الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الجائحة وفرصة الرأسمالية للتعافي من أخطاء الماضي!

تعاون القطاعين العام والخاص واقتصاد أكثر شمولاً واستدامة

كيوبوست – ترجمات

ماريانا ماتسوكاتو♦

بعد الأزمة المالية لعام 2008، ضخت الحكومات في جميع أنحاء العالم أكثر من 3 تريليونات دولار في الأنظمة المالية. وكان الهدف هو تحرير أسواق الائتمان من التجمد وإعادة الاقتصاد العالمي للعمل مرة أخرى. ولكن بدلاً من دعم الاقتصاد الحقيقي الذي يتضمن إنتاج السلع والخدمات الفعلية، انتهى الجزء الأكبر من المساعدة في القطاع المالي. وأنقذت الحكومات البنوك الاستثمارية الكبرى التي أسهمت بشكل مباشر في الأزمة، وعندما عاد الاقتصاد إلى العمل مرة أخرى، كانت تلك الشركات هي التي حصدت ثمار الانتعاش.

أما دافعو الضرائب، فقد تُركوا مع اقتصاد عالمي كان محطماً وغير متكافئ وكثيف الكربون كما كان من قبل. وهناك قول مأثور في صنع السياسة مؤداه: “لا تدع أزمة جيدة تذهب سدى”؛ لكن هذا ما حدث بالضبط. والآن، نظراً لأن البلدان تعاني جائحة كورونا وعمليات الإغلاق الناتجة عنها، يجب عليها تجنب ارتكاب الخطأ نفسه. وفي الأشهر التي تلت ظهور الفيروس لأول مرة، تدخلت الحكومات لمعالجة الأزمات الاقتصادية والصحية المصاحبة، وطرحت حزم تحفيز لحماية الوظائف مع إصدار قواعد لإبطاء انتشار المرض، والاستثمار في البحث وتطوير العلاجات واللقاحات.  

اقرأ أيضاً: فرانسيس فوكوياما يكتب: الجائحة والنظام السياسي

وبينما أضاع العالم فرصة القيام بذلك عام 2008، منحه القدر فرصة أخرى. ومع خروج البلدان من الأزمة الحالية، يمكنها أن تفعل أكثر من تحفيز النمو الاقتصادي؛ إذ يمكنها توجيه اتجاه هذا النمو لبناء اقتصاد أفضل. وبدلاً من تقديم مساعدة غير مقيدة بشروط للشركات، يمكنها أن تشترط عمليات إنقاذها بسياسات تحمي المصلحة العامة وتعالج المشكلات المجتمعية.

ولفترة طويلة جداً، كانت الحكومات تُدخل المخاطر في إطار مجتمعي؛ لكنها خصخصت المكافآت ودفعت الشعوب ثمن إزاحة آثار الفوضى، لكن فوائد عمليات التنظيف هذه تراكمت بشكل كبير على الشركات ومستثمريها. وفي أوقات الحاجة، تسارع العديد من الشركات إلى طلب المساعدة الحكومية؛ ولكن في الأوقات الجيدة، فإنها تطالب الحكومة بالتنحي.

المشكلة تكمن في النظام                                         

كانت الاقتصادات المتقدمة تعاني عيوباً هيكلية كبيرة قبل وقت طويل من جائحة (كوفيد-19). ولسبب واحد، أن التمويل يمول نفسه، وبالتالي تآكل أساس النمو طويل الأجل. ويتم إعادة استثمار معظم أرباح القطاع المالي في التمويل -البنوك وشركات التأمين والعقارات– بدلاً من توجيهها نحو الاستخدامات الإنتاجية؛ مثل البنية التحتية أو الابتكار.

بورصة نيويورك خلال الإغلاق بسبب جائحة كورونا.. نيويورك سبتمبر 2020- “أسوشييتد برس”

وهناك 10% فقط من جميع قروض البنوك البريطانية، على سبيل المثال، تدعم الشركات غير المالية، بينما يذهب الباقي إلى العقارات والأصول المالية. وفي الاقتصادات المتقدمة، شكَّل الإقراض العقاري نحو 35% من إجمالي الإقراض المصرفي عام 1970، وبحلول عام 2007، ارتفع إلى نحو 60%. وبالتالي، فإن الهيكل المالي الحالي يغذي نظاماً تحركه الديون وفقاعات مضاربة، والتي عندما تنفجر تدفع البنوك وغيرها إلى التوسل لإنقاذ الحكومة.

وهناك مشكلة أخرى هي أن العديد من الشركات الكبيرة تهمل الاستثمارات طويلة الأجل لصالح مكاسب قصيرة الأجل. ولأنها مهووسة بالعائدات الفصلية وأسعار الأسهم، فقد كافأت الرؤساء التنفيذيين ومجالس إدارة الشركات المساهمين من خلال إعادة شراء الأسهم، وزيادة قيمة الأسهم المتبقية، وبالتالي خيارات الأسهم التي تشكل جزءاً من معظم حزم رواتب التنفيذيين. وفي العقد الماضي، أعادت شركات “فورشن 500” شراء ما قيمته أكثر من 3 تريليونات دولار من أسهمها. وتأتي عمليات إعادة الشراء هذه على حساب الاستثمار في الأجور وتدريب العمال والبحث والتطوير.

ويتبع ذلك تفريغ لقدرات الحكومة؛ حيث لا تتدخل الحكومات عادة إلا بعد فشل واضح في السوق، وتكون السياسات التي تطرحها قليلة ومتأخرة جداً. وعندما لا يُنظر إلى الدولة على أنها شريك في خلق القيمة ولكن مجرد عامل مساعد، فإن الموارد الممولة من القطاع العام تصبح في ضائقة. وتعاني البرامج الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية نقص التمويل. وقد أضافت هذه الإخفاقات إلى الأزمات الضخمة الاقتصادية.

مئات الأشخاص يصطفون خارج مركز “كنتاكي” للتوظيف على أمل الحصول على مساعدة.. “كنتاكي”- الولايات المتحدة يونيو 2020- “رويترز”

في الوقت نفسه، أدى الافتقار إلى الاستثمارات طويلة الأجل في الطاقة الخضراء إلى تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري؛ لدرجة أن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ التابعة للأمم المتحدة حذَّرت من أن العالم أمامه 10 سنوات فقط لتجنب آثاره التي لا رجعة فيها. ومع ذلك، تدعم الحكومة الأمريكية شركات الوقود الأحفوري بما يصل إلى 20 مليار دولار سنوياً من خلال الإعفاءات الضريبية التفضيلية. بينما يبلغ إجمالي دعم الاتحاد الأوروبي نحو 65 مليار دولار سنوياً.

وفي أحسن الأحوال، يفكر صانعو السياسات الذين يحاولون التعامل مع تغير المناخ في الحوافز؛ مثل ضرائب الكربون والقوائم الرسمية التي تعتبر استثماراتها خضراء. وقد توقفوا عن إصدار اللوائح الإلزامية المطلوبة لتجنب الكارثة بحلول عام 2030. وقد أدت أزمة فيروس كورونا المستجد إلى تفاقم كل هذه المشكلات. وفي الوقت الحالي، يتركز اهتمام العالم على النجاة من الأزمة الصحية المباشرة، وليس على منع أزمة المناخ أو الأزمة المالية المقبلة. وأدت عمليات الإغلاق إلى تدمير الأشخاص الذين يعملون في اقتصاد الوظائف المؤقتة المحفوف بالمخاطر.

اقرأ أيضاً: ترجمات: الرأسمالية والماركسية وجهاً لوجه

كما كشف الوباء عن مدى عدم توازن العلاقة بين القطاعَين العام والخاص. ففي الولايات المتحدة، تستثمر المعاهد الوطنية للصحة نحو 40 مليار دولار سنوياً في الأبحاث الطبية، وكانت ممولاً رئيساً للبحث والتطوير في علاجات ولقاحات (كوفيد-19). لكن شركات الأدوية ليست ملزمة بجعل المنتجات النهائية في متناول الأمريكيين، الذين تدعمهم أموالهم الضريبية في المقام الأول.

متظاهرون في مبنى الكابيتول بولاية بنسلفانيا يطالبون الحاكم بإعادة فتح الاقتصاد.. أبريل 2020- “أسوشييتد برس”

وكانت شركة “جيلياد” التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها قد طورت دواء (كوفيد-19) الخاص بها، وهو “ريميدسفير”، بدعم 70.5 مليون دولار من الحكومة الفيدرالية. وفي يونيو الماضي، أعلنت الشركة السعر الذي ستفرضه على الأمريكيين مقابل دورة علاجية وهو 3120 دولاراً. وقد نظرت إحدى الدراسات في 210 عقارات تمت الموافقة عليها من قِبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من عام 2010 إلى 2016، ووجدت أن “تمويل المعاهد الوطنية للصحة أسهم في الجميع”. ومع ذلك، فإن أسعار الأدوية في الولايات المتحدة هي الأعلى في العالم.

وتعمل شركات الأدوية أيضاً ضد المصلحة العامة من خلال إساءة استخدام عملية براءات الاختراع.  وتم إبرام صفقات سيئة بالقدر نفسه مع شركات التكنولوجيا العملاقة “بيج تيك”. فمن نواحٍ عديدة، يعد وادي السيليكون نتاجاً لاستثمارات الحكومة الأمريكية في تطوير تقنيات عالية المخاطر. وقامت مؤسسة العلوم الوطنية بتمويل الأبحاث الخاصة بخوارزمية البحث التي جعلت شركة “جوجل” مشهورة. كما فعلت البحرية الأمريكية الشيء نفسه بالنسبة إلى تقنية “جي بي إس” التي تعتمد عليها “أوبر”.

اقرأ أيضاً: “معنى” كيسنجر.. إعادة الاعتبار للواقعية

كما دعمت وكالة مشروعات الأبحاث الدفاعية المتقدمة، وهي جزء من البنتاغون، تطوير الإنترنت وتكنولوجيا الشاشة التي تعمل باللمس وكذلك كل مكون أساسي آخر في “آي فون”. وبينما خاطر دافعو الضرائب عندما استثمروا في هذه التقنيات، فإن معظم شركات التكنولوجيا التي استفادت تفشل في دفع نصيبها العادل من الضرائب. ثم إن لديها الجرأة لمحاربة اللوائح التي من شأنها حماية حقوق الخصوصية للجمهور.

إعادة النظر في القيمة

كل هذا يشير إلى أن العلاقة بين القطاعَين العام والخاص مقطوعة. ويتطلب إصلاحها أولاً معالجة مشكلة أساسية في الاقتصاد، وهي الخطأ في إدراك مفهوم القيمة. ويفهم الاقتصاديون المعاصرون القيمة على أنها قابلة للتبادل مع السعر. وقد يكون هذا الرأي لعنة بالنسبة إلى المنظرين الأوائل؛ مثل فرانسوا كيسناي وآدم سميث وكارل ماركس، الذين رأوا أن المنتجات لها قيمة جوهرية تتعلق بديناميات الإنتاج، وهي قيمة لم تكن مرتبطة بالضرورة بسعرها.

دانيال أوداي الرئيس التنفيذي لشركة “جيلياد للعلوم” في البيت الأبيض مع الرئيس ترامب ونائبه مايك بنس.. مايو 2020- “نيويورك تايمز”

وللمفهوم المعاصر للقيمة آثار هائلة على طريقة هيكلة الاقتصادات. إنه يؤثر على كيفية إدارة المنظمات، وكيفية حساب الأنشطة، وكيفية تحديد أولويات القطاعات، وكيفية النظر إلى الحكومة، وكيفية قياس الثروة الوطنية. فقيمة التعليم العام، على سبيل المثال، لا تظهر في الناتج المحلي الإجمالي للبلد لأنه مجاني؛ لكن تكلفة رواتب المعلمين تفعل ذلك.

ومن الطبيعي إذن أن يتحدث الكثير من الناس عن “الإنفاق” العام بدلاً من “الاستثمار” العام. ويفسر هذا المنطق أيضاً سبب استطاعة الرئيس التنفيذي لشركة “جولدمان ساكس”، آنذاك، لويد بلانكفاين، أن يدَّعي عام 2009، أي بعد عام واحد فقط من حصول شركته على خطة إنقاذ بقيمة 10 مليارات دولار، أن عمالها كانوا “من بين الأكثر إنتاجية في العالم”. وبعد كل شيء، إذا كانت القيمة هي السعر، وإذا كان دخل “جولدمان ساكس” لكل موظف من بين أعلى المعدلات في العالم، فبالطبع يجب أن يكون عمالها من بين الأكثر إنتاجية في العالم.

ويتطلب تغيير الوضع الراهن الخروج بإجابة جديدة للسؤال: ما القيمة؟ وهنا من الضروري التعرف على الاستثمارات والإبداع الذي توفره مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة عبر الاقتصاد؛ ليس فقط الشركات ولكن أيضاً العمال والمؤسسات العامة. ولفترة طويلة، كان الناس يتصرفون كما لو كان القطاع الخاص هو المحرك الرئيس للابتكار وخلق القيمة، وبالتالي يحق لهم الحصول على الأرباح الناتجة.

فني مختبر يقوم بفرز عينات الدم لاستخدامها في تجارب لقاح “كورونا” في مركز الأبحاث الأمريكية بفلوريدا- “فرانس برس”

لكن هذا ببساطة ليس صحيحاً؛ حيث تم تطوير مجالات الأدوية الصيدلانية، والإنترنت، وتكنولوجيا النانو، والطاقة النووية، والطاقة المتجددة؛ كلها بكمية هائلة من الاستثمار الحكومي والمخاطرة، وعلى ظهور عدد لا يُحصى من العمال، وبفضل البنية التحتية والمؤسسات العامة. وبالتالي فإن تقدير مساهمة هذا الجهد الجماعي سيجعل من الأسهل ضمان حصول الجميع على أجر مناسب وتوزيع المكافآت الاقتصادية للابتكار بشكل أكثر إنصافاً.

عمليات الإنقاذ السيئة

وإلى جانب إعادة التفكير في القيمة، تحتاج المجتمعات إلى إعطاء الأولوية للمصالح طويلة الأجل لأصحاب المصلحة بدلاً من المصالح قصيرة الأجل للمساهمين. وفي الأزمة الحالية، يجب أن يعني ذلك تطوير لقاح (كوفيد-19) يمكن للجميع على الكوكب الوصول إليه. كما يجب أن تُحكم عملية ابتكار الأدوية بطريقة تعزز التعاون والتضامن بين البلدان سواء أثناء مرحلة البحث والتطوير أو عندما يحين وقت توزيع اللقاح.

اقرأ أيضاً: جائحة فيروس كورونا ستغيِّر النظام العالمي إلى الأبد

ويجب أيضاً تجميع براءات الاختراع بين الجامعات والمختبرات الحكومية والشركات الخاصة؛ بما يسمح للمعرفة والبيانات والتكنولوجيا بالتدفق بحرية في جميع أنحاء العالم. ودون هذه الخطوات، يخاطر لقاح كورونا بأن يصبح منتجاً باهظ الثمن يتم بيعه بسياسة الاحتكار كسلعة فاخرة لا يستطيع تحملها سوى أغنى البلدان والمواطنين. وبشكل عام، يجب على الدول أيضاً هيكلة الاستثمارات العامة بشكل أقل شبهاً بالمنشآت وأكثر شبهاً بمحاولات تشكيل السوق لمصلحة الجمهور، مما يعني ربط الخيوط بمساعدة الحكومة.

التجار في بورصة نيويورك التجارية في سبتمبر 2008- “أسوشييتد برس”

وخلال تفشي الوباء، يجب أن تعزز هذه الظروف 3 أهداف محددة: أولاً، الحفاظ على التوظيف لحماية إنتاجية الشركات وتأمين دخل الأسر. وثانياً، تحسين ظروف العمل من خلال توفير السلامة المناسبة، والأجور اللائقة، ومستويات كافية من الأجر المرضي، ودور أكبر في صنع القرار. ثم ثالثاً، دفع المهام طويلة الأجل مثل الحد من انبعاثات الكربون، وتطبيق فوائد الرقمنة على الخدمات العامة من النقل إلى الصحة.

وتوضح استجابة الولايات المتحدة الرئيسة لجائحة كورونا، قانون كيرز (مساعدة فيروس كورونا، والإغاثة، والأمن الاقتصادي) الذي أقره الكونغرس في مارس، هذه النقاط في الاتجاه المعاكس. وبدلاً من توفير دعم فعال لكشوف الرواتب، كما فعل معظم الدول المتقدمة الأخرى، عرضت الولايات المتحدة إعانات بطالة مؤقتة معززة. وأدى هذا الاختيار إلى تسريح أكثر من 30 مليون عامل؛ ما جعل الولايات المتحدة لديها واحد من أعلى معدلات البطالة المرتبطة بالوباء في العالم المتقدم.

اقرأ أيضاً: هل تسيطر الصين على منظمة الصحة العالمية؟

ونظراً لأن الحكومة قدمت تريليونات الدولارات في شكل دعم مباشر وغير مباشر للشركات الكبيرة دون شروط ذات مغزى، فقد كان للعديد من الشركات الحرية في اتخاذ الإجراءات التي يمكن أن تنشر الفيروس؛ مثل رفض الإجازات المرضية المدفوعة لموظفيها وتشغيل أماكن العمل غير الآمنة. وأنشأ قانون “كيرز” أيضاً برنامج حماية شيك الرواتب، والذي بموجبه تلقت الشركات قروضاً يتم إعفاؤها إذا تم الاحتفاظ بالموظفين في كشوف الرواتب. ولكن انتهى الأمر بشراكة بين القطاعَين العام والخاص في الخدمة كمنحة نقدية ضخمة لخزائن الشركات أكثر من كونها وسيلة فعالة لتوفير الوظائف.

ساحة المطاعم خالية نتيجة الإغلاق العام في ولاية كاليفورنيا ما أدى إلى كساد اقتصادي- “وول ستريت جورنال”

ويمكن لأية شركة صغيرة، وليس فقط المحتاجين، الحصول على قرض، وسرعان ما خفف الكونغرس القواعد المتعلقة بالقدر الذي تحتاج إليه الشركة في إنفاقها على كشوف الرواتب للإعفاء من القرض. ونتيجة لذلك، وضع البرنامج انخفاضاً طفيفاً مثيراً للشفقة في البطالة. وخلص فريق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الشراكة بين القطاعَين العام والخاص قدمت قروضاً بقيمة 500 مليار دولار؛ لكنها وفرت 2.3 مليون وظيفة فقط على مدار ستة أشهر تقريباً.

اقرأ أيضاً: “نحن في المراحل الأولى مما سيصبح سلسلة من الأزمات العالمية المتتالية”

وبافتراض أن معظم القروض قد تم إعفاؤها في النهاية، فإن التكلفة السنوية للبرنامج تصل إلى ما يقرب من 500 ألف دولار لكل وظيفة. وخلال الصيف، نفد كل من برنامج المساعدات وإعانات البطالة الموسعة، ولا يزال معدل البطالة في الولايات المتحدة يتجاوز 10%. وسمح الكونغرس حتى الآن بإنفاق أكثر من 3 تريليونات دولار استجابة للجائحة، وضخ الاحتياطي الفيدرالي 4 تريليونات دولار إضافية أو نحو ذلك في الاقتصاد؛ بما مجموعه أكثر من 30% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن هذه النفقات الهائلة لم تحقق شيئاً في ما يتعلق بمعالجة القضايا العاجلة طويلة الأجل.

وعندما اقترحت السناتور إليزابيث وارن؛ الديمقراطية عن ولاية ماساتشوستس، إلحاق شروط بعمليات الإنقاذ لضمان أجور أعلى وسلطة أكبر في اتخاذ القرار للعمال وتقييد توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم والمكافآت التنفيذية، لم تتمكن من الحصول على الأصوات. وكان الهدف من تدخل الحكومة هو منع انهيار سوق العمل والحفاظ على الشركات كمنظمات منتجة بشكل أساسي، لتكون بمثابة شركة تأمين ضد المخاطر الكارثية. لكن لا يمكن السماح لهذا النهج بإفقار الحكومة، ولا ينبغي السماح للأموال بتمويل استراتيجيات الأعمال المدمرة.

نائب الرئيس الأمريكي ومسؤولو إدارة الأزمة في مؤتمر صحفي حول فيروس كورونا.. مارس 2020- “أسوشييتد برس”

وفي حالة الملاءة المالية، قد تفكر الحكومة في المطالبة بمراكز الأسهم في الشركات التي تنقذها، كما حدث عام 2008 عندما استحوذت وزارة الخزانة الأمريكية على حصص ملكية في “جنرال موتورز” وغيرها من الشركات المتعثرة. وعند إنقاذ الشركات، يجب على الحكومة أن تفرض شروطاً تحظر جميع أنواع السلوك السيئ؛ مثل توزيع مكافآت الرئيس التنفيذي في وقت غير مناسب، وإصدار أرباح زائدة، وإعادة شراء الأسهم، وتحمل ديون غير ضرورية، وتحويل الأرباح إلى ملاذات ضريبية، والانخراط في ضغط سياسي إشكالي. ويجب عليها أيضاً منع الشركات من التلاعب بالأسعار؛ خصوصاً في حالة علاجات ولقاحات (كوفيد-19).

وتُظهر بلدان أخرى كيف تبدو الاستجابة المناسبة للأزمة؛ فعندما عرضت الدنمارك دفع 75% من تكاليف رواتب الشركات في بداية الجائحة، فعلت ذلك بشرط ألا تتمكن الشركات من تسريح العمال لأسباب اقتصادية. كما رفضت الحكومة الدنماركية إنقاذ الشركات التي تم تسجيلها في الملاذات الضريبية ومنعت استخدام أموال الإغاثة لتوزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم. وفي النمسا وفرنسا تم إنقاذ شركات الطيران بشرط أن تقلل من انبعاثات الكربون.

وعلى النقيض من ذلك، منحت الحكومة البريطانية “إيزي جيت” الوصول إلى أكثر من 750 مليون دولار من السيولة في أبريل على الرغم من أن شركة الطيران قد دفعت ما يقرب من 230 مليون دولار من الأرباح للمساهمين في الشهر السابق. ورفضت المملكة المتحدة إرفاق شروط بإنقاذها لشركة “إيزي جيت” وغيرها من الشركات المتعثرة باسم حياد السوق، انطلاقاً من مبدأ أنه ليس من مسؤولية الحكومة إخبار الشركات الخاصة بكيفية إنفاق أموالها.

توقف حركة الشحن والتفريغ في ميناء لوس أنجلوس بسبب إغلاق جائحة كورونا- “لوس أنجلوس جورنال”

لكن خطة الإنقاذ لا يمكن أن تكون حيادية؛ فبحكم التعريف تتضمن خطة الإنقاذ اختيار الحكومة لتجنيب شركة، وليس أخرى، من كارثة. ودون شروط، تتعرض المساعدة الحكومية إلى خطر دعم الممارسات التجارية السيئة، من نماذج الأعمال غير المستدامة بيئياً إلى استخدام الملاذات الضريبية. وفي ما يتعلق ببرنامج الإجازات في المملكة المتحدة؛ حيث دفعت الحكومة ما يصل إلى 80% من أجور الموظفين الذين تمت إجازتهم، كان يجب أن يكون مشروطاً على أقل تقدير بعدم طرد العمال بمجرد انتهاء البرنامج؛ لكن الأمر لم يكن كذلك.

عقلية الرأسمالي المغامر

لا يمكن للدولة أن تستثمر فقط؛ بل يجب أن تعقد الصفقة الصحيحة. وللقيام بذلك، يجب أن تبدأ في التفكير في ما سميته “دولة ريادة الأعمال” مع التأكد من أنها تستثمر؛ فهي لا تهزأ بالجانب السلبي فحسب، بل تحصل أيضاً على نصيبٍ من الارتفاع. وتتمثل إحدى طرق القيام بذلك في الحصول على حصة في الصفقات التي تجريها. ولنأخذ على سبيل المثال شركة “سوليندرا” للطاقة الشمسية، التي حصلت على قرض مضمون بقيمة 535 مليون دولار من وزارة الطاقة الأمريكية قبل إفلاسها عام 2011، وأصبحت مثالاً محافظاً على عدم قدرة الحكومة على اختيار الفائزين.

اقرأ أيضاً:كورونا” يخلِّف آثاراً عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

وفي الوقت نفسه تقريباً، منحت وزارة الطاقة قرضاً مضموناً بقيمة 465 مليون دولار لشركة “تيسلا” التي شهدت نمواً هائلاً. ودفع دافعو الضرائب مقابل فشل “سوليندرا”؛ لكنهم لم يكافؤوا قط على نجاح “تيسلا”. ولن يقوم أي صاحب عمل رأسمالي مغامر يحترم نفسه بهيكلة استثمارات من هذا القبيل. والأسوأ من ذلك أن وزارة الطاقة نظمت قرض “تيسلا”؛ بحيث تحصل على 3 ملايين سهم في الشركة إذا لم تتمكن “تسلا” من سداد القرض، وهو ترتيب مصمم لعدم ترك دافعي الضرائب خاليي الوفاض. لكن لماذا تريد الحكومة حصة في شركة فاشلة؟

دخلت شركة “أبل” في جدل مع الحكومة الأمريكية حول إمكانية استخدام بيانات العملاء للسيطرة على الجائحة- وادي السليكون.. الولايات المتحدة- “بوليتيكو”

وكانت الاستراتيجية الأكثر ذكاءً هي القيام بالعكس ومطالبة “تيسلا” بدفع ثلاثة ملايين سهم إذا كانت قادرة على سداد القرض. ولو فعلت الحكومة ذلك لكانت قد ربحت عشرات المليارات من الدولارات مع نمو سعر سهم “تيسلا” على مدار فترة القرض التي كان من الممكن أن تغطي تكلفة فشل “سوليندرا” مع بقاء الكثير للجولة التالية من الاستثمارات؛ لكن النقطة المهمة هي القلق ليس فقط بشأن المكافأة المالية للاستثمارات العامة. إذ ينبغي على الحكومة أن تضع شروطاً قوية على صفقاتها؛ لضمان أنها تخدم المصلحة العامة. ويجب تسعير الأدوية التي تم تطويرها بمساعدة الحكومة لأخذ هذا الاستثمار في الاعتبار.

اقرأ أيضاً: تسييس “كورونا”.. يشعل فتيل حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين

كما يجب أن تكون براءات الاختراع التي تصدرها الحكومة قابلة للترخيص بسهولة من أجل تعزيز الابتكار وريادة الأعمال وتثبيط السعي وراء الريع. وتحتاج الحكومات أيضاً إلى النظر في كيفية استخدام عوائد استثماراتها لتعزيز توزيع أكثر إنصافاً للدخل. وهذا ليس عن الاشتراكية؛ بل يتعلق الأمر بفهم مصدر الأرباح الرأسمالية. من جانب آخر، أدت الأزمة الحالية إلى تجدد المناقشات حول الدخل الأساسي الشامل؛ حيث يتلقى جميع المواطنين رواتب منتظمة متساوية من الحكومة بغض النظر عما إذا كانوا يعملون أم لا.

ونظراً لأن الدخل الأساسي الشامل يُنظر إليه على أنه دعم مالي، فإنه يديم الفكرة الخاطئة القائلة إن القطاع الخاص هو المصدر الوحيد للثروة في الاقتصاد، وليس المشارك فيه، وأن القطاع العام مجرد جامع للرسوم يستحوذ على الأرباح ويوزعها كدعم. ولعل البديل الأفضل هو سياسة عائد المواطن. وبموجب هذه السياسة تأخذ الحكومة نسبة مئوية من الثروة الناتجة عن الاستثمارات الحكومية، وتضع هذه الأموال في صندوق ثم تشارك العائدات مع الناس. والفكرة هي مكافأة المواطنين مباشرة بنصيب من الثروة التي كونوها. ونجد ولاية ألاسكا، على سبيل المثال، وزعت عائدات النفط على السكان من خلال أرباح سنوية من صندوقها الدائم منذ عام 1982. وتفعل النرويج شيئاً مشابهاً مع صندوق التقاعد الحكومي.

الدكتورة سارة كودي مديرة إدارة الصحة العامة في مقاطعة سانتا كلارا.. خلال مؤتمر صحفي حول معدل انتشار الوباء في وادي السليكون- “لوس أنجلوس تايم”

وقد تفكر كاليفورنيا، التي تستضيف بعضاً من أغنى الشركات في العالم في القيام بشيء مماثل. وعندما أنشأت شركة “أبل”، التي يقع مقرها الرئيسي في كوبرتينو بكاليفورنيا، شركة تابعة لها في مدينة رينو بولاية نيفادا؛ للاستفادة من معدل ضريبة الشركات بنسبة صفر في المئة في تلك الولاية، خسرت كاليفورنيا قدراً هائلاً من عائدات الضرائب. ولا ينبغي حظر مثل هذه الحيل الضريبية فحسب؛ بل يجب على كاليفورنيا أيضاً أن تقاوم من خلال إنشاء صندوق ثروة حكومي من شأنه أن يوفر وسيلة إلى جانب الضرائب للاستيلاء مباشرةً على حصة من القيمة التي أنشأتها التكنولوجيا والشركات التي ترعاها.

اقتصاد يحركه الغرض

عندما يجتمع القطاعان العام والخاص سعياً لتحقيق مهمة مشتركة يمكنهما القيام بأشياء غير عادية. وتلك هي الطريقة التي وصلت بها الولايات المتحدة إلى القمر عام 1969. لمدة ثماني سنوات، تعاونت وكالة “ناسا” والشركات الخاصة في قطاعات متنوعة؛ مثل الفضاء والمنسوجات والإلكترونيات في برنامج أبولو، حيث استثمرت وابتكرت معاً.

اقرأ أيضاً: هل ضرب فيروس كورونا العولمة في مقتل؟

وبعد مرور أكثر من 50 عاماً، وفي خضم جائحة عالمية، أمام العالم فرصة لمحاولة تحقيق هدف أكثر طموحاً وهو إرساء قواعد اقتصاد أفضل. وسيكون هذا الاقتصاد أكثر شمولاً واستدامة؛ بحيث ينبعث منه قدر أقل من الكربون، ويولد قدراً أقل من عدم المساواة، ويبني وسائل النقل العام الحديثة، ويوفر الوصول الرقمي للجميع، ورعاية صحية شاملة. وعلى الفور، سيجعل ذلك لقاح كورونا متاحاً للجميع. ويتطلب إنشاء هذا النوع من الاقتصاد نوعاً من التعاون بين القطاعَين العام والخاص لم نشهده منذ عقود.

ويستشهد بعض الذين يتحدثون عن التعافي من الجائحة بهدف جذاب هو العودة إلى الحياة الطبيعية. لكن هذا هو الهدف الخطأ؛ فالحياة الطبيعية محطمة. وبدلاً من ذلك، يجب أن يكون الهدف، كما قال الكثيرون، “إعادة البناء بشكل أفضل”. فقبل اثني عشر عاماً، قدمت الأزمة المالية فرصة نادرة لتغيير الرأسمالية؛ لكنها تبددت. والآن، تقدم أزمة أخرى فرصة أخرى للتجديد. غير أن هذه المرة، لا يمكن للعالم أن يتركها تذهب سدى.

♦أستاذة في جامعة لندن كوليدج، ومؤلفة كتاب “قيمة كل شيء: صُنع الاقتصاد العالمي والاستفادة منه”.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة