الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الثورة الإيرانية وحزب الله: تهديد عالمي مستمر

كيوبوست- ترجمات

تأسس حزب الله في لبنان في فترة السبعينيات من قبل الثوار الإسلامويين الذين استولوا على السلطة في إيران في عام 1979. الوسط ذاته الذي تشكّل فيه حزب الله هو ذاته الذي تأسّس فيه الحرس الثوري الإسلامي الذي يحمي الجمهورية الإسلامية في إيران، ويصدّر ثورتها من خلال استنساخ قوات تتبع الحرس الثوري الإيراني في دولٍ مختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، مثل “أنصار الله” أو “الحوثيين” في اليمن.

استغل حزب الله موجة “الصحوة الإسلامية الشيعية” في لبنان التي بدأت في فترة الستينيات، والانقسام داخل الحركة بين زعيميها، الإمام موسى الصدر قائد الجناح الأكثر سلمية، وبين الكوادر الناشطة الثورية التي التفت حول آية الله العظمى حسين فضل الله، رجل الدين الإيراني المولد والذي عاش في جنوب لبنان منذ الخمسينيات.

ميليشيا لبنانية تابعة لحزب الله- (المصدر cnn)

أصدر حزب الله بيانه الأول في عام 1985 وظهر علنًا -إلى حدٍّ كبير- في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، التي كانت تهدف إلى تطهير معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية على حدودها الشمالية، وبالتالي يقدم الحزب نفسه على أنه حركة “مقاومة” للاحتلال الإسرائيلي. لكن حزب الله تورّط في أول تفجير انتحاري في عام 1981، بهجومه على السفارة العراقية في بيروت، كما نفّذ عمليات في عام 1983، ضد السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل من ذلك العام، أسفرت عن مقتل 49 شخصًا، وعمليات ضد ثكنات قوات حفظ السلام الأمريكية والفرنسية في أكتوبر، أدّت إلى مقتل 305 أشخاص: 241 أمريكيًا و58 فرنسيًا، وستة من المارة المدنيين.

وأصبح الإرهاب الذي تمارسه إيران، من خلال حزب الله، عالميًا منذ ذلك الحين، مستهدفًا اليهود بشكلٍ خاص، لا سيّما تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس في عام 1994، الذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا، ومؤخرًا أدّى تفجير انتحاري لحزب الله في برجاس، بلغاريا، في عام 2012، إلى مقتل ستة سياح إسرائيليين، وإصابة قرابة ثلاثين شخصًا.

اقرا أيضًا: حزب الله.. شعبية متدهورة للمقاومة المزعومة!

العلاقة الحميمة بين حزب الله والثورة الإيرانية لم تخف أبدًا. وقد جاء في بيان 16 فبراير 1985 الذي أعلن عن وجود حزب الله أن الحزب “ملتزم بأوامر القيادة الحكيمة والعادلة المتجسدة في ولاية الفقيه [الأيديولوجية الحاكمة للنظام الإيراني]، والمتجسدة في روح الله، [المرشد الأعلى الأول لإيران] آية الله موسوي الخميني، محرِّك الثورة الإسلامية، وبادئ نهضتها المجيدة”.

العديد من أعضاء الحزب هم من الشيعة اللبنانيين، لكن الحزب لا يعترف بأي حال من الأحوال بالجنسية على أساس حدود الشرق الأوسط الحديث، وولاؤه للحكومة الإسلامية الإيرانية. فهم يعتبرون المرشد الأعلى الإيراني، الخميني أولًا، وآية الله علي خامنئي حاليًا، قائدًا لهم. وتجدر الإشارة إلى أن القائد العسكري الأصلي لحزب الله، عماد مغنية، كان ضابطًا في الحرس الثوري الإيراني، والزعيم الحالي للحزب، الأمين العام للحزب، الشيخ حسن نصر الله، هو عميل للثورة الإيرانية أيضًا.

الحرس الثوري الإيراني- “بي بي سي”

علاوةً على ذلك، تلقى حزب الله -منذ فترة طويلة- دعمًا من سوريا، على أساسٍ استراتيجي وليس أيديولوجيًا، فنظام الأسد الذي يحكم سوريا متحالف بشكلٍ وثيق مع إيران. وقد مُنح حزب الله منطقة استراتيجية قريبة من البحر -وإمكانية الوصول إلى الموانئ التي يمكن أن تتجنب التدقيق في لبنان- ولكن في ظل حكم حافظ الأسد، حافظت سوريا بقوة على اليد العليا في هذه العلاقة. بعد وفاة حافظ في عام 2000 وتولي ابنه بشار مقاليد الحكم في سوريا، انعكست تلك الديناميات، خاصة بعد اندلاع التمرد في سوريا في عام 2011، عندما اضطرت إيران وحزب الله إلى التدخل لإنقاذ بشار.

ومع الوقت، ثبتت انتهازية حزب الله، فقد دأب على تقديم نفسه باعتباره جماعة “مقاومة” لكن بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، رفض حزب الله نزع سلاحه، واستخدم أسلحته لتعزيز سيطرته على الدولة اللبنانية.

على سبيل المثال، كانت هناك عمليات اغتيال متكررة في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990. وقد وصفها أحد الباحثين بشيءٍ من الخبث قائلًا: “هناك نمط للاغتيالات: [فالضحايا] عادة ما يكونون من منتقدي سوريا… [أو] إيران أو حزب الله”.

لطالما ساعد حزب الله أجندة إيران التوسعية في الشرق الأوسط، حيث استولى على دولة لبنان منذ عقود، ومؤخرًا وضع العراق وسوريا تحت الهيمنة الإيرانية. لقد توسّع حزب الله خارج شمال الشرق الأوسط، وأبرزها في اليمن، حيث تسمح جماعة أنصار الله لإيران بتهديد المملكة العربية السعودية والممرات البحرية الدولية.

اقرأ أيضاً: لبنان.. الشيعة يستنكرون هيمنة “حزب الله”

انتشر حزب الله في جميع أنحاء العالم -إلى أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وخارجها- ما عزَّز علاقات الحزب مع الجهات الفاعلة المحلية الأخرى، وشكّل شبكات إجرامية دولية واسعة توفر الإيرادات لدعم الحزب، وتنشر أيديولوجية النظام الإيراني.

وقد غطى موقع عين أوروبية في وقتٍ سابق شبكة إيران وحزب الله في أوروبا التي تعمل على تطرف الشيعة، ما أوجد موالين أيديولوجيين يشكلون خطرًا على استقرار القارة. على سبيل المثال، يوجد في ألمانيا ثلاثون مسجدًا وجمعيات ثقافية مرتبطة بحزب الله أو متحالفة معه. في برلين هناك مساجد، مثل مسجد الإمام رضا، ومسجد الإرشاد التي تُظهر دعمًا قويًا لحزب الله من خلال جمع الأموال وغيرها من الأنشطة الداعمة.

استخدمت إيران حزب الله للتسلل إلى القارة الإفريقية. ومثل الجماعات الجهادية الأخرى، استغل حزب الله الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة، وهشاشة الدولة، والمساحات الشاسعة غير الخاضعة لسيطرة الدولة لترسيخ أقدامه. لقد بنى حزب الله شبكات إجرامية تهرب الأسلحة وأوجد مصادر أخرى للإيرادات المالية. ومن خلال غسل هذه الأموال، اخترق حزب الله الاقتصادات الإفريقية وتورّط في الهياكل الاقتصادية. هذا التسلل الاجتماعي والاقتصادي يهدف إلى ضمان توسّع أيديولوجية إيران في إفريقيا، قارة تعتبرها طهران مفيدة لأسبابٍ مختلفة.

اقرأ أيضاً: ورقة بحثية: إيران وحزب الله يواصلان بسط سيطرتهما في لبنان

وقد سعى حزب الله إلى شق طريقه لخدمة الأيديولوجية الشيعية الثورية الإيرانية في المناطق التي يوجد فيها مسلمون أفارقة من الطوائف السنية والصوفية. وقد عرضت المؤسسات الشيعية التي تسيطر عليها إيران على الأفارقة، الذين لديهم دخل محدود، مزايا مالية وتعليم مجاني للأطفال، في خطة متعمدة لتحويلهم إلى مذهب إيران الشيعي.

ومن أهم المؤسسات وأكثرها تأثيرًا في تلقين الشيعة جامعةُ المصطفى، التي توجد في دول شرق إفريقيا مثل تنزانيا (المركز الرئيس)، وكذلك غربها، في غانا والكاميرون وساحل العاج، وهناك وجود لحزب الله في جنوب إفريقيا.

ترتبط الحملة الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية التي تشنها إيران في إفريقيا من خلال حزب الله بالجوانب العسكرية والإرهابية. فعلى سبيل المثال، تصنّف الولايات المتحدة جامعة المصطفى على أنها مؤسسة تسهّل عملية التجنيد في فيلق القدس، الجناح الخارجي للحرس الثوري الإيراني.

وفي المغرب، يدعم حزب الله الجماعات الانفصالية مثل جبهة البوليساريو. ففي عام 2017، بدأ حزب الله بإرسال أسلحة ووحدات عسكرية لتدريب عناصر البوليساريو، وتشكيل فرق كوماندوز، وإعداد عمليات عدائية ضد المملكة المغربية.

جانب من تدريبات عناصر مقاتلة من منسوبي جبهة البوليساريو- “أ ف ب”

ولعل حزب الله قد انتشر واكتسب السلطة في أمريكا اللاتينية أكثر من أوروبا وإفريقيا، مستفيدًا في ذلك من العلاقات الوثيقة التي تربط إيران (وروسيا) بالحكومات اليسارية في نصف الكرة الغربي، ولفترة أطول في كوبا وفنزويلا، ومؤخرًا في نيكاراجوا وبوليفيا وهندوراس والمكسيك والأرجنتين وبيرو وتشيلي وكولومبيا. وهناك أدلة كثيرة على حدوث عمليات تهريب الكوكايين وغسل الأموال بواسطة حزب الله في أمريكا اللاتينية، عمليات تدرُّ أرباحًا لشبكة إيران الدولية.

ففي عام 2017، اعتقلت السلطات الكولومبية، قبل التحول الأخير إلى اليسار، ورحلت الممول الفنزويلي اللبناني لحزب الله عبد الله راميل رضا، بعد اتهامه بالاتجار بالمخدرات والتهريب وغسل الأموال. واعترف الأخير بأن مشرفه كان سلمان رؤوف سلمان (صموئيل سلمان رضا)، عضو بارز في منظمة الأمن الخارجي التابعة لحزب الله أو منظمة الجهاد الإسلامي في أمريكا اللاتينية. منظمة الأمن الخارجي لحزب الله/ منظمة الجهاد الإسلامي هي وحدة الإرهاب التابعة لحزب الله التي تورطت في عمليات مختلفة في نصف الكرة الغربي بما في ذلك تفجير السفارة الإسرائيلية في بيونس آيرس في عام 1992 والفظائع المذكورة أعلاه في مركز الجالية اليهودية في المدينة ذاتها بعد ذلك عامين.

في السنوات الأخيرة، حدث بعض التقدم في إدراك الخطر الكبير الذي يمثله حزب الله. ذلك أنه في عام 2019، تخلت المملكة المتحدة عما يقول الحزب نفسه إنه تمييز خاطئ -بين جناحيه “السياسي” و “العسكري”- وصنّفت حزب الله بأسره كيانًا إرهابيًّا. وقد انضمت الأرجنتين وباراجواي إلى المملكة المتحدة في ذلك العام. إضافة على ذلك، صنّفت ألمانيا حزب الله منظمةً إرهابيةً في عام 2020، وكذلك كولومبيا. غير أن “الموجة الوردية” في أمريكا اللاتينية -تولي حكومات يسارية مقرّبة من إيران زمام الأمور في دول متعددة- تتحدى خط الاتجاه هذا: ففي أحسن الأحوال، قد يصبح عدد من هذه الدول أكثر تراخيًا في إنفاذ مثل هذه القوانين.

اقرأ أيضاً: “حزب الله” يسعى لبناء خلايا نائمة جديدة في الخارج

وقد تُقدم بعض الدول على رفع حزب الله رسميًا من قوائم الإرهاب الخاصة بها. من ناحيةٍ أخرى، لا تزال إفريقيا بيئة متساهلة لحزب الله، حيث أدرجت دولتان فقط -مصر والسودان- الحزب على القائمة السوداء.

وعلى الرغم من أن أوروبا أفضل من الناحية القانونية، فإن مواجهة العمل التخريبي والأيديولوجي لحزب الله بين المجتمعات في القارة لم ترتق إلى مستوى الأولوية بعد. ولا يزال التركيز العالمي على عرقلة تدفقات الإيرادات غير المشروعة للحزب غير كافٍ.

وفي حين أنه قد أحرز بعض التقدم على مدى نصف العقد الماضي، لا تزال هناك تدابير كثيرة ينبغي اتخاذها من أجل حماية الدول والمجتمعات في جميع أنحاء العالم من تسلل الأيديولوجية الثورية الإيرانية وجهازها الإرهابي.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة