية السابقة هي ما يمنحها -إلى حد بعيد- تصنيفها وتعريفها وشروط أدائها المتوارثة على مر الزمن.

اقرأ أيضاً: فن الزخرفة والعمارة في حضرموت

الارتباط بين الموسيقى والغناء والرقص والفنون البصرية في اليمن؛ مثل الزخرفة والنحت، قديم جداً. يمكن أن يعبر كل نوع من تلك الفنون عن الآخر، أو يكون موضوعه الأساسي، أو جزءاً أصيلاً منه، أو يتزيَّن به. ظهرت آلة العود اليمنية -مثلاً- في أحد النقوش القديمة التي يعود تاريخها إلى نحو الألف الأول قبل الميلاد. يُعبر ذلك النقش بصرياً عن تقدير، أو على الأقل توثيق، لفن موسيقي موغِل في القدم، ولا تزال هذه الآلة تُستخدم إلى اليوم، وتُعرف في حضرموت باسم “القنبوس”. وهكذا، وبشكل تبادلي، يمكن أن تعبِّر رقصة ما عن قصة أو حدث أو حقبة من الزمن السحيق أيضاً.

نقش سبئي تظهر فيه امرأة تحمل آلة “القنبوس” الموسيقية- ويكيبيديا

الفنون والمكانة الاجتماعية

ربما تكون الملابس هي أكثر ما يميز الجانب البصري في الفنون الموسيقية والغنائية اليمنية؛ ليس بتصميمها فحسب، بل أيضاً بألوانها المميزة وزخارفها. تتنوع ملابس الرجال والنساء في اليمن بشكل يصعب حصره؛ لكنها لا تتداخل مع بعضها، مما يجعلها بالتالي تصاحب رقصات معينة دون غيرها. على سبيل المثال، يتميز المؤدون في رقصة “العِدة” في حضرموت، بلبس شال أو عمامة يُطلق عليها “رمّال”، لكن لا يمكن أن يلبس مؤدّي رقصة “البرعة” في صنعاء هذه العمامة.

خلال لقائه مع “كيوبوست”، قال المؤلف الموسيقي محمد القحوم: “يستحيل أن تكتمل صورة الهبيش (وهي رقصة شعبية) إلا بوجود المزمار ولباس المزمار. ومستحيل أيضاً أن تكتمل صورة العِدّة (رقصة شعبية تنتشر في حضرموت) عند الجمهور إلا بوجود الرمّال والعيدان التي يحملها المؤدون، بل والزخارف الموجودة على تلك العِيدان. دون كل ذلك، ستشعر بنقص ما”. ويضيف القحوم: “إذا لم توجد تلك المظاهر؛ فلن تشعر بروح هذا اللون الموسيقي وأصالته”.

المؤلف الموسيقي محمد القحوم

تُعبِّر الملابس أيضاً، من جانب آخر، عن المكانة الاجتماعية، أو حِرفة الشخص. تنسحب تلك الصورة الرمزية إلى الفن الموسيقي والغنائي المرتبط بمهنة أو طبقة اجتماعية معينة؛ ففي اللون الغنائي البحري المعروف بـ”الكاسِر” يلبس المؤدون لباس البحَّارة البسيط، والذي يغلب عليه -عادة- اللون الأبيض. يُعبِّر هذا الغناء، والرقص والعزف المصاحب له، عن حياة البحَّارة، وتعكس طريقة لبسهم؛ لكن في رقصة “العِدة” التي ترمز إلى الحرب والانضباط العسكري والنصر، نرى المؤدِّين يلبسون العِمامة الفخمة، بلونها الأحمر الملكي غالباً، والتي تُعد رمزاً من رموز المكانة الاجتماعية. وعليه، من غير المقبول أن نرى لباس “العِدّة” في رقصة “الكاسِر”.

اقرأ أيضاً: أثر البيئة الإسلامية والتصوف في شعراء حضرموت

الفن الاستعراضي ذاته يمكن أن يرتبط بطبقة اجتماعية معينة؛ فرقصة “الزربادي” مثلاً ترتبط بطبقة السادة في حضرموت. وبطبيعة الحال، تعتبر الملابس إحدى صور التعبير عن طبقة اجتماعية معينة أيضاً. وعلى الرغم من أهمية تلك الرمزية؛ فإنها تختفي في قوانين الموسيقى والرقص والغناء، فإذا رغب شخص من طبقة اجتماعية مرموقة في أن يُحيي حفلاً تُؤدَّى فيه رقصة خاصة بطبقة عادية، فإن المؤدين سوف يلتزمون بالزي الخاص بالرقصة، بغض النظر عن صاحب ذلك الحفل وطبقته الاجتماعية.  

رقصة البرعة- محمد المخلافي

يفرض المجتمع تقاليد متوارثة صارمة خاصة بتنظيم الأفراد داخل كل جماعة أو طبقة، وفي ما بين الجماعات بعضها مع بعض، ومع ذلك نلاحظ أن الغناء والرقص يفرضان قوانينهما الخاصة بشكل تذوب معه الفوارق والسمات التي تميز المناطق والجماعات، ويبدو أن هذه الصرامة في الفنون الاستعراضية والبصرية تعبِّر عن تقدير عميق للفن بحد ذاته.

تنوع وتجذُّر

الزخارف هي شكل آخر من أشكال التعبير البصري الذي يصاحب الغناء والرقص التقليدي في اليمن. نجد تلك الزخارف بشكل واضح على الملابس التقليدية؛ مثل الإزار (يُطلق عليه محلياً اسم الصارون أو الفوطة) في حضرموت ولحج وعدن، أو العمامة التي تُلبس في أغلب المناطق. كما تُزيِّن الزخارف أيضاً الخنجر، أو الجنبية، والتي لا تزال تظهر بشكل لافت وجميل في رقصة “البرعة” التي تنتشر في المناطق الشمالية من اليمن. تظهر الزخارف أيضاً في الآلات الموسيقية اليمنية التقليدية؛ مثل آلة العود اليمني “القنبوس”، والمزمار، والآلات الإيقاعية؛ مثل الطبل.. وغيرها.

القنبوس- وسائل التواصل الاجتماعي

في كتابه “الزخارف التقليدية في حضرموت” يقول ياسر قنيوي: “لا تخلو الآلات الموسيقية من التزيين والزخرفة بالزخارف الهندسية بالخطوط البسيطة التي تتقاطع عرضاً وطولاً في جسم الآلة الموسيقية، وكذلك يحضر التلوين؛ حيث يتم طلاء إطار ووسط الآلة الموسيقية… ويتم كذلك زخرفة الجزء الفخاري أو الخشبي بزخارف غائرة أو محززة في أصل الخامة، أو يتم الرسم عليها بالألوان”.

غلاف كتاب “الزخارف التقليدية في حضرموت”

يرتبط الغناء والموسيقى، وجوانبهما البصرية، بحياة الإنسان اليمني بشكل عميق؛ فالفن سلواه عندما يعمل في الحقل تحت حر الشمس، وأنيسه عندما يقود الإبل في الصحاري والشعاب، وخليله عندما يقتحم لُجج البِحار؛ إنه أغلى هدية للضيف، والعريس، والمسافر، والمولود، وخير ما يُحتفل به في المواسم والأعياد. وهكذا، نرى أن الإنسان اليمني ابتكر لكل جانب من جوانب حياته نغمة ما، أو دندنة، أو إيقاعاً، أو لحناً؛ ليس بغرض التسلية فحسب، بل حتى بغرض التعبُّد والتقرُّب إلى الله والدعاء، كما نلاحظ -مثلاً- في الموشحات الدينية.

كل ذلك التنوع والتجذُّر الفني له جوانبه البصرية الغنية والفريدة هي الأخرى، وتؤدي جميعها دور الناقل للتراث والتاريخ والفكر والثقافة من جيل إلى جيل؛ بل وتنتقل بين الشعوب والدول؛ ناقلةً معها كل تلك الرموز والصور بما تعبر عنه من دلالات وأفكار ومعانٍ وتاريخ. 

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة