الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

الثورة الإيرانية.. الإسلام السياسي والرأسمالية العالمية

الإسلام السياسي هو نظامٌ فكري يشتمل على عدة حركات يمينية تنتهك حقوق الإنسان وتحرم المرأة من إنسانيتها كما تقول الناشطة الإيرانية ليا هوشياري

كيوبوست- ترجمات

ليا هوشياري

إن ما تشهده إيران هو ثورة اجتماعية. إنها انتفاضة النساء في كل أنحاء إيران. أظهرت الاحتجاجات التي أعقبت جريمة قتل مهسا أميني، وانتشرت في كل أرجاء الدولة، أن نضال النساء ضد فرض ارتداء الحجاب خلال السنوات الأخيرة الماضية الذي تمثَّل في حركاتٍ، مثل “فتيات شارع الانقلاب”، وما شابهها من أشكال العصيان المدني، والانتفاضات الوطنية في عامي 2017 و2019 مازال مستمراً. صحيح أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أدَّت إلى تسارع هذه الانتفاضات، إلا أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بصوت المرأة.

هل يمكن لأحدٍ أن يتجاهل موجة الغضب التي خرجت بسبب مقتل مهسا (والعديد من النساء الأخريات)؟

إن مقتلها لم يكن موتاً عادياً بالنسبة للإيرانيين. لقد كانت جريمة اقترفتها الدولة، الأمر الذي يتكرر حدوثه يومياً، بعيداً عن عدسات الصحافة والإعلام. إن مقتلها هو بمثابة موت لنا جميعاً. كانت النسوة والشابات اللواتي تجمعن خارج المشفى الذي قضت فيه مهسا يهتفن: “قد تكون ابنتي مكان مهسا” – “قد يحصل هذا لأيٍّ منا” – “كلنا ماسة”.

اقرأ أيضاً: أزمة الشرعية في إيران

لهذا السبب، فإن مهسا ليست مجرد امرأة، بل إنها رمز لمقاومة الظلم الممنهج الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية، رمزٌ لجميع المضطهدين من طلاب وعمال ومدرسين، وللفقراء المهمشين والأقليات، وكل من يتعرض للقمع العنيف في الجمهورية الإسلامية. لهذا؛ فإن ما يحدث ليس مجرد نضال ضد فرض ارتداء الحجاب، ولكنه كفاح ضد كل أنواع الاضطهاد الذي تعيشه النساء في إيران في المنزل والعمل والمدارس والشوارع، بل حتى في حياتهن الخاصة، إن الإسلام السياسي موجود في كل مكان.

عقب هزيمة ثورة 1979 الشعبية [المقصود هو المظاهرات النسائية التي استمرت 6 أيام في طهران- المترجم] ظهر الإسلام السياسي في إيران. كانت حركة سياسية بورجوازية رجعية، انتشرت منذ زمن بعيد لتتجاوز حدود إيران إلى العالم أجمع، وخصوصاً في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، كحركةٍ يمينية متطرفة تهدف لإخضاع الطبقة الفقيرة والشعوب، وخصوصاً الأكراد، وأيضاً للقضاء على الحركات اليسارية المناهضة للرأسمالية في المنطقة.

دفع مقتل مهسا أميني النساء الإيرانيات إلى خلع الحجاب وحرقه في مظاهرات عمت أنحاء البلاد- (بي بي سي)

تتجه نظرة الإسلام السياسي للعالم باتجاه الهيمنة الرأسمالية الأبوية التي ما انفكت تنتشر خلال القرن العشرين، والمناهضة للمنظمات النسوية المقاومة للفكر الأبوي، في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وحتى أفغانستان قبل أن تقضي عليها حركة طالبان.

من الأهمية بمكان القيام بتأريخ الظواهر، حيث إن الرأسمالية، وخاصة الأبوية، تعمل على تطبيع ما لا يمكن أن يكون طبيعياً، ولا يبدو أنه كذلك. لهذا السبب، فإن المسيرات النسائية التي خرجت في 8 مارس 1979 احتجاجاً على إجراءات النظام المجحفة بحق النساء أصبحت طي النسيان. وكذلك النسوة الإيرانيات والكرديات والأفغانيات والعربيات والتركيات والأمازيغيات، مع كثيراتٍ من النسوة في مجتمعاتٍ أخرى من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اللواتي تحاربن للتحرر مما يعنيه تصنيفهن كـ”امرأة”، وخصوصاً “امرأة مسلمة”، بالمقارنة مع النساء من فرنسا والباسك وكاتالونيا وإنجلترا، فهؤلاء من غير المعتاد الإشارة إليهن كـ”نساء مسيحيات” أو “نساء من دول مسيحية”.

اقرأ أيضاً: مهسا أميني.. أيقونة انتفاضة جديدة في إيران

الإسلام السياسي هو نظامٌ فكري؛ يشتمل على عدة حركات يمينية تنتهك حقوق الإنسان، وتحرم المرأة من إنسانيتها. لهذا فإنه من المهم أن يفهم كل من المناهضين للعنصرية والاشتراكيين والمعادين للاستعمار وناشطي الحركات النسوية في أوروبا خصوصيةَ هذا الأمر، حتى لا يتم إعادة إنتاج أي نوع من أنواع التصنيف المسبق للنساء.

إن محاربة الصنمية الثقافية والدينية، وأي ظاهرة اجتماعية من شأنها أن تغطي وتطبع الممارسات السياسية العنيفة ضد النساء في أي دولةٍ من الدول هي واجب أخلاقي وسياسي. لا مفر من هذه المسؤولية طالما اعتبرنا أنفسنا ناشطات نسويات اجتماعيات. إن ما نحتاجه هو هياكل سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة يشارك في وضعها الجميع.

اجتاحت الاحتجاجات أنحاء المدن الإيرانية بعد مقتل مهسا أميني- وكالات

ليس من الضروري امتلاك هوية محددة للتفكير بالتحرر والحرية، بل يكفي التمتع بالمعرفة. لهذا فإننا نلح على الحركة العالمية النسوية بأن تولي المزيد من الاهتمام بالنساء الكرديات اللواتي يحاربن لنيل الحرية لشعوبهن. وعلى الحركة أن تقرأ وتستمع للنساء في إيران وتركيا وأفغانستان، والأمازيغ ومصر وتونس، وذلك لفهم وإظهار الطبيعة العالمية للإسلام السياسي وأساليبه في خلق هيمنة في مختلف قطاعات المجتمعات حول العالم باستخدام المال والسلاح والدين، كما تفعل الأنظمة الإمبريالية.

يستمر تطبيقنا العملي لأسس الفكر النسوي المرتبط بالنضال ضد الرأسمالية والفهم الماركسي على الإصرار بأن الإسلام السياسي إنما هو أداة بيد حكومات المنطقة تقوم الفئات اليمينية المتطرفة والنخب باستخدامها بقسوة منذ بدء الحرب الباردة للترويج للاندماج في هيكلية الرأسمالية العالمية.

اقرأ أيضًا: إيران تفتقد أعظم ثرواتها.. المرأة

هناك عند قبر مهسا في “سقز” خلعت المشيعات حجاباتهن ولوَّحْنَ بها في الهواء، وكأن هذا الحجاب عاد ليقوم بوظيفته الأصلية كجزء من الرقصة الكردية، وليس كأصفاد تقيد أجسادهن، وتسلب هوياتهن وشخصياتهن.

هذه الرسالة المتميزة وصلت إلى جميع أرجاء إيران، حيث نزل الرجال والنساء إلى الشوارع ملوحين بقبضاتهم بغضب، بينما تداعب نسمات الهواء شعرهم، ووصل الأمر إلى المدارس والجامعات التي طالما التزمت الصمت، وها هي اليوم مليئة بالنساء اللواتي نزعن حجاباتهن، وأعلنّ الإضراب في حرم كلياتهن، ونسمع حتى في أصغر وأفقر مدن إيران هتافات الناس، وللمرة الأولى نسمع الناس تهتف “أختاه” بدلاً من “أخي”.

احتجاجات في إيران بعد وفاة مهسا أميني- وكالات

بالرغم من أنه يمكن أن يرى المرءُ الأمل والخوف بين الناس، فإن الانتفاضة الرائعة تعبِّر عن الوحدة الوطنية والتضامن بين الكرد والترك والفرس والبلوش، وغيرهم من القوميات. يقول الناس بعضهم لبعض “لا تخشَ.. لا تخشَ.. نحن جميعاً معاً”.

منذ أيام الانتفاضة الأولى، قامت الجمهورية الإسلامية بتقييد الوصول للإنترنت، فأصبح الحصول على أخبار من إيران أمراً صعباً. لهذا فإن قلة هم من يعلمون كم مدينة في كردستان قد أعلنت الإضراب الشامل، وأن قوات النظام قد تسببت في حمامات دم في زاهدان (مدينة في الجنوب الشرقي الإيراني) بقتلها عشرات المتظاهرين البلوش، بينما كانت قوات الحرس الثوري الإسلامي تقصف كردستان العراق.

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. بركان خامد يعاود الانفجار

أضحت إيران في نقطة اللا عودة. الغضب الشعبي أصبح أكبر من قوة النظام القاهرة، وبالنظر إلى شجاعة الجيل الجديد المتحرر تماماً من الفكر الإسلامي، فإنه من المحتمل كثيراً أنه لن تستمر الجمهورية الإسلامية بالوجود لوقتٍ طويل.

مهسا أميني ليست مجرد فرد، لقد تماهى اسمها مع أسماء جميع النسوة اللواتي اعتقلن، وتعرضن للتعذيب والقتل في الجمهورية الإسلامية. وإن كتب اسمها على شاهد قبر فهو سيبقى خالداً. اسمها هو “رمزنا”، اسمها هو حافز لنا لنطيح بأسس الأنظمة الأبوية والرأسمالية في جميع أنحاء العالم.

♦ناشطة إيرانية، وإحدى المشاركات في تنظيم المؤتمر الماركسي النسوي الرابع.

المصدر: ترانسفورم يوروب

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة